سوريا - اقتصاد
الثورة الزراعية السورية.. من إنتاج المحاصيل إلى صناعة القيمة والثروة
مذكرات تفاهم جديدة توسّع خريطة الاستثمار الزراعي.. فهل تتحول سورية من إنتاج المحاصيل إلى صناعة الغذاء والثروة؟
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٣ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٢:٤٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

فخلال آب 2026، شهد القطاع الزراعي سلسلة من مذكرات التفاهم التي فتحت مجالات جديدة أمام الاستثمار في الدواجن والأعلاف والثروة الحيوانية والألبان والآليات الزراعية والرقمنة، إلى جانب بحث مشاريع تمتد إلى عشرات آلاف الهكتارات ومنشآت لإنتاج الأعلاف والتصنيع الزراعي.
ومع مذكرة التفاهم الجديدة التي وقعتها وزارة الزراعة مع شركة «AMKM» الإماراتية وشركة أكوا بريدج القابضة، توسعت الخريطة لتشمل الاقتصاد الأزرق والاستزراع المائي ومصايد الأسماك المستدامة وتنمية الموارد البحرية والمياه العذبة.
لكن كثرة المذكرات لا تكفي وحدها للإعلان عن ثورة زراعية. الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنتقل هذه المشاريع من الورق إلى الأرض، ومن الإنتاج الخام إلى التصنيع، ومن السوق المحلية إلى التصدير.
مذكرات تفاهم ترسم خريطة جديدة للاستثمار الزراعي
ما يجمع مذكرات التفاهم الموقعة خلال الفترة الأخيرة هو أنها لا تتجه فقط إلى زيادة الإنتاج التقليدي، بل تحاول بناء حلقات متعددة حوله.
ففي قطاع الأعلاف، طُرحت مشاريع يمكن أن تمتد زراعتها إلى نحو 30 ألف هكتار، مع بحث إنشاء منشأة لإنتاج الأعلاف بطاقة تصل إلى 300 ألف طن سنوياً. وفي مجال الألبان والثروة الحيوانية، يجري بحث مشروع متكامل يشمل زراعة محاصيل الأعلاف والإنتاج الحيواني والتصنيع، على مساحة تصل إلى 5 آلاف هكتار.
كما شملت الاتفاقيات تطوير صناعة الدواجن وسلاسل إنتاجها، ودعم تصدير الأغنام، وتوفير الآليات والمعدات الزراعية للمزارعين، وتطوير البنية الرقمية لوزارة الزراعة، فضلاً عن مواءمة إجراءات تسجيل واستيراد مستلزمات الإنتاج الزراعي والبيطري.
ثم جاءت مذكرة الاقتصاد الأزرق لتضيف بعداً آخر، من خلال استكشاف مشاريع الاستزراع المائي والبحري، والمفرخات ومزارع الأسماك ومرافق المعالجة وسلاسل التبريد، بما يربط الأمن الغذائي بالموارد المائية والبحرية.
وبذلك تبدو الصورة أوسع من مجموعة اتفاقيات منفصلة؛ فهي تلامس مدخلات الإنتاج والإنتاج نفسه والتصنيع والتخزين والتسويق والتكنولوجيا والتصدير.
من الاكتفاء الذاتي إلى الأمن الغذائي
وهنا تبرز رؤية الخبير الاقتصادي الدكتور أسامة قاضي، الذي يرى في حديثه مع "العين السورية" أن سورية تحتاج إلى الانتقال من مفهوم الاكتفاء الذاتي التقليدي إلى الأمن الغذائي القائم على الميزة التنافسية.
فليس المطلوب، وفق هذه الرؤية، أن تنتج سورية كل شيء مهما كانت التكلفة، وإنما أن تحدد المنتجات التي تستطيع إنتاجها بكفاءة وجودة، ثم تبني حولها صناعة قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وهذا يعني أن نجاح القطاع الزراعي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الأطنان المنتجة، وإنما أيضاً بما يضيفه كل طن إلى الاقتصاد بعد التصنيع والتعبئة والتخزين والنقل والتصدير.
فالطماطم، على سبيل المثال، لا يجب أن تنتهي قيمتها عند بيعها كمحصول طازج إذا كان بالإمكان تحويل جزء منها إلى منتجات مصنعة، وكذلك البطاطا التي يمكن أن تتحول إلى منتجات نصف مصنعة أو مجمدة تدخل في سلاسل المطاعم والأسواق.
هنا تبدأ فكرة الاقتصاد الزراعي الصناعي الذكي: الأرض تنتج، والمصنع يضيف القيمة، والتكنولوجيا ترفع الكفاءة، وسلاسل التبريد تحافظ على المنتج، والتسويق يفتح الأسواق.
التمويل.. الحلقة التي قد تحسم نجاح الثورة الزراعية
لكن بناء هذه المنظومة يحتاج إلى تمويل مختلف عن التمويل الزراعي التقليدي.
ويرى قاضي أن من الضروري التفكير في إنشاء "صندوق وطني للثورة الزراعية" بمشاركة القطاعين العام والخاص والمصارف والمؤسسات، بحيث يستطيع المواطنون والمستثمرون المشاركة في مشاريع زراعية كبيرة، بدلاً من بقاء الاستثمار الزراعي أسير الملكيات الصغيرة والمتفرقة.
