سوريا - محليات
الأولى بالرعاية "بلا رعاية".. أطفال طيف التوحد حكاية موجعة تبدأ من التشخيص
د
درعا - ليلى حسين
نشر في: ١١ يونيو ٢٠٢٦، ١٢:٠٠
3 دقيقة
6

في محافظة درعا لا يبدأ ملف الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة من لحظة التشخيص بل من واقع يومي طويل تُقاس فيه جدوى العلاج بقدرة الأسرة على الاستمرار، لا بمدى توفر الخدمة فقط.
داخل هذا الواقع تتحول رحلة التأهيل إلى التزام يومي ثقيل، تتداخل فيه المتابعة الطبية مع الجلسات العلاجية والتنقل وتكاليف المعيشة، في وقت لا تتوفر فيه منظومة متكاملة قادرة على ضمان الاستمرارية لجميع الحالات. ومع كل انقطاع في الجلسات تتراجع المكتسبات التي تحققت بجهد طويل لتبدأ الأسر من جديد في دائرة لا تنتهي.
حلول فردية
وتزداد صعوبة هذا المشهد مع اعتماد عدد من الأهالي على حلول فردية مثل المعلمين الخاصين أو الجلسات المنزلية، حيث يضطر البعض وخاصة الذين يقطنون بلدات أو قرى بعيدة إلى نقل أطفالهم بأنفسهم إلى بيت المعلم الخاص، لعدم توفر مراكز قريبة أو برامج تأهيل منتظمة ما يجعل الوصول إلى الخدمة جزءاً من العبء اليومي وليس مرحلة علاجية مستقرة.
حالات مؤثّرة
في بلدة كحيل تروي أم عمر تجربة ابنها محمد أدهم عياش (11 عاماً) المصاب بطيف التوحد مع فرط حركة وتشتت انتباه وتأخر في النطق في مسار طويل من المحاولات التي بدأت مبكراً بحثاً عن أي فرصة لتحسين حالته.
وتقول: إنها لجأت إلى جلسات مع معلمين خاصين بعد أن تبين عدم توفر مراكز تأهيل متخصصة ومجانية قادرة على استقبال حالات ابنها بشكل منتظم، مشيرة إلى أن الخيارات المتاحة تبقى محدودة وتفرض على الأهالي أعباء مالية وتنقلاً دائماً ما يجعل الاستمرارية في العلاج أمراً بالغ الصعوبة.
وتوضح أم عمر، أن جمعية البر والخدمات الاجتماعية في مدينة درعا تقدم بعض الخدمات للأطفال المصابين بطيف التوحد إلا أنها تقتصر على الحالات الخفيفة ولا توفر برامج متقدمة أو متخصصة تتناسب مع طبيعة حالات التوحد الأكثر تعقيداً ما دفعها إلى البحث عن بدائل فردية خارج إطار المراكز.
وتضيف أن محاولاتها للحصول على دعم إضافي عبر بعض الجهات الإنسانية لم تثمر، مشيرة إلى أن الهلال الأحمر لم يتمكن من تقديم مساعدة لحالتها وهو ما زاد من حجم الضغط المادي والمعنوي الذي تتحمله الأسرة.
وتشير إلى أنها رغم كل الظروف استمرت لفترة في متابعة جلسات خاصة لابنها حيث لاحظت تحسناً تدريجياً في بعض السلوكيات والقدرات إلا أن هذا التحسن لم يكن ثابتاً إذ إن توقف الجلسات بسبب التكاليف أعاد الطفل إلى تراجع في بعض المهارات التي اكتسبها.
وفي بلدة العجمي بريف درعا الغربي لا تبدو حياة أم أيهم كقصة يومية عادية بل كمسار طويل من الرعاية المتواصلة التي لا تمنحها فرصة حقيقية للراحة أو التوقف. فهي تعيش بين طفلين من ذوي الاحتياجات الخاصة كل واحد منهما يحتاج إلى متابعة مختلفة لكن كليهما يتطلب حضوراً دائماً منها كلياً تقريباً.
ابنها الأصغر مجد المصاب بطيف التوحد بدأ رحلته مع التأهيل عبر جلسات متقطعة مع معلمة خاصة كانت الأم تنقله إليها بنفسها لعدم توفر مركز قريب أو برنامج تأهيل منتظم. وخلال فترات الالتزام كانت تلمس تحسناً بسيطاً في تواصله وسلوكه إلا أن هذا التحسن كان هشاً سرعان ما يتراجع مع أي انقطاع في الجلسات لتجد نفسها في كل مرة أمام نقطة البداية من جديد.
