سوريا - اقتصاد
سوريا على أبواب " النادي العالمي".. اختبار اندماج وتكيّف
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١٠ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٧:٢٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تشهد سوريا اليوم مرحلة مفصلية في مسار تعافيها الاقتصادي، مع مساعٍ حثيثة لإنهاء عقد من العزلة المالية وإعادة دمجها في النظام المالي العالمي.
ووفقاً لخريطة حراك المسؤولين الماليين في سوريا، بالدرجة الأولى وزير المالية وما ينشره على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، تتركز الجهود السورية على عدة مسارات متوازية لاستعادة مكانتها المالية الدولية.
فقد شارك وفد وزاري سوري ضم وزير المالية محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي السابق عبد القادر حصرية، في اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن خلال نيسان 2025 . تأتي هذه الزيارة بعد لقاء الرئيس أحمد الشرع مع مديرة صندوق النقد كريستالينا جورجيفا، حيث ناقشا أطر التعاون لدعم الإصلاح الاقتصادي .
كما وقّع الجانبان اتفاقاً لبناء "برنامج عمل شامل" مع البنك الدولي، يشمل مشاركة مدعومة بالمنح لإصلاح قطاع الكهرباء، وإحياء إدارة المالية العامة، ومساعدة فنية في مجالات إصلاح الشركات المملوكة للدولة، وإدارة الدين العام، والبنية التحتية للأسواق المالية، وإصلاح القطاع المصرفي .
دعم عربي ودولي
وقد لعبت السعودية وقطر دوراً محورياً بتكفلها بسداد ديون سوريا المستحقة للبنك الدولي والبالغة 15 مليون دولار، وهي خطوة تمهد الطريق أمام سوريا للاستفادة من منح المؤسسة الدولية للتنمية .
وفي شباط 2026، اختتم فريق من صندوق النقد الدولي زيارة إلى دمشق، أشاد خلالها بتحسن النشاط الاقتصادي وتباطؤ التضخم واستقرار سعر الصرف، وأعلن عن برنامج واسع للمساعدة الفنية .
مؤشرات تعافٍ واستدراك سريع
يرصد خبراء في القطاع المالي، ملامح واضحة لعودة الثقة والاستقرار النقدي في سوريا بشكل تدريجي، ويرون أن السبب المباشر هو غياب تمويل الموازنة من قبل المصرف المركزي في تحقيق فائض طفيف في موازنة 2025، وتباطؤ التضخم ليصبح "منخفضاً من خانتين"، مع ارتفاع قيمة الليرة السورية مقارنة بعام 2024 . كما بدأت عملية إدخال العملة الجديدة بشكل جيد .
كما أن إلغاء قانون قيصر يفتح الباب أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية وإعادة الإعمار، مما يمكن أن يعيد بناء البنية التحتية ويدفع عجلة النمو، خاصة في قطاعات الطاقة والكهرباء .
هذا إلى جانب وقائع الاعتراف الدولي المتوالية، فمجرد انخراط سوريا في أنشطة صندوق النقد والبنك الدولي يعكس التزاماً بالإصلاح، مما يبعث برسالة إيجابية للمجتمع الدولي ويسهل الطريق أمام عودة التمويل والاستثمار الخارجي .
كل ذلك أفضى إلى شراكات استراتيجية.. واتفاقات تعاون مع مؤسسات عالمية وشركات كبرى في الخليج مثل "CMA CGM" و"موانئ دبي العالمية" لتطوير الموانئ، وشركات أميركية وأوروبية غربية تُعيد موقع سوريا كمركز لوجستي إقليمي .
معوقات مؤقتة
إلا أن خبراء يتوجسون من ضعف البنية التحتية والمؤسساتية، القادرة على استيعاب هذه التطورات الإيجابية المتسارعة. فق تعرضت البنية التحتية والاقتصادية لتدمير واسع، حيث انخفض الدخل القومي من 60 مليار دولار عام 2011 إلى أقل من 12 ملياراً في 2023 . والقطاع المصرفي يعاني من ضعف في التجهيزات والبرمجيات والالتزام بالمعايير الدولية، خاصة في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب .
إلى جانب العقوبات المتبقية، إذ لم ترفع الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية العقوبات بشكل شامل، مما يخلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين الذين يخشون من استئنافها، مما يحد من تدفق الاستثمارات الكبرى .
وهذا يعني أن ثمة تحديات أمام النظام المصرفي السوري، خصوصاً أن المصارف السورية غير مؤهلة حالياً للتعامل مع المصارف العالمية، وتتطلب إعادة رسملة وتحديثاً شاملاً للأنظمة، والعودة إلى نظام "سويفت"، مما يستدعي تعاوناً مع خبراء دوليين وليس الاكتفاء بالخبرات المحلية .
