سوريا - اقتصاد
حلم امتلاك منزل في سوريا.. هل بات أقرب؟
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ١٦ يونيو ٢٠٢٦، ٠٧:٢١
3 دقيقة

هذا لم يكن استثناءً فردياً، بل نمطاً ممنهجاً امتد لثلاثة عقود، تحوّل فيه الإعلان عن مشاريع الإسكان إلى آلية لجمع الأموال دون التزام حقيقي بالتنفيذ، في ظل غياب تام لأي ضمانة قانونية تحمي من دفع.
اليوم، ومع عودة الإعلان عن مشاريع سكنية كبرى، السؤال الذي يطرحه التاريخ قبل أن يطرحه المواطن: ما الذي تغيّر فعلاً؟
منظومة بنيت على الإخفاق
فقد نظّم قانون الجمعيات التعاونية السكنية رقم 13 لعام 1981 العمل التعاوني السكني في سوريا لعقود، قبل أن يُستبدل بالمرسوم التشريعي رقم 99 لعام 2011، وعلى الرغم من واجهة تشريعية أُريد بها إيهام المواطن بوجود حماية، كشفت دراسة صادرة عن The Syria Reportأن القطاع التعاوني والإسكان الاجتماعي معاً لم يتمكنا عبر تاريخهما من توفير سوى 7.3% من إجمالي الوحدات السكنية في سوريا، مسجّلَين تقصيراً مزمناً في تحقيق أهداف الخطط الخمسية المتعاقبة.
ولم يكن هذا التقصير وليد الحرب. فقد رصدت المصادر ذاتها جملة من الأسباب البنيوية: غياب الرؤية بعيدة المدى، والتأخر الكبير في تنفيذ المشاريع، وهيمنة السلطة التنفيذية على القطاع.
ولعل أبلغ مثال على هذا التأخير المزمن ما كشفتهThe Syria Reportعن برنامج الإسكان الشبابي الذي أُطلق عام 2002 على خمس مراحل كانت المرحلة الأولى تعد المشتركين بتسليم وحداتهم بعد خمس سنوات. لكن بحلول عام 2021، لم تكتمل سوى المرحلة الأولى وأجزاء من الثانية. سوريون اشتركوا في برنامج سكني وهم في العشرينيات من أعمارهم، واستلموا مفاتيحهم وهم على أبواب التقاعد، إن استلموها أصلاً.
وبلغ التدخل ذروته عندما أصدر النظام السابق المرسوم التشريعي رقم 37 لعام 2019 القاضي بحل الاتحاد العام للتعاون السكني بعد 58 عاماً على تأسيسه، وهو الاتحاد الذي كان قد أنجز ما يزيد على ضعفي ما حققه القطاع الحكومي المباشر.
الوساطة العقارية في ظل الانهيار
ومع اندلاع الحرب، لم يبق هذا الخلل محصوراً في حدود التقصير الإداري، بل تحوّل إلى بيئة مفتوحة أفرزت أنماطاً أكثر خطورة في إدارة السوق العقارية. فالنظام السابق، الذي أخفق لعقود في بناء إطار قانوني حديث ومنظّم لمهنة الوساطة، ترك المجال واسعاً أمام توسّع غير منضبط للمكاتب العقارية، في ظل غياب مؤسسات رقابية فعّالة أو قواعد شفافة لضبط العلاقة بين الوسطاء والمواطنين.
لم يكن هذا الواقع عرضياً، بل نتيجة مباشرة لسياسات قائمة على إدارة السوق عبر النفوذ لا عبر القانون. وفي مثل هذه البيئة، تتحوّل الوساطة من خدمة تسهّل التبادل إلى أداة قد تعيد تشكيله، حيث تصبح المعلومة حكراً، والسعر نتاج توازنات غير معلنة، وحركة الملكيات أحياناً انعكاساً لمراكز القوة أكثر مما هي استجابة لمنطق السوق.
هذا الإرث لا يمكن فصله عن واقع اليوم، لأنه لا يتعلّق بمكاتب عقارية بحد ذاتها، بل بمنظومة حكمت السوق لسنوات، ورسّخت غياب الثقة، ودفعت المواطنين للتعامل مع السكن كمساحة مخاطرة لا كحق مستقر.
مشاريع واعدة... وأسئلة مشروعة
مع المشاريع الاستثمارية الجديدة التي بدأت تُعلَن في سوريا، تتشكّل فرصة حقيقية لبناء نموذج مختلف في إدارة قطاع السكن، نموذج يضع حقوق المواطن في قلب أي خطة إسكانية، ويُرسي قواعد واضحة تحمي من يدفع قبل أن يستلم.
