سوريا - محليات
استثمار بعنوان الحاجة أم الاختراع.. مواطنون يشترون " الأمراض" ولا بديل !
د. الزعبي: المشكلة لا تقتصر على احتمالية التلوث الجرثومي فحسب بل تشمل أيضاً مخاطر كيميائية
د
درعا - ليلى حسين
نشر في: ٩ يونيو ٢٠٢٦، ٠٧:١٧
3 دقيقة
0

لم يعد مشهد صهاريج المياه وهي تجوب شوارع مدينة درعا وبلداتها مع حلول فصل الصيف أمراً استثنائياً أو مرتبطاً بظرف طارئ، بل تحول خلال السنوات الماضية إلى جزء ثابت من تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
فمع تراجع كميات الضخ في بعض المناطق وطول فترات التقنين وازدياد الطلب على المياه خلال الأشهر الحارة، يجد آلاف الأهالي أنفسهم مضطرين للاعتماد على المياه المنقولة بالصهاريج لتأمين احتياجاتهم الأساسية من الشرب والاستخدامات المنزلية.
ورغم أن هذه الصهاريج أسهمت في سد جزء من النقص الحاصل وخففت من معاناة الكثير من الأسر، فإن توسع الاعتماد عليها فتح في الوقت ذاته باباً واسعاً من التساؤلات حول مصادر المياه المنقولة، وآليات مراقبتها ومدى مطابقتها للشروط الصحية، خاصة في ظل غياب إجراءات رقابية واضحة ومعلنة تطال مختلف مراحل نقل المياه وتخزينها وتوزيعها.
حاجة لا ترفاً
في أحياء درعا البلد حيث ما تزال مشكلة المياه تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه العائلات العائدة.. وهنا يقول الشاب محمد الزلفي لـ " العين السورية": إن الاعتماد على الصهاريج أصبح جزءاً من الحياة اليومية للسكان منذ سنوات. ويضيف أن أغلب احياء البلد لا تصلها المياه عبر الشبكة إلا في حالات محدودة جداً ما يدفع الأهالي إلى شراء المياه بشكل مستمر وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على الأسر في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. ويوضح أن كثيراً من العائلات باتت تخصص جزءاً ثابتاً من دخلها لتأمين المياه شأنها شأن الغذاء والكهرباء وسائر الاحتياجات الأساسية.
استثمار
في مدينة درعا نفسها تتكرر الصورة في عدد من الأحياء التي تشهد طلباً متزايداً على المياه خلال فصل الصيف. ويقول أبو عبد الله وهو أحد أصحاب الصهاريج العاملين في المدينة إن أكثر المناطق التي تطلب المياه هي أحياء الصحاري والسد وشمال الخط ، مشيراً إلى أن سعر تعبئة الخزان الواحد يتراوح بين 40 و50 ألف ليرة سورية بحسب الموقع والمسافة وظروف النقل.
ويؤكد أن أصحاب الصهاريج يواجهون بدورهم صعوبات عديدة أبرزها انقطاع الكهرباء وطول فترات الانتظار عند نقاط التعبئة، موضحاً أنهم يقفون لساعات طويلة على الدور في بئر الشرع الذي يعد من أبرز مراكز التعبئة في المدينة. أو يضطرون أحياناً للتوجه إلى آبار أخرى مثل بئر بلدة النعيمة لتعبئة المياه كونه من الآبار الكبيرة القريبة على المدينة . وعند سؤاله عن وجود رقابة على الصهاريج أو على المياه التي يتم بيعها للأهالي يجيب بشكل مباشر: لا يوجد رقابة. ويضيف أن عدد الصهاريج العاملة في مدينة درعا يتجاوز الأربعين صهريجاً وأنه يقوم عادة بثلاث أو أربع نقلات يومياً تبعاً لحجم الطلب وظروف العمل ، لافتاً إلى أن بعض الأحياء مثل الكاشف والسبيل تشهد طلباً أقل مقارنة بأحياء أخرى تعاني من انقطاعات أطول للمياه.
