سوريا - محليات
التسول والتشرد في الشارع السوري.."بزنس" بلا رأسمال أم حاجة فعلية؟
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ٢٩ مايو ٢٠٢٦، ٠٨:١٢
3 دقيقة
31

لا يبدو مشهد المتسولين و المتشردين في الشارع السوري ـ كظاهرة مزمنة ـ مجرد تفصيلاً عابراً يمكن تجاهله أو تفسيره بحالات فردية متفرقة.
فما نشاهده اليوم هو ظاهرة تتجاوز بعدها الإنساني لتفرض نفسها كقضية اجتماعية-قانونية تستحق التوقف الجدي، ليس فقط عند مظاهرها، بل عند آليات التعامل معها أيضاً.
والأخطر من ذلك أن التسول والتشرد لم يعودا يبدوان كاضطرار ظرفي لدى بعض الأفراد، بل تحولا في حالات عديدة إلى أنماط معيشة تستقر خارج إطار الضبط الاجتماعي، وتستفيد أحياناً من ثغرات قانونية أو ضعف في آليات التنفيذ والمتابعة. وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: هل المشكلة في القوانين نفسها، أم في كيفية تطبيقها، أم في غياب المقاربة العملية التي تربط بين النص القانوني وواقع الظاهرة المتغير؟
بين النص وتطبيقه
فعلى الرغم من وجود منظومة قانونية لضبط هذه الظاهرة، إلا أن اتساعها في الواقع يشير إلى فجوة بين النص والتطبيق، أو إلى تحولات في طبيعة المشكلة التي تستدعي بالضرورة تطوير أدوات مكافحتها وعلاج نتائجها. والاقتصار على المعالجة التقليدية، سواء عبر الضبط الأمني أو الإيواء المؤقت ليس كافياً أمام ظاهرة متجددة. وهذا ما يعيد طرح دور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ليس فقط كجهة راعية، بل كفاعل رئيسي في صياغة سياسة اجتماعية قائمة على البيانات والتحليل، وعلى مواكبة التحولات.
إعادة نظر
من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف نتعامل مع المتسول أو المشرد في لحظة ظهوره. بل كيف نعيد قراءة الظاهرة بأكملها: أسبابها، أنماطها، والتحولات التي طرأت عليها. فالقوانين مهما كانت متقدمة، تفقد فعاليتها إذا لم تستند إلى فهم دقيق ومتجدد للواقع، وإذا لم تدعم بدراسات إحصائية واجتماعية تشكل الأساس لأي خطة وقاية أو علاج.
وفي هذا السياق، فإن إعادة تقييم أدوات المعالجة سواءً على مستوى التشريعات، أو دور مؤسسات الرعاية، أو آليات التنفيذ، لا تبدو خياراً، بل ضرورةً تفرضها طبيعة الظاهرة نفسها التي لم تعد كما كانت ولم يعد ممكناً احتواءها بالوسائل ذاتها.
تشريعات رادعة
ولكن بعد مرور ما يقارب نصف قرن على هذا الإطار التشريعي، يبدو أن الواقع تجاوز كثيراً التصورات التي بنيت عليها هذه القوانين. فالظاهرة اليوم لم تعد بنفس البساطة أو الشكل الذي كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، بل أصبحت أكثر تعقيداً وتشابكاً سواء من حيث الأسباب أو أساليب الظهور. الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول قدرة الأدوات الحالية على مواكبة هذا التحول.
وفي ضوء هذه التحولات لم يعد ممكناً الاكتفاء بتفسير الخلل من زاوية التطبيق فقط، إذ تبرز أيضاً إشكالية تتعلق بمدى مواكبة النصوص القانونية نفسها لهذا التغيير، ما يضعنا أمام حاجة مزدوجة: تطوير الأدوات التشريعية من جهة وتعزيز فعالية تطبيقها من جهة أخرى. فالمتعامل مع الظاهرة اليوم يلاحظ أن ما يجري غالباً هو مجرد احتواء مؤقت للحالات—إيواء، تنظيم، أو إبعاد عن الشارع لفترة—لكن دون تغيير حقيقي في حياة هؤلاء الأفراد. والدليل الأوضح أن عدداً كبيراً منهم يعود إلى المكان ذاته، ويكرر السلوك ذاته، وكأن شيئاً لم يكن.
