سوريا - صحة
سكان الحسكة يواجهون إرث التلوث الذي خلّفته الحراقات النفطية
شهادات سكان عن أمراض ومعاناة علاجية، ومديرية الصحة تؤكد غياب البيانات والدراسات المحلية التي تحدد حجم الأضرار أو تثبت ارتباطها بالحراقات، وتدعو إلى مسح صحي وبيئي.
أ
أحمد العجور
نشر في: ٧ نوفمبر ٢٠٢٦، ١٦:٣٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
بعد تراجع نشاط الحراقات النفطية البدائية في محافظة الحسكة، لم ينتهِ الجدل حول آثارها. فبين شهادات سكان يتحدثون عن أمراض تنفسية وحالات وفاة وإصابات جلدية، ومخاوف عائلات تتابع علاج مرضى السرطان خارج المحافظة، تبرز مخاوف من استمرار آثار التلوث الذي خلّفته سنوات من عمليات الحرق والتكرير العشوائي، في وقت تؤكد فيه مديرية الصحة غياب البيانات الوبائية والدراسات المحلية التي تسمح بتحديد حجم الأضرار أو إثبات ارتباطها بالتلوث النفطي.
لم تكن الحراقات النفطية البدائية في ريف الحسكة مجرد مصدر للوقود والدخل خلال سنوات الحرب، بل تحولت إلى مشهد يومي في مناطق عدة، حيث تصاعدت أعمدة الدخان من مواقع تكرير بدائية، وسط غياب إجراءات السلامة والرقابة البيئية والصحية.
ومع تراجع نشاط هذه الحراقات خلال الفترة الأخيرة، بعد سيطرة الدولة على معظم المناطق والحقول النفطية في المحافظة، وفق تقديرات ميدانية، عادت الأسئلة المتعلقة بمخلفات تلك المرحلة إلى الواجهة: هل انتهى الخطر بانحسار الحراقات؟ وهل تركت سنوات التعرض للدخان والملوثات آثاراً صحية وبيئية مستمرة على السكان؟
وبحسب تقدير أحد المصادر الميدانية، تراجع نشاط نحو 90% من الحراقات التي كانت منتشرة سابقاً، فيما بقيت نسبة محدودة في مناطق أخرى. لكن توقف معظم مواقع التكرير لا يقدم، بحد ذاته، إجابة عن مصير الملوثات التي ربما تراكمت في محيطها، ولا عن الأضرار الصحية المحتملة لدى الأشخاص الذين تعرضوا لانبعاثاتها لسنوات.
من الحاجة إلى العمل وسط الدخان
خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، دفعت الظروف الاقتصادية وانقطاع مصادر الدخل بعض السكان إلى العمل في الحراقات البدائية، التي اعتمدت على تسخين النفط الخام وفصل مشتقاته بوسائل غير صناعية، بعيداً عن معايير السلامة المهنية والبيئية.
يروي عبد المطوري، من قرية الدحام في ريف الحسكة الجنوبي، في حديث مع "العين السورية" أن قريته كانت تبعد نحو كيلومتر واحد عن مواقع الحراقات، وأن تدهور الأوضاع المعيشية دفع عدداً من الأهالي إلى العمل فيها، بعدما أصبح النفط الخام متاحاً من آبار خرجت عن سيطرة الجهات التي كانت تديرها سابقاً.
ويصف المطوري عملية التكرير بأنها كانت تتم عبر حرق النفط وفصل مشتقاته باستخدام المواسير، حيث تخرج مواد الكاز ثم البنزين والمازوت، قبل أن تتبقى مادة محلية تسمى «العلجة»، كانت تستخدم للتدفئة أو يعاد حرقها ضمن دورة العمل التالية.
لكن هذه العملية، وفق روايته، لم تكن تخلو من الحوادث؛ إذ شهدت مواقع الحراقات انفجارات وحرائق أدت إلى إصابة عمال بحروق متفاوتة، بعضها شديد، كما تحدث عن حالات اختناق ووفاة قال إنها وقعت نتيجة الغازات المنبعثة.
ولم يكن المطوري بعيداً عن تلك المخاطر، إذ يقول إنه تعرض لانفجار في إحدى الحراقات، رغم وجوده على مسافة منها، وأصيب بحروق في يده وجسده، لا تزال آثار بعضها ظاهرة حتى اليوم.