مخاوف
هذا الواقع يثير قلقاً متزايداً لدى مختصين في القطاع الصحي وفي مقدمتهم رئيس دائرة الأمراض السارية وغير السارية في مديرية صحة درعا الدكتور نايل الزعبي الذي يرى أن التوسع في الاعتماد على مياه الصهاريج للشرب ينطوي على جملة من المخاطر الصحية المهمة تبدأ من غياب الرقابة ولا تنتهي عند طبيعة الصهاريج نفسها.
خارج مضمار الرقابة
يقول الزعبي في حديثه لـ " العين السورية: إن المشكلة الأساسية تكمن في أن نقل مياه الشرب بالصهاريج لا يخضع لرقابة صحية حقيقية ومنتظمة، معتبراً أن هذه النقطة تشكل فجوة كبيرة ليس في درعا فقط وإنما في مناطق أخرى تعتمد على الأسلوب نفسه. ويوضح أن غياب الرقابة يعني عملياً غياب القدرة على التأكد من سلامة المياه وجودتها ومطابقتها للشروط الصحية وهو ما يفتح المجال أمام مخاطر متعددة قد لا تكون ظاهرة للمستهلك.

ويشير إلى أن جزءاً كبيراً من المياه التي تباع عبر الصهاريج يتم استجراره من آبار خاصة تستثمر لأغراض تجارية وربحية في حين أن كثيراً من هذه الآبار لا يخضع لفحوصات دورية أو تحاليل مخبرية منتظمة ، الأمر الذي يجعل صلاحية المياه للاستخدام البشري موضع شك وتساؤل.
مخاطر متعددة
ويضيف الدكتور الزعبي.. أن المشكلة لا تقتصر على احتمالية التلوث الجرثومي فحسب بل تشمل أيضاً مخاطر كيميائية قد تكون أشد خطورة إذ يمكن أن تحتوي بعض المياه على نسب مرتفعة من المعادن أو العناصر الكيميائية غير المطابقة للمواصفات الصحية.
ويؤكد أن من أخطر ما يمكن أن يوجد في بعض مصادر المياه الخاصة ارتفاع نسب مادتي النترات والنتريت موضحاً أن هاتين المادتين تشكلان مصدر قلق صحي كبير عندما تتجاوزان الحدود المسموح بها في المواصفات السورية لمياه الشرب لما لهما من آثار صحية خطيرة على المدى الطويل ، خاصة لدى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.
ولا تتوقف المخاطر عند مصدر المياه فقط بحسب الزعبي بل تمتد إلى وسيلة النقل ذاتها. فالكثير من الصهاريج المستخدمة في نقل مياه الشرب لا تكون مخصصة لهذا الغرض حصراً بل تُستخدم أحياناً لنقل مياه الري الزراعي أو لأغراض أخرى مختلفة ، ثم تعود لاحقاً لنقل المياه المخصصة للشرب. ويشرح أن بقاء كميات من المياه في قاع الصهريج بعد كل عملية تفريغ يعد أمراً طبيعياً ، وعندما يكون الصهريج قد استخدم سابقاً لنقل مياه غير مخصصة للاستهلاك البشري فإن اختلاط البقايا المتبقية بالمياه الجديدة قد يشكل خطراً صحياً إضافياً ، خصوصاً إذا لم تجر عمليات تنظيف وتعقيم منتظمة وموثقة.
ثلاثية المخاطر المقلقة
ويلخص الزعبي المخاطر المرتبطة بمياه الصهاريج في ثلاثة محاور رئيسية: أولها غياب الرقابة وما يرافقه من غياب للكلورة والتعقيم المنتظم وثانيها عدم ضمان صلاحية المياه المنقولة للشرب بسبب عدم إخضاع مصادرها للفحوصات والتحاليل اللازمة، وثالثها استخدام بعض الصهاريج لأغراض متعددة قد تؤثر على سلامة المياه المنقولة للاستهلاك البشري.
