سوريا - مجتمع
" بزنس" أم حاجة .. اقتصاد " اليد الممدودة" مصطلح جديد في الشارع
ن
نورا حربا
نشر في: ١٢ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٠٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تعد الحاجة المادية الدافع الوحيد لـ"مدّ اليد" طلباً للمساعدة، بل برزت أنماط جديدة من التسول المنظم والاحتيالي تديره شبكات تستغل النساء والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة لتحقيق مكاسب غير مشروعة، ما جعلها قضية اجتماعية ذات أبعاد إنسانية وقانونية تستدعي إيجاد حلول فعالة وعاجلة تتجاوز الحلول التقليدية لمواجهتها، بما يضمن حماية المحتاجين والردع القانوني لتلك الشبكات التي تستغل الفئات الهشة.
ادعاء وليس فقراً
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً مقاطع فيديو تظهر القبض على أكثر من متسول بحوزتهم مبالغ ضخمة، حتى تبين أن أحد المتسولين يمتلك سبع شقق سكنية للإيجار، وتدعو هذه المقاطع إلى عدم التعاطف مع هؤلاء المتسولين وضرورة التمييز بين المحتاجين فعلاً وبين المحتالين.
مشاهد
تُبدي علا الخولي، وهي موظفة بمدينة دمشق، استياءها من مشهد امرأة في الخمسين من العمر اتخذت من باب إحدى شركات الحوالات في منطقة باب مصلى مركزاً لممارسة مهنتها كمتسولة، وكلما خرج أحد من الشركة توسلت إليه أن يساعدها بمبلغ 5 آلاف ليرة سورية. وترى أن هؤلاء لا يستحقون المساعدة، فهناك الكثير من المحتاجين يتعففون عن هدر الكرامة باستجداء الآخرين.
في حين يعبر يحيى شوشرة، وهو تاجر، عن انزعاجه من عدد المتسولين الذين يدخلون إلى محله التجاري طلباً للمساعدة، وغالبيتهم من النساء الكبيرات في العمر، ومنهم صغيرات يحملن أطفالاً أو يصطحبن أشخاصاً من ذوي الإعاقة، يأتون ويستجدون للصرف على أطفالهن كثمن حليب، أو المساعدة لأيتام، أو ثمن دواء، أو المساهمة في نفقات عملية جراحية.
ضبط ١٨٥ حالة بدمشق
وفي إطار الحد من انتشار ظاهرة التسول والجهود الحكومية المبذولة، يؤكد المكتب الإعلامي في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لـ"عين سورية" أنه وبالتنسيق مع وزارة الداخلية تم إطلاق حملة بتاريخ 30/11/2025، أسفرت في بدايتها عن ضبط نحو 185 حالة في دمشق، بينهم 13 امرأة والباقي من الأطفال. حيث تم نقلهم إلى مراكز رعاية متخصصة في منطقة الكسوة للأطفال الذكور، وحي باب مصلى للإناث، لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والتعليمي والمهني، والعمل بالتوازي مع أسرهم لتعزيز قدرتهم على حماية أطفالهم. وتتركز مراكز رعاية الأطفال المتسولين حالياً في دمشق وريف دمشق وحلب، بينما تحتاج بقية المحافظات إلى إعادة تأهيل مراكزها.
أسباب
ويرى المكتب الإعلامي أن أسباب انتشار الظاهرة تعود إلى عدة عوامل، أبرزها الفقر وتدهور الوضع المعيشي، وغياب شبكات الحماية الاجتماعية، وضعف تطبيق القوانين المتعلقة بحقوق الطفل والتعليم والعمل، إضافة إلى وجود حالات استغلال ممنهج للأطفال من قبل أفراد أو شبكات تستفيد من تشغيلهم في التسول.
ويؤكد أن جهود المعالجة تواجه تحديات عدة، منها عدم وجود قانون موحد يمنح الجهات المختصة صلاحيات كافية للتدخل وحماية الأطفال لفترات مناسبة، إضافة إلى نقص الموارد والكوادر في مراكز الرعاية، حيث لا تزال الإمكانات الحالية أقل من الحاجة الفعلية. كما أن الحل لا يعتمد فقط على الإيواء، بل على تطوير نظام إحالة متكامل تشارك فيه الجهات الحكومية والمجتمع المدني.
أطفال متسوّلون
وتشير المعطيات إلى أن أكثر الفئات عرضة للتسول هي الأطفال المعنفون، والمنفصلون عن أسرهم، والمتضررون نفسياً، والأطفال الذين حرموا من التعليم أو تعرضوا للاستغلال أو الإدمان. وتعمل المراكز على تقديم برامج للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل والتعليم والترفيه، مع إيداع الأطفال لفترات تتراوح بين ستة أشهر وسنة وفق احتياجات كل حالة.
وتؤكد الوزارة أن معالجة الظاهرة تتطلب رؤية شاملة تجمع بين الحماية الاجتماعية والردع القانوني، من خلال تشديد العقوبات بحق المستغلين والمشغلين، ووضع قانون وطني موحد للتسول، إلى جانب دعم الأسر الأكثر هشاشة عبر برامج اجتماعية واقتصادية وتأمين فرص تساعدها على الاستقرار.