ويضيف أن بعض النساء عملن في التعامل مع مخلفات التكرير، فيما ظهرت، بحسب مشاهداته وروايات الأهالي، مشكلات جلدية وحالات تشوه خلقي لدى أطفال في محيط تلك المواقع. غير أن هذه الحالات، على أهميتها، تحتاج إلى سجلات طبية وفحوص مستقلة لتحديد طبيعتها وأسبابها، وعدم الاكتفاء بربطها زمنياً أو جغرافياً بوجود الحراقات.
سكان لم يعملوا في الحراقات.. لكنهم عاشوا قربها
لم تقتصر دائرة التعرض المحتمل على العمال الذين تعاملوا مباشرة مع النفط ومخلفات التكرير، بل امتدت، وفق شهادات السكان، إلى عائلات كانت تقيم بالقرب من مواقع الحراقات، وتتعرض للدخان المنبعث منها بحسب اتجاه الرياح والظروف الجوية.
حمادة أحمد، من قرية الفج الواقعة ضمن منطقة نفطية كانت تديرها شركة «إيبلا» الصينية، يقول إن انتشار الحراقات في بداية الثورة ارتبط في البداية بتحسن الدخل لدى بعض السكان، قبل أن تتضح المخاطر المحتملة للعمل في تلك المواقع.
ويذكر أحمد أن تحذيرات من مخاطر الحرق والانبعاثات كانت تُتداول بين الأهالي، وينسب إلى الشركة الصينية تنبيهات سابقة بشأن ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية، لكنه يشير إلى أن غياب الرقابة والجهات المنظمة حال دون الالتزام بإجراءات السلامة. وتبقى هذه الرواية بحاجة إلى وثائق أو تصريحات مستقلة لتأكيد مضمون التحذيرات المنسوبة إلى الشركة.
ويقول أحمد إن بعض السكان لاحظوا حالات اختناق لدى أطفال رضع عندما كانت الرياح تتجه نحو القرية، ويتحدث عن وفيات وأمراض رئوية وجلدية بين الأهالي، بمن فيهم أشخاص لم يعملوا في الحراقات، وإنما عاشوا بالقرب منها.
وتكشف هذه الشهادات عن جانب مهم من القضية، وهو احتمال تعرض السكان المحيطين بمواقع الحرق للملوثات من دون اتصال مهني مباشر بها. إلا أن إثبات العلاقة بين تلك الانبعاثات والحالات المرضية يتطلب معرفة طبيعة المواد المنبعثة، وقياس مستويات التعرض، ومراجعة السجلات الطبية، ومقارنة معدلات الأمراض بين المناطق المختلفة.
ويشير إلى أنه يواجه أحياناً صعوبة في تأمين بعض الجرعات أو الإبر العلاجية، ما يضطره إلى شرائها من القطاع الخاص بتكلفة تتراوح، وفق تجربته الشخصية، بين 300 و400 دولار.
ويرى جدعان أن غياب الخدمات التخصصية والأدوية والأجهزة الطبية الكافية في الحسكة يضاعف معاناة المرضى، مطالباً بإجراء مسح صحي للمناطق التي شهدت انتشاراً واسعاً للحراقات، وحصر الحالات المرضية فيها، وتوفير العلاج اللازم داخل المحافظة قدر الإمكان.
كما يطالب بفحص الأراضي الزراعية والمياه في محيط المواقع السابقة، بعدما تحدث عن تضرر بعض الأراضي وفقدانها القدرة على الإنتاج الزراعي. وهي مسألة تحتاج بدورها إلى تحاليل مخبرية للتربة والمياه والمحاصيل، قبل إصدار أي حكم بشأن مستوى التلوث أو مدى تأثيره في الزراعة.
مدير الصحة: لا بيانات محلية تثبت زيادة الإصابات
في مقابل شهادات الأهالي والتحذيرات العلمية من مخاطر الملوثات النفطية، يؤكد مدير صحة الحسكة، الدكتور خالد الخالد، أن التعرض المزمن لبعض الملوثات الناتجة عن احتراق النفط قد يرتبط علمياً بأمراض الجهاز التنفسي، كما أن بعض المركبات الكيميائية الناتجة عن الاحتراق قد ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض سرطانية.
