سوريا - اقتصاد
سوريا على سكة استعادة " ذهبها الأبيض".. جدوى مشروطة بتدابير استثنائية
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٣٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

هل تعود زراعة القطن إلى الأراضي السوري وتزدهر كما كانت مزدهرة في السابق؟.. وهل تبدو ذات جدوى في ظل شراهة المحصول المعروفة للمياه؟.. تساؤلات مشروعة وجدل يدور حول هذا المحصول السوري التراثي والإستراتيجي العريق.
فالقطن واحد من أقدم المحاصيل الزراعية وأكثرها أهمية في سوريا، حيث ارتبط اسم البلاد بجودة أقطانها في الأسواق العالمية لعقود طويلة. هذا المحصول الذي أُطلق عليه لقب "الذهب الأبيض" لم يكن مجرد محصول زراعي عابر، بل شكل عموداً فقرياً للاقتصاد الوطني وصناعة نسيجية متكاملة، ووفر فرص عمل لنحو 20% من السكان في مراحل زراعته وتصنيعه وتجارة ونقله.
غير أن سنوات الحرب وما تلاها من تحديات مناخية واقتصادية، وضعت هذا القطاع الحيوي أمام اختبارات صعبة، تطلبت وضع استراتيجيات جديدة لإعادة إحيائه واستعادة مكانته المفقودة.
جودة وتنافسية ومردود عالمي
تمتع القطن السوري بسمعة استثنائية في الأسواق العالمية، جعلته مكوناً أساسياً في خلطات المغازل العالمية. فإلى جانب الجودة العالية للألياف. ووفقاً لتقارير سابقة لوزارة الزراعة، احتلت سوريا ولعقود ماضية المرتبة الثانية عالمياً في مردود وحدة المساحة، حيث تطور المردود من 1625 كغ/هكتار عام 1970 إلى نحو 4000 كغ/هكتار في العام 2010. هذا التميز الإنتاجي جعل القطن السوري منافساً قوياً في الأسواق الدولية، وحاز على جوائز تقديرية عديدة نظراً لاستخدامه في الصناعات النسيجية عالية الجودة، مثل الجينز والمنسوجات الفاخرة.
سلسلة إنتاج متكاملة
وتتميز سوريا بامتلاكها كامل سلسلة إنتاج الصناعات النسيجية، بدءاً من المادة الخام وحتى المنتج النهائي، وهي ميزة نادرة في المنطقة. ويشمل ذلك معامل الحلج والغزل والنسيج والصباغة والتحضير، وصولاً إلى إنتاج الألبسة بأنواعها المختلفة، وكلها بخبرات وطنية. وقد ساهم هذا التكامل في جعل القطاع النسيجي من أهم القطاعات الصناعية، حيث بلغت نسبة مساهمته 27% من صافي الناتج الصناعي غير النفطي، وحوالي 45% من الصادرات غير النفطية، بقيمة إنتاج تجاوزت 2.2 مليار دولار في سنوات مابعد 2005.. وفق المجموعة الإحصائية الصادرة في العام 2010.
الجدوى الاقتصادية والاجتماعية
يأتي محصول القطن في مقدمة الإنتاج الزراعي من حيث الأهمية الاقتصادية، حيث كان يمد معامل الحلج والغزل والنسيج ومعامل الزيوت النباتية والأعلاف بالمادة الأولية. وتشكل مساحات القطن في سوريا ما بين 20% إلى 22% من مساحة الأراضي المروية المزروعة، ويعمل في إنتاجه أكثر من 20% من السكان. كما أن للقطن قيمة مضافة تتجاوز كونه محصولاً زراعياً، فهو يوفر البذور الصناعية لإنتاج الزيوت والكسبة والأعلاف، مما يعزز مكانته كمنتج متكامل يغذي صناعات متعددة.
واقع التراجع والأسباب
غير أن هذه الميزات الكبيرة لم تحمِ القطن السوري من تداعيات سنوات الحرب، حيث تراجعت المساحات المزروعة بشكل كبير من أكثر من 175 ألف هكتار إلى 49.6 ألف هكتار خلال فترة 2011-2018، بينما انخفض الإنتاج من 638.5 ألف طن إلى أقل من 51 ألف طن. ويعزو الخبراء ذلك إلى عدة عوامل، منها خروج المحالج من العملية الإنتاجية، وصعوبة توفير مستلزمات الإنتاج، وقلة الأيدي العاملة وارتفاع أجورها، إضافة إلى عدم قدرة المزارعين على التواجد في أراضيهم نتيجة الظروف الأمنية، وتراجع شبكات الري الحكومية.
استراتيجيات للنهوض
أمام هذا التراجع، وضعت وزارة الزراعة السورية بالتعاون مع الجهات المعنية استراتيجية خمسية لإنقاذ "الذهب الأبيض" وإعادته إلى مكانته السابقة. وتتضمن هذه الخطة زيادة المساحات المزروعة إلى حوالي 180 ألف هكتار، ورفع الإنتاج إلى نحو 600 ألف طن من القطن المحبوب، وزيادة المردود في وحدة المساحة ليصل إلى 4200 كغ/هكتار. وقد أعلنت الوزارة عن خطة لزراعة 50 ألف هكتار في عام 2026 كخطوة أولى نحو تحقيق هذه الأهداف.