أما ابنها الأكبر أيهم البالغ من العمر 21 عاماً، فيعيش حالة إعاقة ذهنية وجسدية تجعله بحاجة إلى رعاية كاملة رغم أنه شاب بالغ. يعتمد على أدوية دائمة للاختلاج وتنظيم الأعصاب ، إضافة إلى نظام غذائي خاص قائم على الأطعمة اللينة والحليب ومشتقاته بسبب صعوبة الهضم ما يجعل تفاصيل يومه مرتبطة بدقة العلاج والغذاء أكثر من أي شيء آخر.
وتكمل أم أيهم إن أصعب ما في حياتها ليس المرض بحد ذاته بل الاستمرارية في مواجهة تفاصيله اليومية دون توقف. فهي لا تملك رفاهية الانقطاع أو الاستراحة إذ إن أي خلل بسيط في الدواء أو الجلسات أو الرعاية ينعكس مباشرة على حالة أبنائها، وكأن حياتها كلها أصبحت قائمة على مراقبة دقيقة لا تهدأ.
"طيف" متعدد المستويات
توضح إحدى العاملات في مجال العمل الإنساني والتأهيل المجتمعي للأطفال ذوي الإعاقة، ولها خبرة ميدانية في متابعة حالات الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية، لك فضّلت عدم الكشف عن اسمها لدوافع تتعلق بخصوصية عملها المهني، أن اضطراب طيف التوحد لا يمكن النظر إليه كحالة واحدة ثابتة، بل هو طيف واسع يتفاوت فيه الأطفال بشكل كبير من حيث القدرات والاحتياجات.
وتشير في حديث إلى " العين السورية"، إلى أن بعض الأطفال ضمن هذا الطيف قد يُظهرون ذكاءً مرتفعاً وقدرات مميزة في مجالات محددة، وقد يتميزون في الحفظ أو الملاحظة أو المهارات البصرية أو الحسابية، إلا أنهم في المقابل قد لا يفضلون الاندماج الاجتماعي أو التفاعل التقليدي مع الآخرين، ويجدون صعوبة أو عدم رغبة في التواصل الاجتماعي بالشكل المعتاد، وهو ما يجعل كل حالة مختلفة عن الأخرى بشكل جوهري.
غياب الكوادر والبنية التأهيلية
تؤكد المتحدثة أن هذا التنوع يفرض ضرورة بناء خطة تدخل وتأهيل فردية لكل طفل بعد تقييم دقيق لاحتياجاته وقدراته، بعيداً عن القوالب العامة.
كما توضح أن أحد أبرز التحديات لا يرتبط فقط بغياب الخدمات بل بضعف البنية التأهيلية المتكاملة من حيث نقص المراكز المتخصصة، وقلة الكوادر المؤهلة من أخصائيين ومعلمين وتقنيين ، إضافة إلى ضعف التجهيزات من مساحات وأدوات وأجهزة، وهو ما يحد من قدرة النظام المتوفر على تقديم تدخل فعال.
وتشير إلى أن محافظة درعا كانت في سنوات سابقة تضم خدمات أكثر تخصصاً من بينها مراكز تقدم برامج تدخل مبكر وتأهيل متقدم بإشراف كوادر مدربة، إضافة إلى فرق خارجية كانت تزور المنطقة من بينها فرق متخصصة من الأردن ما كان يتيح مستوى أعلى من الخدمة دون الحاجة إلى انتقال الأسر خارج المحافظة.
لكن الحرب وما رافقها من تراجع في البنية التحتية ونزوح وهجرة الكوادر أدى إلى فقدان جزء كبير من هذه المنظومة، وانخفاض مستوى الخدمات المتاحة حالياً.
وتضيف أن بعض المراكز والجمعيات ما تزال تقدم خدمات إلا أن حجم الطلب يفوق الإمكانيات المتوفرة، خاصة مع غياب برامج التدخل المبكر المتكاملة التي تُعد أساساً في تطوير قدرات الأطفال على المدى الطويل.
وتشدد على أن الاستمرارية في الجلسات هي العامل الحاسم في أي تقدم إذ إن المهارات المكتسبة تحتاج إلى تعزيز يومي ومتابعة مستمرة، وأن أي انقطاع يؤدي إلى تراجع تدريجي في المكتسبات.
