سوريا - رأي
آمال السوريين المؤجلة تحتاج نصاً يحميها
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ٢٧ يوليو ٢٠٢٦، ١٢:٠٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يكاد ملفُّ الاستثمار يتصدّر كلّ طاولةٍ رسميةٍ في سوريا اليوم، وهذا مفهوم؛ فالبلاد في أمسِّ الحاجة إلى رأس مالٍ يُعيد إليها عافيتها. لكنّ هذه الحاجة نفسها تفرض علينا أن نقرأ كلّ مشروعٍ يُعلَن بعينٍ مُتبصِّرة، وخاصّةً في مجال التطوير العقاريّ، حيث يختبئ حلمٌ يخصّ معظمنا: أن يمتلك السوريّ بيتاً في بلده.
فالفجوة بين الدخل والتكاليف اتّسعت حتى صار امتلاك المنزل أبعد من حلم، وصار الإيجار وحده يبتلع نحو ثلثي الأجر قبل أن يبدأ الشهر. الشابّ الذي يبدأ حياته، والعائلة التي تطارد الإيجار، كلاهما يقرأ أخبار الإعمار متلمّساً بصيص أمل.
استثمار بنفحة إنسانية
من هنا توقفت عند خبرٍ نقلته (بلومبرغ) عن استثمارٍ عقاري خليجي يُقارب العشرين مليار دولار في دمشق والساحل السوريّ. ما استوقفني لم يكن مبلغ الاستثمار ولا مُعلِنه، بل فِكرةٌ إنسانيةٌ كادت تمرّ في ذيل الخبر: أنّ المستثمر يدرس موضوع مساكن منخفضة التكلفة لذوي الدخل المحدود، أو صندوقاً يعينهم على السكن. فكرةٌ تحملُ ضمناً ما نبحث عنه ونحتاجه، فالاستثمار في سوريا اليوم مُطالب بأن يحلّ مشكلةً قائمة، لا أن يكتفي بجذب السيولة.
غير أنّ في ذاكرتنا ما يفرض التريّث قبل الفرح. فقد سمع السوريون، قبل الحرب، وعوداً كثيرة بمساكن لذوي الدخل المحدود، ظلّ معظمها وعوداً حتى استنزف الانتظارُ أعمارَنا، ثم جاءت أربعة عشر عاماً من الحرب هدم فيها النظام البائد ما بقي من الحلم ومن البيت معاً. لذلك لا يكفي أن يُذكَر الدخل المحدود في أخبارٍ صحفية كي نطمئنّ. نحتاج اليوم أن ننتقل من فكرةٍ يدرسها المستثمرون إلى حقٍّ يملكه المواطن، وهذا الانتقال لا تصنعه النوايا الحسنة وحدها، يصنعه القانون.
حين لا يكفي حُسن النية
في كل تجارب التطوير العقاري حول العالم حقيقةٌ ثابتة مفادها: أنّ المستثمر ليس جمعيّة خيرية، ورأس المال يذهب حيث العائد الأكبر. وهذا تحديداً ما يجعلنا نتوجّس من كلِّ وعدٍ لا يسنده ضمان. فأي مشروع حين يُعلَن عنها يتضمن حصّةً للميسور والمعسور معاً، لكن مع تقلبات السوق وارتفاع التكاليف، يُفعَّل منطق رأس المال فتتقدّم الوحدات الفاخرة لأنها بالطبع الأعلى ربحاً، وتتأخر المساكن الاقتصادية حتى تُنسى، ليس ذلك خيانةً للوعود، بل الأساس الذي تقوم عليه فكرة الاستثمار نفسها.
هنا تحديداً تُختَبَر النوايا الحسنة، فتلك النوايا تُعلَن حين تبدو الأرقام واعدة والحماسة في ذروتها، لكنّ اختبارها الحقيقي يأتي بعد سنوات، عند تبدّل الأوضاع الاقتصادية وتضخّم التكاليف، عندها لا يصمد من الوعود إلا ما كان مُحصناّ بنصٍّ قانوني.
