سوريا - اقتصاد
التخطيط المالي متوسط المدى.. هل يضبط الإنفاق العام؟
بين تطوير التوقعات الاقتصادية وتحسين إدارة الموازنة، يتوقف نجاح التخطيط المالي في سوريا على جودة البيانات وقدرة الحكومة على تحويل التقديرات إلى قرارات فعلية.
م
منير الرفاعي
نشر في: ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦، ٠٩:٣٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تعمل وزارة المالية على تطوير أدوات التوقع الاقتصادي والتخطيط المالي لسنوات مقبلة، لكن نجاح المشروع يتوقف على جودة البيانات والالتزام بتحويل التقديرات إلى قرارات فعلية.
أطلقت وزارة المالية السورية المرحلة الثانية من مشروع بناء نموذج التوقعات الاقتصادية الكلية والإطار المالي متوسط المدى، بالتعاون مع بعثة فنية من صندوق النقد الدولي. وتهدف هذه المرحلة إلى ربط توقعات الإيرادات والنفقات والدين العام بأهداف مالية تستند إلى نماذج اقتصادية موثوقة، مع تحسين إدارة المخاطر وتطوير أدوات إعداد السياسات المالية.
وتأتي الخطوة في وقت تحتاج فيه سوريا إلى إعادة بناء مؤسساتها المالية، وتحسين قدرتها على تقدير الموارد المتاحة وتحديد أولويات الإنفاق، وسط احتياجات التعافي وإعادة الإعمار وتحديات البيانات والتمويل.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي، في حديثه إلى «العين السورية»، أن أهمية التوقيت تكمن في حاجة الحكومة إلى إطار ينسق الموازنة السنوية مع أهداف التعافي متوسطة الأجل، ويساعد على الانتقال من الاستجابة للضغوط الآنية إلى التخطيط الاستراتيجي، بما يعزز الثقة لدى الجهات المانحة والمستثمرين.
من موازنة سنوية إلى تخطيط لسنوات
تتمثل الوظيفة الأساسية للإطار المالي متوسط المدى في توسيع أفق التخطيط الحكومي. فبدلاً من حصر تقديرات الإيرادات والنفقات بعام واحد، يتيح الإطار رسم مسار يمتد عادة من ثلاث إلى خمس سنوات، يشمل الإنفاق والإيرادات والدين العام، ويُستخدم مرجعاً عند إعداد الموازنات السنوية.
ويوضح الزعبي أن هذا النهج يساعد على الانتقال من الرقابة على الإنفاق بعد حدوثه إلى وضع قيود وتقديرات مسبقة، بما يتيح تقييم أثر القرارات المالية قبل اتخاذها، والحد من مخاطر تراكم الالتزامات نتيجة الإنفاق غير المنضبط.
وبالنسبة إلى سوريا، يمكن أن يسهم الإطار في ترتيب أولويات إعادة الإعمار، وتحسين إدارة الديون المتراكمة، وتعزيز الشفافية المالية. لكنه لا يضمن تلقائياً خفض العجز أو الدين العام؛ إذ تبقى النتائج مرتبطة بواقعية التقديرات والالتزام بسقوف الإنفاق وقدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.
البيانات.. التحدي أمام التوقعات
لا يمكن بناء توقعات اقتصادية موثوقة من دون بيانات دقيقة ومتسقة. ويحدد الزعبي أبرز التحديات في نقص البيانات، وتعدد أسعار الصرف خلال الفترات السابقة، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب استمرار تأثير العقوبات رغم تخفيف بعض القيود.
ويشرح أن الاقتصاد غير الرسمي يصعّب تقدير الناتج المحلي الإجمالي والقاعدة الضريبية، فيما يعقّد تعدد أسعار الصرف حسابات التجارة الخارجية وتقييم الإيرادات والنفقات والالتزامات المقومة بعملات مختلفة. كما أن التباين بين الأرقام المعلنة يضعف القدرة على بناء توقعات قابلة للاعتماد.