وتبين أن مؤشرات نجاح المعالجة تُقاس بانخفاض أعداد الأطفال العائدين إلى الشارع، وتحسن الظروف المعيشية للأسر، ووجود نظام وطني للحماية والإحالة، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني لمعالجة الأسباب الجذرية للظاهرة وليس فقط التعامل مع نتائجها.
معالجة الأسباب
يرى الاختصاصي الاجتماعي الدكتور منير محمد، في حديثه لـ"العين السورية"، أن هذه الحملات رغم أنها ضرورية، إلا أنها لا يمكنها القضاء على هذه الظاهرة وحدها دون معالجة الأسباب التي تؤدي إلى التسول. فهناك أسباب اقتصادية واجتماعية تدفع البعض إلى التسول، كالفقر والتفكك الأسري وغياب مصدر دخل كافٍ ومستقر. فعندما يعيش الطفل في أسرة تعاني من الفقر ومن عدم استقرار عائلي كانفصال الوالدين أو اليتم، فإن احتمالية عودته إلى الشارع للتسول تكون مرتفعة. وهذه الحملات لمكافحة هذه الظاهرة لن تنجح إن لم تعالج الأسباب التي تدفع إليها.
ويشير الدكتور محمد إلى أن الفقر رغم أنه عامل رئيسي، إلا أنه ليس المسؤول الوحيد عن انتشار التسول، فهناك العنف داخل الأسرة، والتسرب المدرسي، وقلة الوعي لدى العائلة بحقوق الطفل، يضاف لذلك انتشار شبكات تعمل على استغلال الأطفال بالتسول. هذه العوامل مجتمعة تؤدي إلى انتشار هذه الظاهرة رغم كل محاولات الجهات المعنية لوضع حد لها.
وغالباً ما يعود بعض الأطفال إلى التسول، والكلام للدكتور محمد، بعد إيداعهم في مراكز الرعاية، وهذا يرجع إلى عدم تغير البيئة التي ينتمون إليها، وظروفهم الأسرية والمادية ذاتها، وما زال الاستغلال قائماً سواء من قبل الأهل أو الشبكات التي تستقطب الأطفال للعمل بالتسول. لذلك ينبغي على الجهات المعنية أن تشمل ببرامج التدخل الأسرة وليس فقط الطفل.
انعكاس لخلل اقتصادي
يوضح المحامي مطر مطر، في حديثه لـ"العين السورية"، أن ظاهرة التسول ليست سلوكاً فردياً معزولاً، وإنما انعكاس لخلل اقتصادي واجتماعي، وأن المشرع السوري عالجها من جانبين متكاملين: جانب اجتماعي إنساني يراعي المحتاج الحقيقي، وجانب قانوني يردع الاستغلال والاحتيال وامتهان الكرامة الإنسانية.
ويشير إلى أن الفقرة الأولى من المادة (596) من قانون العقوبات السوري تعاقب المتسول بالحبس من شهر إلى ستة أشهر مع غرامة مالية، بينما تتراوح العقوبة بين ثلاثة أشهر وسنة إذا ثبت أن المتسول غير محتاج فعلياً، مع غرامة مالية. وفي عام 2022، شُدِّدت العقوبات فأصبحت الغرامات تتراوح بين 100 ألف و500 ألف ليرة سورية، وقد تصل عقوبة الحبس إلى ثلاث سنوات إذا اقترن التسول بالشتم أو الضرب أو التظاهر بوجود عاهة.
ويشير إلى أن القانون يعتبر التسول جريمة إذا كان الشخص قادراً على العمل أو يملك مورداً للرزق، ويعاقب بالحبس مع التشغيل من شهر إلى ستة أشهر، وفي حال التكرار يجوز إيداعه في دار تشغيل.
مراكز إصلاح
ويبين أن القانون يفرق بين البالغين والأحداث، فالطفل دون العاشرة لا يُعتبر مرتكباً لجريمة ويعامل وفق قوانين حماية الطفل، أما من يبلغ بين 10 و18 عاماً فيمكن إحالته إلى مراكز إصلاح خاصة بالأحداث لمدة لا تتجاوز شهراً، مع مراعاة ظروفه الإنسانية والتعليمية. كما أن استغلال التسول لارتكاب أفعال أخرى كالاحتيال أو التظاهر بالعاهات يؤدي إلى تشديد العقوبات. ويميز القانون بين الطفل المستغل الذي يعد ضحية تستوجب الحماية، والبالغ الذي يستغل الأطفال ويُحاسب قانوناً.
تضافر جهود
لا بد من تضافر الجهود الحكومية والمؤسسات الاجتماعية والمجتمع المحلي لمعالجة أسباب الظاهرة، وحماية المحتاجين، وملاحقة شبكات الاستغلال. وبين الردع القانوني والحماية الاجتماعية تبرز الحاجة لرؤية متكاملة تحمي المجتمع وتصون كرامة البعض من استجداء المساعدة.


