سوريا - محليات
بردى يستغيث.. بين التشريع المُلزم وإملاء الأمر الواقع ضاعت " حرمة" النهر
ا
العين السورية
نشر في: ٢٧ أبريل ٢٠٢٦، ١٠:٣٩عدل في: ٢٧ أبريل ٢٠٢٦، ١٠:٣٩
3 دقيقة
14

لم يعد كما كان في مخيلة الشعراء ولا في قلوب الدمشقيين وضيوف أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ. إذ كاد نهر بردى أن يمسي أثراً لا وجود له إلا في قصائد من غنوا " تغزّلاً" به، مع تلاشي معالمه بسبب التعديات التي وقعت عليه على مدى سنوات طويلة.
لقد " فضح" الموسم المطري هذا العام، كافة الإشغالات والتجاوزات على مسار وحرم نهر، بدا كمن استفاق على ظلم وشرع يكافح لاسترجاع حقوقه المسلوبة.
حرم نهر بردى، هو الموضوع الجدلي بين البُعدين التشريعي والاجتماعي.. أي بين "حقوق" النهر.. وما يزعمه الشاغلون من حقوق.. فما القصّة؟.
التشريعات تدين التعدّيات
يُلفت المهندس نادر البني، وهو وزير ري أسبق وخبير في السياسات المائية.. إلى أن المادتين -١-٢- من قانون التشريع المائي عرّفتا المجرى المائي بأنه نهر أو جدول أو قناة أو مصرف أو فجارة أو وادي أو مسيل".
وعرّفتا الحرم وأنواعه ( مباشر وغير مباشر) وتحديد حده الأدنى المباشر بستة أمتار، واعتبارها أملاك عامة ضمن حدودها المعينة بخط ارتفاع مياهها الجارية في حال امتلاكها قبل فيضانها.
وتم تحديد الحرم المباشر للأملاك المائية العامة المبينة في المادة الثانية، ويمنع إشادة أي بناء، وإقامة أي منشآت وأي إشغالات في الحرم المباشر، باستثناء المنشآت والأبنية والإشغالات الخاصة بالمياه العامة. المادة 3-1
من أهم المجاري المائية التي يجب حمايتها في سورية هو نهر بردى لمهامه التاريخية بوجود أقدم مدينة مأهولة (دمشق) ومصدر أساسي لتأمين مياه الشرب للسكان وري الأراضي الزراعية في الغوطتين.
❝البني: وزارة الموارد المائية ومحافظتي دمشق وريفها تتشاركان بمهمة حماية النهر من التعديات، كل في اختصاصه، فالنهر يعبر الوحدات الإدارية المذكورة أعلاه وهي من مهام المحافظتين❞إحداثيات
يوضح المهندس البني في حديثه لـ " العين السورية" أن طول نهر بردى يصل إلى 70 كيلو متراً من منبعه في المنطقة الغربية إلى مصبه في بحيرة العتيبة الشرقية، ويرفده على مجراه عدد من الينابيع بعضها دائم الجريان مثل نبع الفيجة وبعضها غير ظاهرة وتعتبر ثانوية.
ونهر بردى هو الوحيد من بين الأنهار الذي ينبع ويصب ضمن
الأراضي السورية، ويتفرع عنه تسعة فروع أولها في شمال
الهامة وآخرها في منطقة باب شرقي، وهي:
نهر يزيد- نهر المزاوي - نهر الديراني- نهر تورا- نهر القنوات- نهربانياس - نهر العقرباني- نهر الدعياني – نهر المليحي.
ويتابع بردى جريانه بما تبقى فيه من مياه ماراً في قرية جسرين ومنها إلى بحيرة العتيبة المصب النهائي له.

مسؤولية مشتركة
يؤكد خبير السياسات المائية أن وزارة الموارد المائية ومحافظتي دمشق وريفها تتشاركان بمهمة حماية النهر من التعديات، كل في اختصاصه، فالنهر يعبر الوحدات الإدارية المذكورة أعلاه وهي من مهام المحافظتين، أما خارج الحدود الإدارية فهي من مهام الوزارة.
ويفيد بأن المخالفات والتعديات على النهر وحرمه كثيرة، وتراكمت مع الزمن ، والمطاعم والمنشآت والحرف بما فيها الدباغات والتجمعات السكانية قد تعدت على الحرم المباشر، وترمي بمخلفاتها والصرف الصحي في النهر وفروعه.
"حصانة" على الورق وليس إلّا
يُلفت المهندس البني إلى سلسلة التشريعات والنواظم القانونية والبلاغات الرسمية التي صدرت لحماية مجرى بردي.. ومنها، القرار رقم ١٤٤تاريخ ١٠/٦/١٩٢٥ الذي أكد على أن بردى وكامل فروعه هي ملكية عمومية لا يجوز التعدي عليها إطلاقاً، وحدد حرماً لنهر بردى وفروعه بعشرة أمتار من كل جانب لا يجوز المساس به.
