سوريا - اقتصاد
هل تفعلها سوريا وتدخل " نادي اقتصاد المعرفة .. أي سرّ كامن في الرمال؟
ه
هبة الكل
نشر في: ١٥ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٦:٤٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في ظل نهضة اقتصادية جديدة تسعى سوريا إلى ترسيخها، والعمل على استثمار مواردها وثرواتها الطبيعية، تبرز رمال السيليكا البيضاء، أو ما يُعرف بثاني أكسيد السيليكون، كواحدة من أكثر الثروات المعدنية وفرة وأقلها استثماراً، والتي اقتصر استخدامها على مدى عقود في الصناعات الإنشائية، كالزجاج والسيراميك والإسمنت ومواد البناء، إلا أنّ قيمتها الحقيقية تتجاوز هذه الاستخدامات التقليدية بكثير، في ظل ما كشفته دراسات المؤسسة العامة للجيولوجيا عن وجود احتياطات كبيرة من هذه المادة، وإمكانية الاستفادة منها في صناعات استراتيجية، كالطاقة النظيفة وإنتاج السيليكون عالي النقاوة، وصولاً إلى الصناعات الإلكترونية، الأمر من شأنه أن يفتح باباً جديداً للاستثمار والإنتاج والتصدير.
خامات كامنة
تشير بيانات المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية إلى انتشار خامات السيليكا في مناطق سورية عدة، أبرزها منطقة القريتين بريف حمص، إلى جانب مواقع في ريف دمشق ودير الزور، غير أن الخبراء يوضحون أن امتلاك الخام لا يعني امتلاك الصناعة التكنولوجية تلقائياً، إذ تحتاج الرمال إلى عمليات معالجة طويلة وخبرات تقنية، إضافة إلى تحديات لوجستية تتعلق بإدارة هذه الثروة المهملة، وتحويلها إلى سلسلة توريد ذات عائد ينعكس على الاقتصاد السوري.
خارطة جيولوجية
كشف مصدر في المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية لـ"العين السورية" عن تفاصيل توزّع خامات السيليكا في الجغرافيا السورية، والتي تنتشر في دير الزور ومواقع عدة في ريف دمشق، إلا أن رمال القريتين في حمص تُعدّ العصب الأساسي للصناعة، إذ تتميز بنقاوة عالية تصل فيها نسبة ثاني أكسيد السيليكون إلى 99%، من دون شوائب تُذكر، وهي مصنّفة رسمياً كسيليكا صناعية قابلة للاستثمار المتقدم، ويؤكد المصدر وجود احتياطات ضخمة تُقدّر بملايين الأطنان، في ظل غياب واضح للمستثمرين المحليين والأجانب عن استثمار هذه الثروة.
ولفت مصدر المؤسسة العامة للجيولوجيا إلى أن القيمة الاقتصادية للرمال ترتبط مباشرة بمعدلات نقائها، إذ أشار إلى وجود خامات أخرى مشوبة بأكاسيد الحديد في مناطق النبك والسحل بريف دمشق، إضافة إلى منطقتي المنقورة والثنايا على طريق دير الزور-عدرا، وجميعها تُستخرج منها كميات ضخمة منها لتغذية خلاطات الإسمنت ومصانع السيراميك والقرميد، وما يندرج ضمن الصناعات الإنشائية فقط.
تحذير من فخ التصدير
أعلنت المؤسسة العامة للجيولوجيا عن استثمارات في الميكروسيليكا والسيليكات النقية، فيما وقّعت مذكرتي تفاهم لإنتاج الميكروسيليكا والسيليكا عالية النقاوة المستخدمة في ألواح الطاقة الشمسية والرقائق الإلكترونية، وبينما يتراوح سعر طن السيليكا الخام غير المعالجة حول 15 دولاراً، يرتفع سعر المادة بعد المعالجة إلى ما بين 65 و100 دولار، وفق تقديرات رسمية.