وكما جرت العادة مع كل إعلان، تبقى الأسئلة العملية الأكثر أهمية للمواطن كما هي: ما أسعار الوحدات وكيف تُحدَّد؟ وما شروط العقد الذي سيوقعه؟ وما الجهة التي تُلزم المطوّر بالتنفيذ في الوقت المحدد؟
ويبقى عنصر التمويل غائباً عن النقاش حتى الآن، رغم أنه يشكّل مفتاح الوصول الفعلي لهذه الوحدات. فالسوق العقارية لا تُبنى على القدرة النقدية المباشرة للمشترين، بل على منظومة تمويل واضحة تتيح تقسيط الثمن ضمن شروط عادلة ومستقرة. ونأمل أن تُطرح منتجات قرض عقاري حقيقية تفتح الباب أمام شرائح أوسع من السوريين، لأن الاستثمار الذي يبني لمن يستطيع الدفع النقدي فقط يبقى فرصة لفئة محدودة، أما الذي يُتيح التمويل فيصبح جزءاً حقيقياً من حل أزمة السكن.
والضمانات التي يحتاجها المواطن ليست معقدة في جوهرها: آلية واضحة لتحديد الأسعار وربطها بمعايير موضوعية شفافة، وجدول زمني محدد لانتقال الملكية مقرون بالتزام قانوني حقيقي بالتنفيذ، وآلية تحكيم أو تقاضٍ تكفل له حق المطالبة دون أن يجد نفسه أمام جدار قانوني لا يعرف أين بابه. وفوق ذلك، وضوح تام في طبيعة العلاقة بين المشتري وأي جهة حكومية شريكة في المشروع، ما دورها؟ وما حدود مسؤوليتها إن أخلّ المطور بالتزاماته؟
تنظيم الوساطة... شرط لازم
لا يمكن فصل أي نقاش جدي عن سوق السكن عن البيئة التي يتحرك ضمنها، وفي مقدمتها قطاع الوساطة العقارية. فبعد سنوات من التوسع غير المنظّم، حيث انتشرت المكاتب العقارية دون إطار رقابي فعلي، بات من الواضح أن إعادة تنظيم هذا القطاع لم تعد مسألة إجرائية، بل ضرورة بنيوية لإعادة التوازن إلى السوق وحماية المواطن من وسيط يملك المعلومة وحده.
التجارب التي نجحت في تطوير أسواقها العقارية لم تُلغِ دور الوسيط، بل أعادت تعريفه ضمن أطر واضحة: ترخيص فعلي، رقابة حقيقية، وشفافية في إعلان المعلومات والأسعار. أما ترك هذا القطاع يعمل بالآليات ذاتها التي سادت سابقاً، فسيعني عملياً إعادة إنتاج الاختلالات نفسها، وهو ما لا يخدم لا المواطن ولا الاستثمار.
من هنا، يصبح تنظيم الوساطة العقارية جزءاً لا يتجزأ من أي رؤية لإعادة الإعمار، ليس فقط لضبط الأسعار، بل لاستعادة ثقة المواطن بسوق يفترض أن يكون أحد أعمدة الاستقرار، لا أحد مصادر القلق.
ليست هذه مطالب تعجيزية، بل معايير باتت تُقاس بها أسواق العقارات الناجحة في المنطقة. دبي التي باتت نموذجاً يُحتذى به لم تصل إلى ذلك دفعةً واحدة، بل بعد أن شهد سوقها العقاري اختلالات دفعتها إلى إصدار القانون رقم 8 لعام 2007، الذي يُلزم المطورين بإيداع دفعات المشترين في حسابات مستقلة محمية لا يُصرف منها إلا بنسبة الإنجاز الفعلي. المبدأ بسيط: المشتري لا يموّل وعداً، بل يدفع مقابل بناء يتحقق أمام عينيه. هذا النوع من الضمانات هو ما تحتاج أن تنظر إليه سوريا وهي تُؤسِّس لمنظومتها العقارية الجديدة.
السوري الذي ينتظر
في مكان ما من دمشق وريفها، ثمة سوري يتابع أخبار المشاريع الجديدة بعين الحالم وقلب الحذر معاً. يرى في عودة الاستثمار بصيص أمل حقيقي بعد سنوات طويلة لم يكن فيها السكن حقاً بل امتيازاً يُمنح ويُسحب.
ما يحتاجه هذا السوري ليس التفاؤل، فهو موجود فعلاً. ما يحتاجه هو أن يجد في العقد الذي سيوقعه يوماً ما اسمه مكتوباً بوضوح، وحقوقه محددة بدقة، وجهة تنصفه معروفة باسمها.
سوريا تبني اليوم بيئتها الاستثمارية من الصفر، وهذا ليس عبئاً بل فرصة استثنائية. فالدول التي أسست قواعدها القانونية بصدق في لحظات مشابهة لم تحتج لعقود حتى تستعيد ثقة مواطنيها ومستثمريها معاً. والدول التي أجّلت هذا التأسيس دفعت ثمنه مضاعفاً.
السؤال الذي تطرحه هذه المرحلة ليس "هل ستنجح المشاريع؟" — بل "هل ستكون قواعدها بمستوى طموحها؟" لا حباً بالتغيير بل إيماناً بالمرحلة الجديدة..


