سوريا - ثقافة
اليوم العالمي للمسرح ـ المسرح السوري على بوابة انطلاقة جديدة
ا
العين السورية
نشر في: ٢٧ مارس ٢٠٢٦، ١٢:٣٩عدل في: ٢٧ مارس ٢٠٢٦، ١٢:٣٩
3 دقيقة
1

يحتفل العالم في السابع والعشرين من مارس كل عام، باليوم العالمي للمسرح، وهو تقليد تأسس عام 1961 تحت إشراف الهيئة الدولية للمسرح، بهدف تسليط الضوء على دور هذا الفن في تعزيز التواصل الثقافي والاجتماعي، ونشر قيم الحوار والتفاهم بين الشعوب، وكجزء من هذا التقليد، تُصدر هذه الهيئة رسالة سنوية يكتبها فنان مسرحي بارز من إحدى دول العالم. وقد كُلف المسرحي والسينمائي الأمريكي (وليم دافو) بكتابتها لهذا العام، أكد فيها أن وجود الجمهور في العروض المسرحية مهما كان عدده يمنح المسرح معناه وحياته، وأن إيمانه الراسخ بقوة المسرح في عالم يزداد انقساماً وسيطرة وعنفاً لا يتزعزع، وقال: " من خلال الحكاية واللغة والحركة والسينوغرافيا يستطيع المسرح بوصفه فناً شاملاً أن يجعلنا نرى ما كان وما هو كائن وما يمكن أن يكون عليه عالمنا".
وهنا وفي هذا اليوم لا يمكن أن ننسى رسالة المسرحي الكبير سعد الله ونوس عام 1996 للعالم بهذه المناسبة والتي تُعتبر وثيقة فكرية وفنية بارزة، جالت أرجاء المعمورة بعبارتها الخالدة التي بقي السوريون يرددونها كلما ضاقت بهم السُبل، وكأنها طوق نجاة: "إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ"، ولا يمكن أن ننسى أيضاً أن المسرح السوري ارتبط بتاريخ طويل من الإبداع على يد رواده الأوائل منذ منتصف القرن التاسع عشر، أمثال: (مارون النقاش- أديب إسحاق- جورج أبيض) وغيرهم، وعلى يد رائد المسرح السوري والعربي (أبو خليل القباني) الذي كان أول من أسس فرقة مسرحية بمدينة دمشق، وأول من وضع الأسس الأولى للمسرح الغنائي، وكان مسرحه رائداً في الفن ومثالاً للمواجهة مع السلطتين السياسية والدينية آنذاك، بعد أن تمّ إحراق مسرح القباني ومنع مسرحه في بلاد الشام، وإجباره على الهجرة إلى مصر.
في بداية القرن العشرين ظهرت فرق مسرحية كثيرة منها: ( نادي الاتحاد- فرقة عبد اللطيف فتحي- فرقة سعد الدين بقدونس- محمود جبر وغيرهم)، وتمّ تأسيس المسرح القومي عام 1959، وكان أول مدير له الفنان نهاد قلعي، وشهدت أوائل الستينات في فبراير بداية عروضه، بعد ذلك تمّ إنشاء مسرح حلب القومي عام 1967 ولكن قامت السلطات في تلك الفترة بإقفال الأندية ومنع تشكيل الفرق المسرحية إلا بموافقات رسمية، وتمّ مأسسة الفن المسرحي وتوجيهه والسيطرة عليه، ورغم ذلك كله أُطلق على هذه الفترة وما تلاها (فترة السبعينات) مرحلة العصر الذهبي للمسرح السوري التي تُوجت بإنشاء المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق عام 1977 .
وسط هذه الأجواء وُلدت مرحلة مسرح جديد سماه النقاد " الولادة الثانية للمسرح السوري" والتي ظهر فيها أسماء لامعة لكتاب شباب يحملون بذور الحداثة والتجديد المسرحي، وأبرزهم الأديب (ممدوح عدوان)، الذي ألّف أكثر من عشرين مسرحية بدأها بمسرحية شعرية بعنوان "المخاض"، وكانت تروي سيرة المتمرد الشعبي السوري "بو علي شاهين"، وما تبقى منها في ضمير الناس، وتتالت بعدها الأعمال ومنها: ( محاكمة الرجل الذي لم يحارب- كيف تركت السيف- ليل العبيد- هملت يستيقظ متأخراً). ويُعتبر عدوان الأكثر جرأة في كسر المحظورات وتوظيف التاريخ بأسلوب نقدي معاصر لتحليل قضايا الاستبداد والسلطة.