وهناك خشية لدى الخبراء والأكاديميين من أن يركز الانفتاح على استثمارات ريعية (نفط، غاز، عقارات) تحقق أرباحاً سريعة لفئات محدودة، وأن يؤدي تدفق المستوردات إلى إضعاف الإنتاج المحلي غير القادر على المنافسة، واستنزاف مدخرات المواطنين في الاستهلاك بدلاً من الإنتاج .
معززات
لكن على الرغم من ذلك، هناك نقاط قوة يراها خبراء الاقتصاد، تتمثل في القيادة المنفتحة والخطاب الاقتصادي الواقعي، إذ تمتلك سوريا اليوم حكومة منفتحة على المؤسسات الدولية، مع خطاب اقتصادي عقلاني يركز على بناء مؤسسات قوية وموازنات منضبطة وشفافية .
كما أن الموقع الجيوستراتيجي لسوريا كجسر يربط أوروبا بآسيا والخليج يجعلها محوراً طبيعياً لمشاريع الربط الإقليمي والنقل والطاقة، وهو عنصر جذب للاستثمارات الكبرى .
وتبدو الموارد البشرية المثقّل الأهم، فسوريا تمتلك كفاءات قادرة على المشاركة في عملية البناء، مع أهمية توجيهها بشكل صحيح ونقل المعرفة من الخبراء الأجانب .
هذا إضافة إلى الدعم الإقليمي والدولي، إذ تحظى سوريا بدعم عربي ملموس ومن مؤسسات دولية (صندوق النقد، البنك الدولي، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) يساعد في تجاوز العقبات وتمهيد الطريق للاندماج الكامل . هذا الدعم يعكس رغبة المجتمع الدولي في استقرار سوريا اقتصادياً وسياسياً .
ولا ننسى عامل الالتزام بالإصلاحات، وهذه ميزة سورية حالياً، إذ تم إصدار قوانين وتشريعات جديدة بشكل دوري، والتركيز على تحسين الحوكمة والشفافية، ومكافحة الفساد، هي خطوات جوهرية تعزز ثقة المجتمع الدولي .
بالأمس أكد وزير المالية يسر برنية، أنه عقد مؤخراً اجتماعاً مع مساعد وزير الخزانة الأميركي جوناثان بيرك، بحث خلاله عدداً من الملفات المرتبطة بالقطاع المالي السوري، أبرزها إعادة اندماج سوريا في النظام المالي العالمي.
وأوضح برنية في منشور عبر منصة "إكس" أن اللقاء تناول إعادة اندماج سوريا في النظام المالي العالمي، والإصلاحات الجارية في القطاع المالي، والتعاون الفني وبناء القدرات، إلى جانب توسيع نطاق التواصل مع الوكالات والمؤسسات المالية الأميركية.
وأعرب وزير المالية السوري عن تقديره لاستمرار تعاون وزارة الخزانة الأميركية ودعمها لجهود الإصلاح التي تبذلها سوريا، مؤكداً أهمية مواصلة الحوار والتنسيق بين الجانبين لتحقيق نتائج ملموسة في المرحلة المقبلة.
ماذا يعني النظام المالي العالمي؟
يشير النظام المالي العالمي إلى شبكة المؤسسات والأسواق والقواعد والأنظمة التي تنظم حركة الأموال والتجارة والمدفوعات والاستثمارات بين دول العالم.
ويشمل ذلك البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية والبنوك التجارية والأسواق المالية وأنظمة المدفوعات والتحويلات العابرة للحدود.
ويتيح الاندماج في هذا النظام للدول والمؤسسات المالية الوصول بصورة أوسع إلى المدفوعات الدولية، والتحويلات المصرفية، والتمويل والاستثمار والتعامل مع المؤسسات المالية العالمية، كما يتطلب الالتزام بالمعايير والقواعد الدولية المتعلقة بالشفافية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
تفاؤل حذر
وفي الحالة السورية، فإن الحديث عن إعادة الاندماج في النظام المالي العالمي يرتبط بجهود إصلاح القطاع المالي وتطوير قدراته وتعزيز علاقاته مع المؤسسات والجهات المالية الدولية، بما قد يسهم في تسهيل التعاملات المالية الخارجية ودعم النشاط الاقتصادي.
في العموم رأى خبراء في أحاديث سابقة لـ " العين السورية"، أن اندماج سوريا في النظام المالي العالمي هو عملية طويلة ومعقدة، لكنها تمضي قدماً بخطى ثابتة. يتوقف نجاحها على قدرة الحكومة السورية على مواصلة الإصلاحات، وتجاوز تحديات البنية التحتية والعقوبات، مع استثمار نقاط القوة التي تتمتع بها لتحويل هذا الزخم إلى تعافٍ اقتصادي ملموس يعود بالنفع على الشعب السوري.