وفي هذا السياق، يحذّر د. سامر سيف الدين المختص في دراسات الإلكترون من الوقوع في فخ تصدير السيليكا كمادة خام، لما يعنيه ذلك من التخلّي عن القيمة المضافة التي يمكن توليدها في مراحل التصنيع اللاحقة، إذ ترتفع القيمة الاقتصادية للمنتج كلما تقدم في مراحل المعالجة، رغم ارتفاع التكلفة والتعقيد التقني، وعليه يرى أن الخطط المعلنة حتى اليوم لا تزال تتعامل مع سوريا كمصدّر للخام، وليس كمنتج للمواد شبه الموصلة.
فيما يصف المستشار الاستثماري د. خالد حمدي التعامل مع السيليكا باعتبارها سلعة تعدينية مجردة تُباع خاماً أو بعد معالجة بسيطة بأنه خطأ استراتيجي، ورغم أن المقارنة بين سعر الرمل وسعر المنتج الإلكتروني النهائي تكشف اتساع الفجوة في القيمة، فإن الانتقال إلى مراحل التصنيع المتقدمة يتطلب استثمارات ضخمة، وطاقة كثيفة، وتكنولوجيا معقدة، فضلاً عن وجود فاقد تصنيعي كبير في كل مرحلة.
عوائد استراتيجية وتحديات
تتجسد العوائد الاستراتيجية لاستثمار السيليكا في انتقال سوريا من مُصدّر لمادة أولية منخفضة القيمة إلى دولة مُصنّعة لمنتجات عالية القيمة، وفي هذا السياق يبيّن الدكتور سيف الدين بأن امتلاك هذه الصناعة يعادل امتلاك المستقبل، كون السيليكون يشكل عصباً للطاقة النظيفة والصناعات الحديثة، من مستحضرات التجميل إلى الأقمار الصناعية، مؤكداً أن استخدام المادة في تقنيات الموصلات الالكترونية وغيرها كفيل بالنهوض بالمستوى المعيشي، مستشهداً بتجربة تايوان التي حققت نهضتها عبر الاستثمار في التكنولوجيا، رغم افتقارها إلى الثروات النفطية.
تحديات سياسية
إلا أن هذا المسار يحمل في طياته مجموعة من التحديات الدولية، بحسب د. سيف الدين على اعتبار أن صناعة أشباه الموصلات تُعدّ أحد المحاور الرئيسية للصراع على سلاسل التوريد بين الصين والغرب، ما يجعل التحديات سياسية بالدرجة الأولى، إلى جانب الحاجة إلى أدوات تقنية وخبرات نادرة في مجال تصنيع الرقائق.
أفق واعد لاقتصاد معرفي
أما الدكتور حمدي، فيرى أن القضية تتعلق بسلسلة القيمة، بمعنى أن بيع الرمل يمثل استنزافاً لثروة جيولوجية، بينما تسهم معالجته في بناء صناعة محلية، فيما يُدخل إنتاج السيليكون عالي النقاء البلاد في المضمار التكنولوجي، وصولاً إلى تصميم المكونات الإلكترونية، وهو ما يمكن أن ينقل الاقتصاد إلى مرحلة اقتصاد المعرفة، ويوفر فرص عمل نوعية، ويخلق بيئة صناعية متكاملة تشمل الصناعات الكيميائية والبرمجيات والصناعات الإلكترونية، وبناءً عليه، يقترح استراتيجية استثمارية متدرجة تُبنى عبر عقود سيادية ملزمة، تبدأ بالصناعات التقليدية، ثم إنتاج البولي سيليكون، وصولاً إلى أشباه الموصلات، مع اشتراط نقل التكنولوجيا وتدريب الكوادر الوطنية، لضمان حصة عادلة للخزانة العامة.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه التقديرات الجيولوجية إلى وجود كميات كبيرة من الرمال السيليكية في باطن الأراضي السورية، تشكل ثروة قومية وصناعية واعدة، إلا أن الاستفادة الحقيقية منها تبقى مرهونة بقدرة سوريا على تحويل هذه الموارد إلى صناعات ومنتجات ذات قيمة مضافة، والاستفادة من عمليات معالجتها، بدلاً من الاكتفاء بتصديرها كمادة خام.