وجاء قرار مجلس الدولة رقم 521 تاريخ 11/12/1963 ليؤكد على القرار 144.
كما جاء بلاغ مجلس الوزراء رقم 44/2/844 تاريخ 27/2/1997 ليذكر الوزارات والإدارات والبلديات وسائر أجهزة القطاع العام، بأن القرار 144 نص على:
اعتبار مجاري المياه العامة وضفافها بعرض عشرة أمتار من كل جانب من الأملاك العامة. وبناء على ذلك نطلب من الجهات المعنية عدم الترخيص أو السماح بإقامة المنشآت على مجرى نهر بردى وما يتفرع عنه.. كما طالب البلاغ بإزالة المخالفات العامة وذلك تحت طائلة المسؤولية.
❝كشف تقرير صادر عن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عن وجود تجاوزات على حرم نهر بردى.. حيث قام مستثمرون بتوسعة مطاعمهم ضمن المنطقة المحمية.. وهو ما يمثل مخالفة صريحة للقانون❞
إقرار رسمي بالتجاوزات
كشف تقرير صادر عن الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عن وجود تجاوزات على حرم نهر بردى، حيث قام مستثمرون بتوسعة مطاعمهم ضمن المنطقة المحمية، وهو ما يمثل مخالفة صريحة للقانون.
ويبيّن الوزير الأسبق، أنه لوعدنا بالذاكرة إلى الماضي القريب، لوجدنا أن الحكومة السورية قامت بنقل معامل الدباغة في عام 1952 من منطقة باب السلام في دمشق إلى خارج المدينة، لأنها وجدت أن هذه المعامل تشكل خطورة على 10% من السكان يوم كان عدد سكان دمشق 350 ألف نسمة فقط، وعدد معامل الدباغة يومها لا يتجاوز 15 منشأة ومياه بردى عشرات الأضعاف لما هي عليه الآن.
إمكانية التطبيق والتنفيذ
الآن، هل ثمة إمكانية بالفعل لتطبيق كل ماسبق منه من تشريعات وبلاغات لإزالة التعديات عن حرم مجرى نهر بردى؟
هنا يوضح المهندس البني إلى أن تطبيق قانون التشريع المائي رقم 31 على نهر بردى، هو عملية متعددة الجوانب تتضمن آليات قانونية وتنظيمية معقدة ومتشعبة، بسبب الكثافة السكانية والمخالفات والتعديات عل النهر وتلويث مياهه، ويشكل مرور نهر بردى داخل مدينة دمشق حالة خاصة، حيث تتداخل حماية النهر كملك عام مع واقع عمراني متجذر..
وبناءً على المعلومات المتاحة، يمكن توضيح ذلك من خلال النقاط
الرئيسية التالية:
• مسح شامل وتوصيف الوضع الراهن للنهر
- تحديد الحرم غير المباشر للمصادر المائية (نهر)
- تحديد النشاطات الاقتصادية والسياحية والزراعية والسكنية في الحرم غير المباشر، والشروط الواجب توفرها ضمن هذه النشاطات وفق القوانين والأنظمة النافذة، والمواصفات القياسية المعتمدة.
· إزالة المخالفات وردعها: تقوم الضابطة المائية، بالتنسيق
مع محافظتي دمشق وريف دمشق ومؤازرة الشرطة ، بحملات ميدانية مستمرة. تتضمن هذه الإجراءات·
- الهدم والإزالة الفورية لأي بناء مخالف يتم رصده.
- وضع خطة استثمارية لإنشاء محطات معالجة مياه الصرف للوحدات السكانية والمطاعم والمنشآت، فعودة المياه نظيفة يعتبر مورد مائي، والتخطيط المستدام لذلك يمر عبر تطبيق خاص: قانون نبع الفيجة (رقم ١) لعام 2018، صدر قانون خاص حدد حرمي نبع الفيجة، الذي يُعد أحد أهم روافد نهر بردى.
ويختم الخبير في السياسات المائية، بأنه يرى أن ما ينطبق على حرم نهر بردى وفروعه ينطبق على الأنهار كافة في سوريا، بما فيها نهر الفرات والتنسيق مع تركيا والعراق عندما يكون الظرف مناسباً.

إشغالات سكنية
بعد ما سبق عرضه بشأن الوضع القانوني للمشهد العام لنهر بردى بكل ما يعتريه من تجاوزات، يبقى من المهم أن نعرف رأي الجهة المعنية مباشرة بحماية حرم نهر بردى.
هنا يوضح باسل غفاري مدير الموارد المائية في دمشق وريفها في رد على تساؤلات " العين السورية"، أن الإشغالات الموجودة على حرم نهر بردى في مختلف قرى وادي بردى، في معظمها أبنية سكنية قديمة، بعضها محدد على المخططات المساحية للعقارات المجاورة للنهر كاملاك خاصة..