ومن وجهة نظره فإن معالجة هذه الإشكالية لا تبدو مستحيلة بل تحتاج إلى إجراءات تنظيمية واضحة تبدأ بوضع آلية رقابية فعالة على مصادر المياه الخاصة وإخضاعها لتحاليل دورية منتظمة، وصولاً إلى تنظيم عمل الصهاريج ومنح تراخيص خاصة للمركبات المخصصة حصراً لنقل مياه الشرب. ويرى أن بإمكان البلديات أو الجهات المعنية أن تتولى هذه المهمة من خلال منح تراخيص محددة للصهاريج التي تستوفي الشروط الصحية بحيث يسمح لها فقط بنقل المياه المخصصة للاستخدام البشري مع إخضاعها لعمليات فحص وتعقيم ومراقبة دورية.
شهادات واعترافات
وفي مقابل هذه المخاوف الصحية يروي بعض السكان تجارب شخصية تزيد من حجم القلق الشعبي تجاه المياه المنقولة بالصهاريج. ففي حي شمال الخط يقول المواطن محمد صالح إنه يضطر إلى شراء خزان مياه كل ثلاثة أيام تقريباً نتيجة التقنين الشديد ، مضيفاً أنه عانى من مشكلات صحية في المعدة بعد فترة من اعتماده على المياه التي يتم جلبها عبر الصهاريج وفق ما أخبره الأطباء بعد مراجعته للمراكز الصحية.
الغاية تبرر الوسيلة
أما محمد الكور وهو أحد أصحاب الصهاريج العاملين في المدينة فيؤكد أن الطلب على المياه يرتفع بشكل كبير خلال فصل الصيف بسبب شح المياه في كثير من الأحياء. ويقول إن صهريجه يتسع لخمسة أمتار مكعبة وإنه يقوم عادة بنقلتين يومياً، موضحاً أن الربح قد يصل إلى نحو مئتي ألف ليرة سورية في النقلة الواحدة قبل احتساب النفقات التشغيلية. ويشير إلى أن بئر الشرع يخضع لإشراف مؤسسة المياه وأن المياه التي يحصل عليها من هذا المصدر سليمة بحسب قوله لكنه يعترف في الوقت نفسه بأن بعض أصحاب الصهاريج يتوجهون أحياناً إلى مصادر أخرى مختلفة قد لا تكون خاضعة للمستوى نفسه من الإشراف أو الرقابة.
كما يلفت إلى أن الطلب على المياه لا يرتبط بحي معين بقدر ارتباطه بجدول الضخ فكل حي تتأخر عنه المياه أو يتعرض لانقطاع طويل يتحول تلقائياً إلى وجهة للصهاريج. ويضيف أن الخزان الواحد يحتوي على عشرة براميل تقريباً من المياه وأن الاتصالات لا تتوقف خلال أشهر الصيف.
وبينما رفض بعض أصحاب الصهاريج الحديث عن تفاصيل عملهم اكتفى أحدهم بالقول: نقضي نصف يومنا واقفين عند البئر حتى نحصل على نقلة واحدة نسترزق منها. أما زكريا الكور فيشير إلى أن ضعف إنتاج بعض الآبار وارتفاع أسعار البنزين والمازوت يزيدان من الأعباء المترتبة على أصحاب الصهاريج ويحدان من هامش الربح الفعلي الذي يحققونه.
محاولات ردم فجوة العطش
ورغم الجهود التي بذلت خلال السنوات الماضية لإعادة تشغيل وتأهيل عدد من الآبار ضمن مبادرات محلية، من بينها حملة (أبشري حوران) التي ساهمت في تحسين واقع المياه في عدد من القرى والبلدات فإن الحاجة إلى الصهاريج ما تزال قائمة بقوة مع كل صيف ، الأمر الذي يعكس حجم التحدي الذي يواجه قطاع المياه في المحافظة.
وبين حاجة الأهالي إلى مصدر يضمن استمرار وصول المياه إلى منازلهم ومطالب المختصين بفرض رقابة صحية وتنظيمية أكثر صرامة على مصادر المياه وآليات نقلها تبقى صهاريج المياه في درعا عنواناً لواقع فرضته الضرورة. غير أن تحويل هذا الواقع من حل إسعافي مؤقت إلى خدمة أكثر أماناً وتنظيماً قد يكون الخطوة الأهم لحماية صحة السكان وضمان حقهم في الحصول على مياه آمنة ونظيفة.