كما أن الزراعة تحتاج إلى قروض طويلة الأجل ومنخفضة التكلفة، لتمويل الري الحديث والطاقة الشمسية والبيوت المحمية والتصنيع الزراعي وسلاسل التبريد، لأن المشروع الزراعي لا ينتج عائده بالسرعة التي تنتظرها القروض قصيرة الأجل مرتفعة التكلفة.
التكنولوجيا ليست ترفاً
المعضلة السورية، بحسب الرؤية المطروحة، ليست في غياب الخبرة الزراعية أو خصوبة الأرض وحدهما، بل في ضعف المنظومة المحيطة بالمزارع.
فالمطلوب ربط الجامعات ومراكز الأبحاث بالمزارع، وتحسين البذار والري والطاقة، ثم الانتقال إلى التصنيع والتخزين والتسويق والتصدير ضمن سلسلة واحدة.
وتكتسب الرقمنة التي ظهرت في بعض مذكرات التفاهم أهمية خاصة هنا، لأن الزراعة الحديثة تحتاج إلى البيانات والذكاء الاصطناعي وإدارة المياه والتنبؤ بالإنتاج والأسواق، وليس إلى زيادة المساحات المزروعة فقط.
ففي بلد يواجه تحديات مائية ومناخية، يصبح السؤال ليس فقط كم نزرع؟ بل ماذا نزرع، وأين، وبأي كمية من المياه، وبأي عائد اقتصادي؟
من البرازيل وفيتنام إلى "سورية الزراعية"
يستند قاضي في رؤيته إلى تجارب دول استطاعت تحويل الزراعة إلى قطاع اقتصادي تنافسي، وفي مقدمتها البرازيل وفيتنام.
والدرس الأهم من هذه التجارب ليس تقليد نموذج جاهز، وإنما الاستثمار في البحث العلمي والتكنولوجيا، وتجميع الموارد، وبناء سلاسل قيمة متكاملة، وربط الإنتاج بالتصنيع والتصدير.
وهذا ما يجعل مشكلة تفتت الملكية الزراعية في سورية قضية اقتصادية وليست عقارية فقط. فالمساحات الصغيرة قد تكون قادرة على الإنتاج، لكنها أكثر صعوبة في تطبيق تقنيات حديثة وتحقيق اقتصاديات الحجم.
ومن هنا تبرز فكرة صناديق الاستثمار الزراعي التي يمكنها تجميع مساحات واسعة وإدارتها وفق نموذج إنتاج حديث، مع الحفاظ على حقوق أصحاب الأراضي وتحويل الأرض إلى أصل منتج ضمن مشروع متكامل.
2030 هل تتحول الرؤية إلى خطة؟
يرى قاضي أن عام 2026 يجب أن يكون بداية حقيقية لثورة زراعية صناعية ذكية، وأن تضع وزارة الزراعة رؤية واضحة حتى عامي 2030 و2035.
لكن الوصول إلى ذلك يحتاج إلى أكثر من الإعلان عن الاستثمارات.
المطلوب مؤشرات يمكن قياسها: كم هكتاراً عاد إلى الإنتاج؟ كم مشروعاً تحول من مذكرة إلى استثمار فعلي؟ كم مصنعاً زراعياً دخل الخدمة؟ كم فرصة عمل أُحدثت؟ كم ارتفعت صادرات المنتجات الزراعية المصنعة؟ وكم انخفضت فاتورة الاستيراد؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كانت سورية أمام تحول اقتصادي فعلي أم أمام موجة جديدة من الاتفاقيات التي تنتظر التنفيذ.
الثورة الزراعية تبدأ عندما تتغير طريقة التفكير
تملك سورية أرضاً وخبرات زراعية وموارد مائية وبحرية وموقعاً جغرافياً يؤهلها للوصول إلى أسواق إقليمية واسعة. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى ثروة يحتاج إلى سياسة طويلة الأجل، وتمويل مناسب، وتكنولوجيا، وتصنيع، وإدارة حديثة.
وهنا تلتقي مذكرات التفاهم الجديدة مع رؤية أسامة قاضي عند نقطة واحدة :الزراعة لا ينبغي أن تبقى قطاعاً لإنتاج المواد الخام، بل أن تصبح منظومة اقتصادية متكاملة.
فالمستقبل ليس في بيع المحصول فقط، وإنما في القيمة التي يمكن أن تُبنى حوله؛ وليس في استثمار الأرض وحدها، وإنما في الاستثمار فيما بعد الأرض أيضاً.
وفي النهاية، الثورة الزراعية لا تقاس بعدد مذكرات التفاهم الموقعة، وإنما بعدد المشاريع التي تنتقل من الورق إلى الأرض، ومن الأرض إلى المصنع، ومن المصنع إلى السوق والتصدير.
عندها فقط يمكن القول إن سورية بدأت فعلاً الانتقال من إدارة أزمات الزراعة إلى صناعة نهضة زراعية، وربما استعادة جزء من دورها التاريخي كأرض قادرة على إنتاج الغذاء والثروة معاً.