أما العقوبات، فيرى أنها ترفع تكاليف المعاملات وتحد من الوصول إلى التمويل الخارجي، ما يستدعي تكييف النماذج الاقتصادية مع الواقع السوري بدلاً من تطبيقها بصورة آلية.
وفي هذا السياق، تكتسب خطط إعداد تقارير فصلية عن تطورات الاقتصاد الكلي والمالية العامة، وتحديث الإحصاءات ومراجعة تقديرات الوزارة للمخاطر، أهمية خاصة. وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في آب 2026 إلى استمرار فجوات في توافر البيانات الاقتصادية الأساسية وجودتها، مؤكداً أهمية تحسين الإحصاءات لدعم السياسات الاقتصادية.
الإرادة.. شرط التنفيذ
حتى مع توافر نموذج اقتصادي جيد، لا تضمن التوقعات وحدها انضباط المالية العامة. فنجاح الإطار يتطلب دمجه فعلياً في إعداد الموازنة وتنفيذها، وربط التقديرات بالقرارات الحكومية.
ويشدد الزعبي على أن قيمة الإطار تتوقف على وجود إرادة ودعم رفيع المستوى، محذراً من تحوله إلى وثيقة شكلية إذا لم يُستخدم في توجيه الإنفاق والإيرادات.
وتبرز أهمية ذلك في ظل تعدد الأولويات السورية بين الخدمات العامة والاستثمار وإعادة الإعمار. إذ يفترض أن يساعد التخطيط متوسط المدى على تحديد ما يمكن تمويله بصورة مستدامة، وترتيب الاحتياجات وفق الموارد المتاحة، مع احتساب المخاطر التي قد تؤثر في الإيرادات أو تزيد الالتزامات على الخزينة.
ويرى الزعبي أن الإطار ينبغي أن يكون أداة لإدارة توقعات معالجة الديون المتراكمة وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية، لا مجرد تمرين فني لإعداد التوقعات.
تعاون فني لا يعني عودة التمويل
يرى الزعبي أن التعاون مع صندوق النقد الدولي يمثل خطوة تمهيدية نحو استعادة العلاقات المالية الدولية، لكنه لا يعني عودة كاملة أو ضمان الحصول على تمويل. وتتركز المساعدة الفنية في مجالات تشمل الإحصاءات وإدارة المالية العامة والضرائب والديون وبناء القدرات المؤسسية.
ويضيف أن هذه المساعدة ليست منفصلة تماماً عن السياسات الاقتصادية؛ فاختيار أولويات الإصلاح، مثل إدارة الدين أو تطوير النظام الضريبي، يمكن أن يؤثر في توجهات الحكومة وترتيب خطواتها، حتى عندما يكون التعاون تقنياً في طبيعته.
ويشير إلى أن تجارب بعض الدول التي مرت بمرحلة ما بعد الصراع تبرز أهمية الإصلاح الفني وبناء الثقة وتحسين إدارة الموارد قبل توسيع فرص التمويل. فالحصول على الأموال، بحد ذاته، لا يضمن استخدامها بكفاءة إذا غابت البيانات الموثوقة والشفافية المالية.
وتكتسب الاستعدادات لمشاورات المادة الرابعة أهمية في هذا المسار؛ فهذه المشاورات تتيح للصندوق تقييم الأوضاع الاقتصادية والمالية ومناقشة السياسات مع السلطات، لكنها لا تمثل بحد ذاتها برنامج إقراض أو تعهداً بتوفير التمويل. وقد ربط الصندوق استئنافها بتحسن توافر البيانات وجودتها، كما أشار إلى أهمية معالجة الديون القديمة في تعبئة التمويل اللازم للتنمية.
في المحصلة، لن يُقاس نجاح الإطار المالي متوسط المدى بإعداد نموذج يمتد لسنوات فحسب، بل بقدرته على تحسين تقديرات الإيرادات والنفقات، وتقليص الفجوة بين الموازنة والتنفيذ، وتعزيز الشفافية وإدارة الدين العام. وبين تطوير الأدوات الفنية وتطبيقها، يبقى التحدي السوري الأساسي هو تحويل التخطيط متعدد السنوات إلى ممارسة حكومية منتظمة تؤثر فعلياً في قرارات الإنفاق وإدارة المال العام.
بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تعمل وزارة المالية على تطوير أدوات التوقع الاقتصادي والتخطيط المالي لسنوات مقبلة، لكن نجاح المشروع يتوقف على جودة البيانات والالتزام بتحويل التقديرات إلى قرارات فعلية.
أطلقت وزارة المالية السورية المرحلة الثانية من مشروع بناء نموذج التوقعات الاقتصادية الكلية والإطار المالي متوسط المدى، بالتعاون مع بعثة فنية من صندوق النقد الدولي. وتهدف هذه المرحلة إلى ربط توقعات الإيرادات والنفقات والدين العام بأهداف مالية تستند إلى نماذج اقتصادية موثوقة، مع تحسين إدارة المخاطر وتطوير أدوات إعداد السياسات المالية.
وتأتي الخطوة في وقت تحتاج فيه سوريا إلى إعادة بناء مؤسساتها المالية، وتحسين قدرتها على تقدير الموارد المتاحة وتحديد أولويات الإنفاق، وسط احتياجات التعافي وإعادة الإعمار وتحديات البيانات والتمويل.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي، في حديثه إلى «العين السورية»، أن أهمية التوقيت تكمن في حاجة الحكومة إلى إطار ينسق الموازنة السنوية مع أهداف التعافي متوسطة الأجل، ويساعد على الانتقال من الاستجابة للضغوط الآنية إلى التخطيط الاستراتيجي، بما يعزز الثقة لدى الجهات المانحة والمستثمرين.
من موازنة سنوية إلى تخطيط لسنوات
تتمثل الوظيفة الأساسية للإطار المالي متوسط المدى في توسيع أفق التخطيط الحكومي. فبدلاً من حصر تقديرات الإيرادات والنفقات بعام واحد، يتيح الإطار رسم مسار يمتد عادة من ثلاث إلى خمس سنوات، يشمل الإنفاق والإيرادات والدين العام، ويُستخدم مرجعاً عند إعداد الموازنات السنوية.
ويوضح الزعبي أن هذا النهج يساعد على الانتقال من الرقابة على الإنفاق بعد حدوثه إلى وضع قيود وتقديرات مسبقة، بما يتيح تقييم أثر القرارات المالية قبل اتخاذها، والحد من مخاطر تراكم الالتزامات نتيجة الإنفاق غير المنضبط.
وبالنسبة إلى سوريا، يمكن أن يسهم الإطار في ترتيب أولويات إعادة الإعمار، وتحسين إدارة الديون المتراكمة، وتعزيز الشفافية المالية. لكنه لا يضمن تلقائياً خفض العجز أو الدين العام؛ إذ تبقى النتائج مرتبطة بواقعية التقديرات والالتزام بسقوف الإنفاق وقدرة الدولة على تحصيل الإيرادات.
البيانات.. التحدي أمام التوقعات
لا يمكن بناء توقعات اقتصادية موثوقة من دون بيانات دقيقة ومتسقة. ويحدد الزعبي أبرز التحديات في نقص البيانات، وتعدد أسعار الصرف خلال الفترات السابقة، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، إلى جانب استمرار تأثير العقوبات رغم تخفيف بعض القيود.
ويشرح أن الاقتصاد غير الرسمي يصعّب تقدير الناتج المحلي الإجمالي والقاعدة الضريبية، فيما يعقّد تعدد أسعار الصرف حسابات التجارة الخارجية وتقييم الإيرادات والنفقات والالتزامات المقومة بعملات مختلفة. كما أن التباين بين الأرقام المعلنة يضعف القدرة على بناء توقعات قابلة للاعتماد.
أما العقوبات، فيرى أنها ترفع تكاليف المعاملات وتحد من الوصول إلى التمويل الخارجي، ما يستدعي تكييف النماذج الاقتصادية مع الواقع السوري بدلاً من تطبيقها بصورة آلية.
