سوريا - اقتصاد
سوريا والعراق.. هل تتحول التجارة القديمة إلى شراكة اقتصادية جديدة؟
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٣ أغسطس ٢٠٢٦، ١٥:٢٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تكن الحدود بين سوريا والعراق يوماً مجرد خط جغرافي يفصل سوقين متجاورين، بل شكلت على مدى عقود ممراً لحركة البضائع ورؤوس الأموال والعلاقات التجارية التي ربطت البلدين. واليوم، مع عودة الاهتمام بالاستثمار والتعاون الاقتصادي، تعود الأسئلة حول قدرة دمشق وبغداد على إعادة تنشيط علاقة اقتصادية لطالما امتلكت مقومات النمو.
ملف اقتصادي دسم
وتأتي هذه التحركات في وقت يرى فيه اقتصاديون أن السوقين السوري والعراقي يمتلكان عوامل تكامل واضحة؛ فالعراق يمثل سوقاً استهلاكية كبيرة، فيما تمتلك سوريا خبرات إنتاجية في مجالات الصناعة والزراعة والصناعات الغذائية، إضافة إلى موقع جغرافي يمكن أن يجعلها نقطة وصل مهمة في حركة التجارة الإقليمية.
أرقام تعكس حجم الفرصة
رغم التحديات التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الماضية، بقيت العلاقات التجارية بين البلدين قائمة. وتشير تقديرات اقتصادية وتجارية إلى أن حجم التبادل التجاري بين سوريا والعراق وصل في بعض التقديرات من مليار إلى نحو 3 مليارات دولار سنوياً عند احتساب التجارة الرسمية وغير الرسمية، عام 2024، وفقاً لمصادر عراقية رسمية.
ويرى اقتصاديون أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تزال أقل من الإمكانات الحقيقية التي يمكن أن تنتج عن سوقين متجاورين تربطهما احتياجات اقتصادية مشتركة.
مقومات لم تستثمر بعد
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور باسم المصطفى، في حديثه لـ"العين السورية": "إن العلاقة الاقتصادية السورية العراقية تمتلك مقومات طبيعية للنمو، لكن حجم التعاون الحالي لا يعكس الإمكانات المتوفرة. المطلوب هو الانتقال من تجارة تعتمد على حركة البضائع فقط إلى شراكات إنتاجية واستثمارية تحقق قيمة مضافة للاقتصادين". ويشير إلى أن القرب الجغرافي عامل مهم، لكنه ليس كافياً وحده، فنجاح أي شراكة اقتصادية يحتاج إلى بيئة أعمال واضحة، وتسهيلات للتجار والمستثمرين، وقدرة على تحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع فعلية.
من تصدير المنتجات إلى بناء شراكات
لطالما شكلت المنتجات الزراعية والغذائية والصناعية السورية جزءاً من حركة التجارة مع العراق، فيما ينظر رجال أعمال سوريون إلى السوق العراقية باعتبارها إحدى الأسواق القادرة على استيعاب مزيد من المنتجات السورية.
لا شك أن العراق سوق قريب ومهم للمنتج السوري، وهناك طلب على العديد من السلع، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تطوير العلاقة لتصبح قائمة على الشراكات وليس فقط على عمليات البيع والشراء. وفق ما أكده لـ"العين السورية" التاجر عدنان إبراهيم، لافتاً إلى وجود استثمارات مشتركة بين رجال الأعمال في البلدين يمكن أن يفتح آفاقاً أكبر، خصوصاً في الصناعة الغذائية والزراعة والخدمات والنقل، لأن الاستثمار المشترك أكثر استقراراً من التجارة العابرة.
فرص كبيرة
يرى الدكتور المصطفى أن الفرص لا تقتصر على قطاع واحد، إذ يمكن أن تمتد إلى الصناعات التحويلية، والطاقة، والنقل، والخدمات اللوجستية، خاصة مع حاجة الأسواق إلى مشاريع إنتاجية جديدة. ويلفت إلى أن العراق يمتلك سوقاً واسعة وقدرة استثمارية، بينما تمتلك سوريا خبرات إنتاجية وموقعاً استراتيجياً، وهذا التكامل يمكن أن يشكل أساساً لشراكات اقتصادية ناجحة إذا توفرت الظروف المناسبة.
ويشير إلى أن تطوير التعاون لا يعني فقط زيادة الصادرات والواردات، بل بناء سلاسل إنتاج مشتركة تربط بين المواد الأولية والإنتاج والتوزيع في البلدين.
عقبات تنمو التجارة
ورغم الفرص المتاحة، لا تزال هناك تحديات تواجه حركة التجارة والاستثمار، أبرزها الإجراءات الجمركية، وتسهيل حركة النقل، وتكاليف الشحن، إضافة إلى حاجة المستثمرين إلى مزيد من الوضوح والاستقرار في بيئة الأعمال.
ويوضح المصطفى أن المستثمر لا يبحث فقط عن فرصة، بل يبحث عن وضوح في الإجراءات. لذلك فإن تحسين البيئة الاستثمارية سيكون العامل الأساسي في جذب المزيد من رؤوس الأموال.
ويؤيده عضو غرفة التجارة إبراهيم في أن تسريع الإجراءات وتسهيل حركة البضائع يمكن أن ينعكس مباشرة على زيادة حجم التجارة بين البلدين.
مرحلة اقتصادية مختلفة؟
تبدو العلاقات الاقتصادية السورية العراقية أمام فرصة جديدة لإعادة ترتيب الأولويات، خصوصاً مع الاهتمام المتزايد بالاستثمار وإعادة تفعيل دور القطاع الخاص.
لكن نجاح هذه المرحلة لن يقاس بعدد اللقاءات الاقتصادية فقط، بل بقدرة البلدين على تحويل هذه اللقاءات إلى مشاريع حقيقية، وشراكات طويلة الأمد، وحركة تجارية أكثر انفتاحاً.
فالعلاقة بين سوريا والعراق تمتلك معظم عناصر القوة: من الجغرافيا والتاريخ، وتكامل الأسواق، لكن التحدي الأكبر يبقى في الانتقال من تجارة الجوار إلى اقتصاد الشراكة.