وتركز الاستراتيجية على التحول إلى أساليب الري الحديث لتقليل هدر المياه، حيث تشير التقديرات إلى أن التحول للري بالتنقيط يمكن أن يوفر حوالي مليار متر مكعب من مياه الري سنوياً، مع خفض المساحات المزروعة إلى 130 ألف هكتار مع الحفاظ على نفس كميات الإنتاج. وتشمل الخطة أيضاً إدخال أساليب المكننة المتكاملة لتقليل التكاليف، واستنباط أصناف جديدة عالية الإنتاجية متلائمة مع التغيرات المناخية ومتحملة للإجهاد البيئي.
اختبار الحقول
يبقى القطن السوري "الذهب الأبيض" الذي يمتلك إمكانات هائلة للعودة بقوة، شرط تضافر الجهود الرسمية والأهلية. يتطلب النهوض بهذا المحصول تحقيق كفاءة إنتاجية كبيرة عبر زيادة المساحات والمردود، والتحول إلى تقنيات الري الحديث، واستنباط أصناف مقاومة للتغيرات المناخية. كما أن إعادة تأهيل شبكات الري ومعامل الحلج والغزل، ودعم المزارعين بتسعيرة عادلة ومستلزمات الإنتاج، هي عوامل حاسمة في إعادة هذا المحصول الاستراتيجي إلى سابق عهده، ليستعيد مكانته المرموقة في الأسواق العالمية ويسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق الأمن الغذائي والصناعي للبلاد.
كلام مسؤول
يكشف مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة السورية، محمد معري، أن التقديرات الأولية لمحصول القطن خلال الموسم الحالي تشير إلى إنتاج نحو 79,467.3 طناً، مؤكداً أن الحالة العامة للمحصول جيدة.
وقال معري في تصريح نقلته وكالة سانا اليوم: إن المساحات المزروعة بالقطن بلغت نحو 26,593 هكتاراً، بزيادة عن الموسم الماضي الذي سجلت خلاله المساحة المزروعة نحو 25,810 هكتارات، بإنتاج بلغ 69,587 طناً.
وأوضح أن الموسم الحالي واجه عدداً من التحديات المناخية والزراعية، أبرزها انخفاض درجات الحرارة واستمرار هطول الأمطار حتى شهر أيار، ما تسبب في تأخر عمليات الزراعة، إضافة إلى تضرر بعض المساحات المزروعة نتيجة لارتفاع منسوب مياه نهر الفرات.
وأشار معري إلى أن زراعة القطن تواجه كذلك صعوبات مرتبطة بانخفاض كميات مياه الري نتيجة لتراجع الموارد المائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية لشبكات الري، وهي عوامل أسهمت في تراجع المساحات المزروعة بالمحصول خلال السنوات الماضية.
توفير المياه
وبيّن معري أن العمل جارٍ للتخطيط لاعتماد تقنيات وأساليب ري حديثة، بوصفها خياراً استراتيجياً لتقليل استهلاك المياه ورفع كفاءة استخدامها، وتحسين إنتاجية وحدة المساحة، بما يتلاءم مع الظروف المناخية والمائية الراهنة.
وفي إطار دعم المزارعين، تتابع الوحدات الإرشادية في مديريات الزراعة مراحل زراعة المحصول، من خلال تقديم الإرشادات والتدريبات والنصائح اللازمة لتحسين عمليات الإنتاج.
كما تعمل هيئة البحوث العلمية الزراعية على برامج لتربية وتحسين أصناف القطن، بهدف استنباط أصناف أكثر تحملاً للإجهاد المائي، ومبكرة النضج، وعالية الإنتاجية، مع الحفاظ على جودة التيلة وخصائصها التكنولوجية.
خطط لتحفيز الإنتاج
وأكد معري أن خطط وزارة الزراعة خلال السنوات المقبلة تتضمن زيادة المساحات المزروعة بالقطن في سوريا، وتشجيع الاستثمار في زراعته وصناعته، واعتماد أساليب الزراعة الحديثة، ومنها الري بالتنقيط، إلى جانب استنباط أصناف جديدة مبكرة وعالية الإنتاجية.
وأشار إلى العمل على إصدار تسعيرة مجزية لشراء محصول القطن من المزارعين، بما يوفر هامش ربح يشجع على الاستمرار في زراعته، ويسهم في زيادة الإنتاج والتوسع في المساحات المزروعة.
ولفت معري إلى أن رفع إنتاج القطن من شأنه تأمين احتياجات المحالج ومعامل الغزل والنسيج من المادة الأولية، مع إمكانية تصدير الفائض من القطن المحلوج ذي الجودة العالية، ولا سيما أن القطن السوري يتمتع بمواصفات مطلوبة في الأسواق العالمية.