وظهرت أسماء مسرحية هامة أيضاً كوليد إخلاصي وفرحان بلبل، والمسرحي الكبير سعد الله ونوس، الذي يُعتبر رائد "التسييس" في العالم العربي، وأحد أهم الذين نقلوا المسرح من إطار الترفيه إلى ساحة للوعي والنقد الاجتماعي والسياسي، واشتُهر بتوظيفه التراث لتعرية الواقع والتحرر من الخوف، ومن مسرحياته: (الفيل يا ملك الزمان- مغامرة رأس المملوك جابر- حفلة سمر من أجل 5 حزيران). وقد شارك في تأسيس المعهد العالي للفنون المسرحية والمسرح التجريبي مع المخرج فواز الساجر، رائد حداثة المسرح السوري، ومؤسس المسرح الجامعي بحلب، والمعروف بتوجهه نحو المسرح الواقعي والبطولي واهتمامه الكبير بتربية وتدريب الممثل، والذي شكل علامة فارقة في مسيرة الحركة المسرحية السورية، ومن أعماله: ( رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة- سهرة مع أبي خليل القباني- سكان الكهف). الجدير ذكره أن تجارب مسرحية عديدة شهدها تاريخ المسرح السوري من خلال المسرح العسكري والعمالي والفرق المختلفة في المحافظات السورية. و رغم ما شهده المسرح عموماً من ازدهارفني نقديفي السبعينات، إلا أنه خضع لرقابة شديدة من خلال الأجهزة الأمنية لنظام الأسد الأب، والتي كانت تتدخل بمفاصل الحياة كافة، وظهر ما يُعرف بمسرح "التنفيس" الذي يُسمح له بانتقاد الوضع المعيشي والخدمي دون التطرق للسلطة السياسية، وللأسباب الحقيقية لمعاناة الناس، وظهر مسرح الأديب والمسرحي الكبير (محمد الماغوط) ودريد لحام ونهاد قلعي، وتمّ التضييق على بعض المسرحيين الذين بدأوا بالتحايل على مقص الرقيب بأشكال مختلفة.
وفي عهد الأسد الابن شهد الواقع الثقافي تحولات عديدة بدأت بمساحة نقدية محدودة لكنها أكثر اتساعاً عما قبل من حيث الشكل، مع بقاء الكثير من المحظورات والخطوط الحمراء التي يُمنع تجاوزها في المسرح وغيره من الفنون.
بعد انطلاق الثورة السورية ازدادت القبضة الأمنية توغلاً في المشهد الثقافي السوري كما في كل القطاعات، وتحول المسرح إلى تهريج وأداة لتلميع صورة النظام المجرم ودعم سردياته وأكاذيبه، وأُصيب بانتكاسة كبيرة بعد أن تحولت سوريا بأكملها إلى مسرح تراجيدي مأساوي. كما تم اعتقال بعض المسرحيين المعارضين السلميين، مثل الفنان (زكي كورديللو) المعروف بمساهماته المسرحية، وإحيائه لمسرح خيال الظل، والذي اعتُقل مع ابنه مهيار الطالب بالمعهد العالي للفنون المسرحية وشقيق زوجته وصديقه من منزله بدمشق في أغسطس 2012 ، ولا يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.
بعد سقوط النظام البائد، وهروب الطاغية، شهدت البلاد حركة ثقافية وعروضاً مسرحية كانت ممنوعة، وبدأ المسرح يتنفس حرية ويحكي عن سوريا الوطن والشعب، لا سوريا الأسد، وعن الثورة السورية وعذابات السوريين والهجرة والنزوح, ولكن العروض ما زالت محدودة وما زال المسرح مثقلاً بأوزار مرحلة الاستبداد التي أحرقت الأخضر واليابس في البلاد، وما زال يواجه أيضاً تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل ومدى الدعم الرسمي له، وإمكانية تضافر الجهود الجماعية ليعود هذا الفن كما يسمونه "أبو الفنون" ووجهها المشرق.