وفي هذا السياق، تكتسب خطط إعداد تقارير فصلية عن تطورات الاقتصاد الكلي والمالية العامة، وتحديث الإحصاءات ومراجعة تقديرات الوزارة للمخاطر، أهمية خاصة. وكان صندوق النقد الدولي قد أشار في آب 2026 إلى استمرار فجوات في توافر البيانات الاقتصادية الأساسية وجودتها، مؤكداً أهمية تحسين الإحصاءات لدعم السياسات الاقتصادية.
الإرادة.. شرط التنفيذ
حتى مع توافر نموذج اقتصادي جيد، لا تضمن التوقعات وحدها انضباط المالية العامة. فنجاح الإطار يتطلب دمجه فعلياً في إعداد الموازنة وتنفيذها، وربط التقديرات بالقرارات الحكومية.
ويشدد الزعبي على أن قيمة الإطار تتوقف على وجود إرادة ودعم رفيع المستوى، محذراً من تحوله إلى وثيقة شكلية إذا لم يُستخدم في توجيه الإنفاق والإيرادات.
وتبرز أهمية ذلك في ظل تعدد الأولويات السورية بين الخدمات العامة والاستثمار وإعادة الإعمار. إذ يفترض أن يساعد التخطيط متوسط المدى على تحديد ما يمكن تمويله بصورة مستدامة، وترتيب الاحتياجات وفق الموارد المتاحة، مع احتساب المخاطر التي قد تؤثر في الإيرادات أو تزيد الالتزامات على الخزينة.
ويرى الزعبي أن الإطار ينبغي أن يكون أداة لإدارة توقعات معالجة الديون المتراكمة وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية، لا مجرد تمرين فني لإعداد التوقعات.
تعاون فني لا يعني عودة التمويل
يرى الزعبي أن التعاون مع صندوق النقد الدولي يمثل خطوة تمهيدية نحو استعادة العلاقات المالية الدولية، لكنه لا يعني عودة كاملة أو ضمان الحصول على تمويل. وتتركز المساعدة الفنية في مجالات تشمل الإحصاءات وإدارة المالية العامة والضرائب والديون وبناء القدرات المؤسسية.
ويضيف أن هذه المساعدة ليست منفصلة تماماً عن السياسات الاقتصادية؛ فاختيار أولويات الإصلاح، مثل إدارة الدين أو تطوير النظام الضريبي، يمكن أن يؤثر في توجهات الحكومة وترتيب خطواتها، حتى عندما يكون التعاون تقنياً في طبيعته.
ويشير إلى أن تجارب بعض الدول التي مرت بمرحلة ما بعد الصراع تبرز أهمية الإصلاح الفني وبناء الثقة وتحسين إدارة الموارد قبل توسيع فرص التمويل. فالحصول على الأموال، بحد ذاته، لا يضمن استخدامها بكفاءة إذا غابت البيانات الموثوقة والشفافية المالية.
وتكتسب الاستعدادات لمشاورات المادة الرابعة أهمية في هذا المسار؛ فهذه المشاورات تتيح للصندوق تقييم الأوضاع الاقتصادية والمالية ومناقشة السياسات مع السلطات، لكنها لا تمثل بحد ذاتها برنامج إقراض أو تعهداً بتوفير التمويل. وقد ربط الصندوق استئنافها بتحسن توافر البيانات وجودتها، كما أشار إلى أهمية معالجة الديون القديمة في تعبئة التمويل اللازم للتنمية.
في المحصلة، لن يُقاس نجاح الإطار المالي متوسط المدى بإعداد نموذج يمتد لسنوات فحسب، بل بقدرته على تحسين تقديرات الإيرادات والنفقات، وتقليص الفجوة بين الموازنة والتنفيذ، وتعزيز الشفافية وإدارة الدين العام. وبين تطوير الأدوات الفنية وتطبيقها، يبقى التحدي السوري الأساسي هو تحويل التخطيط متعدد السنوات إلى ممارسة حكومية منتظمة تؤثر فعلياً في قرارات الإنفاق وإدارة المال العام.