ويشير غفاري إلى أن كافة الإشغالات قد حدثت قبل صدور قانون التشريع المائي رقم ٣١ لعام ٢٠٠٥ والذي الذي حدد الإطار القانوني لحرم المجاري المائية بمختلف أنواعها ومسمياتها.
وهنا يبدو أن ثمة نقطة خلافية مع رأي وزير الري الأسبق وإشارته المتسلسلة إلى التشريعات القديمة جداً بخصوص حرم النهر وبعضها يعود إلى خمسينيات القرن الماضي.
❝مدير الموارد المائية في دمشق وريفها : لا يمكن وضع خطة لاسترجاع حرم نهر بردى في ظل القوانين الحالية❞
في سياق محاولات معالجة الخلل.. يوضح مدير موارد دمشق وريفها، أنه قد سبق للمديرية مخاطبة مديرية المصالح العقارية بريف دمشق لإعادة التحديد والتحرير في تلك المناطق " مناطق الإشغالات على حرم مجرى بردى"، إلا أن المديرية المذكورة أفادت بعدم إمكانية ذلك وفق قوانين التحديد والتحرير المعمول بها حالياً.
ويؤكد في إجابته عن سؤال ملحّ لـ " العين السورية"، أنه لا يمكن وضع خطة لاسترجاع حرم نهر بردى في ظل القوانين الحالية، مع الإشارة إلى أن ذلك ممكناً فقط في حال تغير القوانين الناظمة لأعمال التحديد والتحرير، عندئذ فقط يمكن لمديرية الموارد المائية في دمشق وريفها وضع خطة واضحة لاستعادة الإشغالات.
ونفهم من كلام غفاري أن الإشغالات باقية على المدى المنظور.
تفصيل قانوني
يشير مدير "موارد دمشق وريفها" إلى أن كل ما تم ذكره هو حول حرم المجرى المائي للنهر، والمسجل كاملاك خاصة. أما إذا كان الحرم مسجلاً على المخططات المساحية كأملاك عامة، فيتم إزالة التعدي بعد ضبط الحالة وتنظيم ضبط عدلي ورفع دعوى قضائية تجاه المخالفين.
ويتم إزالتها بالتنسيق مع محافظة ريف دمشق والبلدية المختصة.. علماً أن المديرية قامت سابقاً بتنظيم أكثر من ٣٠ ضبط تعدي في منطقة الربوة لوحدها، ويتم متابعة الإجراءات القانونية اللازمة.
أما بالنسبة للإشغالات المرخصة، فيتم بعد ضبط الحالة، مخاطبة الجهة المانحة للتخليص بوجود التجاوز ويتم إزالته بالتنسيق معها ومع البلدية المختصة في تلك المنطقة، وأيضا يتم تنظيم ضبط عدلي ورفع دعوى قضائية تجاه المخالفين.
تعويل على استفاقة " الضمير"
يعوّل مدير الموارد المائية في دمشق وريفها، على تعديل القوانين الناظمة للمعالجات المطلوبة، وتعاون كل ذي صلة بمعالجة الوضع في حرم بردى.
ويختم حديثه لـ " العين السورية" بأنه من المأمول لدى المديرية، أن تتغير القوانين الحالية، بحيث يتم استعادة الأملاك العامة بجوار النهر، وأن يقوم المواطنون والجهات العامة والفعاليات الاجتماعية في كل بلدة، بالتعاون مع المديرية، للابلاغ عن حالات التعدي للقيام بإزالتها وفق الأنظمة والقوانين النافذة، مما يسهم برؤية المجرى وحرمه خالياً من الإشغالات.
جهات رسمية أمام مسؤولياتها
الواقع.. أن المشهد الحالي لنهر بردى ليس حضارياً بالمطلق، وليس قانونياً أيضاً بالمطلق، والإشغالات مخالفة بما لا يقبل البحث في احتمال آخر.. هذا مؤكد مما أفادنا به الخبير في السياسات المائية، وما أورده من سرد متسلسل لكل ما يتعلق بالوضع القانوني لـ " إشغالات بردى".
وكذلك مما تحدث به مدير الموارد المائية في دمشق وريفها، ولو بدرجة أقل.
وهذا يعني أن على الجهات الرسمية المعنية " محافظتي دمشق وريف دمشق.. ومديرية الموارد المائية.. ووزارة الإدارة المحلية وربما العدل" التحرك لبلورة معالجات من شأنها الحفاظ على مجرى النهر وتنقيته من الإشغالات..
قد يظن بعضنا أن في ذلك إجحاف بحق الشاغلين أو بعضهم، لكن بالتأكيد لن يكون في الأمر إجحاف إن تم تأمين بدائل مناسبة لمن لديهم وضع قانوني يخلي بعضاً من مسؤولياتهم عن صفة التجاوز.
الملف اليوم في أيدي الجهات الوصائية.. ولا مبرر مقبولاً لأن يبقى مجرى بردى مشوهاً بلا حرم.. أو " حرمته مُنتهكة".