وتخلص إلى أن التعامل مع هذا الملف يتطلب منظومة متكاملة تشمل مراكز متخصصة وكوادر مدربة وتجهيزات مناسبة، إلى جانب إشراك الأسرة في العملية التأهيلية باعتبارها جزءاً أساسياً من نجاحها.
ذراع حكومية " قصيرة"
من جانبها أوضحت مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في درعا المهندسة دانيا مفعلاني، أن واقع خدمات الأطفال ذوي الإعاقة يقوم حالياً على عدد محدود من المراكز الحكومية من بينها مركزان أساسيان أحدهما يختص بتصحيح النطق والآخر بالحالات الذهنية الخفيفة، إضافة إلى بعض الخدمات التي يتم تقديمها بالتعاون مع جمعية البر والخدمات الاجتماعية.

وتشير مفعلاني في حديثها لـ " العين السورية، إلى أن هذه المراكز تستقبل بعض حالات التوحد غير أن ذلك يقتصر على الحالات الخفيفة فقط نظراً لعدم توفر الكوادر المتخصصة القادرة على التعامل مع الحالات الأكثر تعقيداً سواء من حيث الأخصائيين أو المعلمين أو الكوادر الفنية المدربة.
مقترح إسعافي
وبينت مفعلاني أنه في ظل تزايد أعداد المراجعين خصوصاً بعد عودة عدد من الأسر من مناطق مختلفة سواء من الشمال أو من الأردن، برزت الحاجة إلى تطوير البنية الخدمية ما دفع المديرية إلى رفع مقترح رسمي إلى الوزارة يتضمن إحداث شعبة متخصصة لمرضى التوحد ضمن معهد الإعاقة الذهنية، بحيث يتم توسيع نطاق الخدمات وتحسين آليات التشخيص والتأهيل وفق نظام مؤسساتي واضح.
كما تؤكد مفعلاني أن دعم الأسر يتم عبر التشبيك مع الجمعيات والمنظمات العاملة لتقديم مساعدات غذائية وصحية أو دعم مالي محدود لبعض الحالات ، إضافة إلى التنسيق مع بعض الجهات الإنسانية مثل الهلال الأحمر، لتقديم دعم دوري للأسر التي تحمل بطاقة إعاقة.
وتلفت مديرة " الشؤون" إلى أن جزءاً من التحديات يرتبط أيضاً بظروف الوصول إلى الخدمة إذ تتحمل بعض الأسر القادمة من مناطق بعيدة أعباء إضافية تتعلق بالتنقل والإقامة وتكاليف الجلسات حتى في حال توفر الخدمة بشكل جزئي.
إشراك الجامعات
وفي سياق تطوير العمل طُرحت فكرة إشراك طلاب السنة الخامسة في اختصاص التربية الخاصة ضمن العمل الميداني في هذه الشعبة المقترحة بهدف تحقيق فائدة مزدوجة تأهيل الطلبة عملياً من جهة، وتعزيز القدرة الخدمية للمراكز من جهة أخرى إلا أن هذا المقترح ما يزال قيد الدراسة بانتظار الموافقات الأصولية.
وتؤكد المديرة في ختام حديثها أن ملف الإعاقة ولا سيما التوحد يحتاج إلى توسع مؤسساتي وتخصصي أوسع يشمل كوادر مدربة وتجهيزات مناسبة لضمان تقديم خدمات أكثر استقراراً وفعالية لهذه الفئة.
مشهد بانتظار المتابعة
فبين شهادات الأمهات ورأي المختصين ومحاولات الجهات المعنية تتضح صورة واحدة تتكرر في كل التفاصيل: الحاجة إلى مركز متكامل مجاني قادر على احتواء الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة وحالات التوحد وتقديم خدمات علاجية وتأهيلية مستمرة دون أن تتحول إلى عبء يفوق قدرة الأسر.
وفي النهاية يبقى الملف مفتوحاً على أكثر من مستوى: طبي، وتربوي، واجتماعي، وإنساني لكنه في جوهره يرتبط بسؤال واحد واضح وثقيل في آن واحد: كيف يمكن ضمان حق الطفل في التأهيل المستمر دون أن يتحول هذا الحق إلى رحلة إنهاك يومية تعيشها الأسرة وحدها؟