كيف حمت دولٌ أُخرى مواطنيها
دولٌ كثيرة خرجت من ركام الحروب تعاملت مع السكن بوصفه مسؤولية دولةٍ تُدار بالقانون. ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وقفت أمام عجزٍ يقارب أربعة ملايين ونصف مليون مسكن، ومدنٍ سوّتها القنابل بالأرض. أدركت حكومتها أنّ السوق إن تُرك لمنطق ربحه وحده سيتجاوز الفقير، فأصدرت عام ١٩٥٠ قانونها الأول للإسكان، وضخّت دعماً عامّاً واسعاً مقابل سقوفٍ للإيجار وشروطٍ للاستفادة. وبحلول السبعينيات صار نحو نصف ما يُبنى من مساكن في البلاد إسكاناً اجتماعيّاً، في سياسةٍ سُمّيت «معجزة الإسكان»، أساسها التزامٌ سنّته الدولة وموّلته.
وذهبت فرنسا إلى قلب المسألة. ففي قانون «التضامن والتجديد الحضري» عام ٢٠٠٠، ألزمت بلدياتها الكبرى بأن تكون نسبةٌ من مساكنها إسكاناً اجتماعياً، رُفعت لاحقاً إلى ربع الرصيد السكني. وربطت النسبة بعقوبةٍ واضحة: البلدية المقصّرة تدفع غرامةً سنوية، وللدولة أن تتدخّل بنفسها لإقامة المساكن إن استمرّ الإخلال. بهذا صار «الإسكان الميسّر» واجباً يُحاسَب على تعطيله، ورقماً في القانون بعد أن كان عبارةً في خطاب.
الدرس المشترك واحد: حصّة الفقير في التجربتين كُتبت في نصٍّ وسُنِدت بآليةٍ تُنفّذها أو تعاقب على تعطيلها، بعيداً عن مزاج السوق أو سخاء المستثمر.
من النيّة إلى النصّ
ما تقوله التجربتان الألمانية والفرنسية لأي دولةٍ تنهض من جديد بسيطٌ في مبدئه، دقيقٌ في تفاصيله: أن يُكتب حقّ ذوي الدخل المحدود في صلب الإطار الناظم لأي استثمار عقاري، قبل أن يُوقّع أول عقد. وسوريا الجديدة، وهي تفتح أبوابها لرأس المال بعد سنوات الحرب والإغلاق، أمامها فرصةٌ نادرة لتبدأ من حيث انتهى الآخرون.
يبدأ ذلك بأن يُلحَظ في قانون الاستثمار وعقود التطوير حصّةٌ مُلزِمة من الوحدات الميسّرة في كلّ مشروعٍ كبير، بنسبةٍ واضحة وسقفٍ سعري مرتبط بمتوسط الدخل، لا بتقدير المطوّر ورغبته. وأن تُقرَن هذه الحصّة بآلية رقابةٍ تتحقّق من تنفيذها فعلاً، وبعقوبةٍ محدّدة على من يتخلّف عنها، كأن يُحوَّل جزءٌ من قيمة المخالفة إلى صندوقٍ وطني للإسكان الاجتماعي، على غرار ما استقرّت عليه تجارب راسخة.
ويبقى التمويل شرطاً موازياً؛ فبلا قرضٍ عقاري ميسّر طويل الأجل تبقى الوحدة «الميسّرة» ميسّرةً على الورق وحده. غير أنّ الحصّة الإلزامية هي حجر الأساس الذي بدونه يظلّ كلّ حديثٍ عن التمويل تفصيلاً في بيتٍ لم يُبنَ بعد.
هذه ليست قيوداً تُثقل المستثمر وتنفّره. هي القواعد نفسها التي تمنح الاستثمار استقراراً قانونياً يطمئنّ إليه، وتمنح المواطن يقيناً بأنّ له مكاناً في هذا العمران. فالأمن القانوني حين يُصان، يربح فيه الطرفان معاً: المستثمر الذي يعرف حدود التزامه سلفاً، والمواطن الذي يعرف أنّ حقّه محفوظٌ في نصّ.
أن يُكتب الحلم...
سوريا الجديدة تملك اليوم ما لم تملكه من قبل: أن تؤسّس صفحتها العقارية على قاعدةٍ ناظمة مضمونها أنّ العمران حقٌّ للناس قبل أن يكون عائداً للأرقام. وإن فعلت، لم يقتصر الأثر على عدد الوحدات، بل امتدّ إلى يقين الأجيال بأنّ لها في هذا الوطن حصّةً مصونةً بالقانون لا معلّقةً على وعد. فما يُسطَّر في نصٍّ مُلزِم يصير حقاً قابلاً للمطالبة والتقاضي، وما يُترك لِلوعد وحده يبقى رهن نيّة قائله.