الوجدانيات شجعت وحفزت
بصراحة أكبر، الظاهرة اليوم مستمرة لأنها تجد بيئة تسمح لها بالاستمرار. فإلى جانب محدودية المتابعة وضعف الربط الحقيقي مع فرص العمل، هناك جانب لا يمكن تجاهله: المجتمع نفسه يساهم، ولو عن غير قصد، في تغذية الظاهرة. فالتعاطف العفوي، حوّل التسول في بعض الحالات إلى خيار أسهل من العمل، بل إلى مصدر دخل قائم بحد ذاته.
مسوغات وحجج
ولا يمكن إغفال العامل الاقتصادي عند تناول هذه الظاهرة، فالفقر والضغوط المعيشية شكّلا مدخلاً أساسياً لانتقال بعض الأفراد إلى التسول والتشرد، خاصة في ظل محدودية فرص العمل. إلا أن اختزال الظاهرة في هذا العامل وحده يبقى تبسيطاً غير دقيق، لأن العلاقة بين الفقر والتسول ليست حتمية. فليس كل فقير متسول، كما أن بعض أشكال التسول لم تعد مرتبطة بالحاجة بقدر ما تحولت إلى سلوك أو خيار في ظل غياب البدائل وسهولة العائد. وهذا ما يفرض مقاربة أوسع، تتعامل مع الفقر كجزء من منظومة أسباب، لا كسبب وحيد للظاهرة.
معالجة ومواجهة
وإذا كانت الظاهرة قد تعقدت بهذا الشكل، فإن مواجهتها لا يمكن أن تبقى ضمن أدوات تقليدية، فالتجارب الناجحة لم تعتمد على العقوبة أو الرعاية وحدها، بل على ربط المتسولين والمشردين مباشرة بفرص عمل لإخراجهم من الشارع، مع متابعة تضمن عدم عودتهم. وبالتالي يصبح المطلوب في الحالة السورية واضحاً: فهم دقيق لأسباب الظاهرة وحجمها قائم على بيانات إحصائية دقيقة، وربط التأهيل بسوق العمل بشكل فعلي وحقيقي، وتفعيل المتابعة بعد الخروج من مراكز الرعاية، إلى جانب تقييم دوري لنتائج السياسات المتبعة. دون ذلك، تبقى المعالجة ناقصة مهما تعددت الإجراءات.
ويبقى العامل الأكثر حساسية هو دور المجتمع، إذ لم يعد ممكناً تجاهل أن التعاطف غير المنظم يساهم في استمرار الظاهرة. فالمعالجة الحقيقية لا تكتمل دون وعي يحد من تحويل التسول إلى خيار مقبول أو مربح.
منهجية وتكامل أدوار
في النهاية، الحل لا يحتاج إلى إجراءات أكثر، بقدر ما يحتاج إلى منهج مختلف: الانتقال من إدارة الظاهرة إلى تفكيكها، ومن التعامل مع نتائجها إلى معالجة أسبابها.وهذا لا يمكن أن يتحقق عبر جهة واحدة فقط، بل يتطلب تكامل أدوار بين التشريع، والتنفيذ، والسياسات الاقتصادية، والعمل الاجتماعي، إلى جانب وعي مجتمعي مسؤول. فالمواجهة الفعليةللتسول والتشرد تبدأ من تطوير الأدوات بما يواكب تحولات الظاهرة، وربط المعالجة ببدائل حقيقية خارج الشارع، وتفعيل المتابعة التي تضمن الاستمرارية. دون ذلك، ستبقى الجهود مجزأة، وستستمر الظاهرة في إيجاد مساحات تعيد من خلالها إنتاج نفسها.