لكنه يشدد على أن هذه المخاطر المعروفة علمياً لا تعني إثبات ارتفاع معدلات الإصابة في محافظة الحسكة، موضحاً أنه لا تتوفر لدى مديرية الصحة بيانات وبائية محلية تسمح بتأكيد وجود زيادة في الأمراض أو تحديد حجمها، كما لم تُجرَ دراسات متخصصة تثبت وجود علاقة سببية بين التعرض للحراقات النفطية والحالات المرضية المسجلة.
ويشير الخالد إلى أن الإحصاءات المتعلقة بالأمراض السرطانية تُجمع مركزياً، بينما لا تمتلك المديرية قاعدة بيانات محلية مستقلة وشاملة عن مرضى السرطان، ولا سيما أن عدداً من المرضى يتوجهون إلى المراكز التخصصية خارج المحافظة، خصوصاً في دمشق، لتلقي التشخيص والعلاج.
وبحسب مدير الصحة، لا تتوفر حالياً بيانات تفصيلية تسمح بمقارنة أعداد الإصابات سنوياً، أو تحديد أنواع السرطان الأكثر انتشاراً بين أبناء المحافظة، أو معرفة التوزع الجغرافي للحالات على مستوى المدن والبلدات والقرى.
ويؤكد أن غياب هذه البيانات لا يعني عدم وجود إصابات، وإنما يعني أن المعلومات المتاحة لا تكفي لإجراء تحليل وبائي محلي موثوق.
كما يوضح أن المديرية لا تمتلك دراسة مقارنة بين المناطق التي شهدت انتشاراً واسعاً للحراقات والمناطق الأخرى، وأن إجراء مثل هذه الدراسة يتطلب معرفة عدد الحالات وحجم السكان والفئات العمرية وأنواع السرطان، إلى جانب تحديد مستويات التعرض البيئي ومراعاة عوامل أخرى، مثل التدخين والعوامل الوراثية والمهنية.
لا متابعة صحية خاصة للعاملين السابقين
ومن بين الفئات التي تستدعي اهتماماً خاصاً، بحسب الخالد، الأشخاص الذين عملوا سابقاً في الحراقات النفطية، نظراً إلى احتمال تعرضهم المباشر والمتكرر للدخان والملوثات الكيميائية.
لكن مدير الصحة يقر بعدم وجود برنامج متخصص لدى المديرية لمتابعة الحالات المرضية بين هؤلاء العمال.
ويقترح تطوير برنامج للصحة المهنية يتضمن تسجيل التاريخ المهني للعاملين السابقين، وتقييم الأعراض التنفسية، وإجراء الفحوص اللازمة وفق الإرشادات الطبية المعتمدة، وإحالة الحالات التي تستدعي تقييماً تخصصياً.
أما على مستوى الأمراض التنفسية، فيوضح الخالد أن التعرض للدخان والجسيمات الدقيقة والملوثات الناتجة عن الاحتراق قد يؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي وتفاقم نوبات الربو، وزيادة مخاطر بعض الأمراض التنفسية المزمنة.
إلا أنه يؤكد عدم وجود دراسة محلية تسمح بمقارنة معدلات هذه الأمراض بين السكان القاطنين قرب الحراقات وغيرهم، أو قاعدة بيانات تربط الحالات المسجلة بمكان إقامة المرضى ومستويات تعرضهم السابقة.
وفيما يتعلق بالتشوهات الخلقية ومشكلات الحمل والولادة، يقول الخالد إن المديرية لا تمتلك دراسات محلية متخصصة تسمح بتحديد وجود علاقة بينها وبين التعرض للملوثات النفطية، رغم أن بعض الدراسات العلمية تشير إلى مخاطر محتملة لبعض الملوثات البيئية على الحمل والجنين.
مخلفات الحراقات.. خطر لم يُقيَّم بعد
لا تنتهي القضية عند توقف عمليات الحرق؛ فالمواقع التي شهدت نشاطاً لسنوات قد تحتاج إلى تقييم بيئي لمعرفة ما إذا كانت مخلفات النفط والمواد الناتجة عن التكرير قد تركت تلوثاً في التربة أو المياه أو المناطق الزراعية المحيطة.
وفي هذا الجانب، يؤكد مدير صحة الحسكة عدم توفر دراسات بيئية موثقة أو نتائج فحوص مخبرية لدى المديرية تسمح بتحديد مدى تلوث المياه الجوفية أو التربة أو المحاصيل الزراعية في مواقع الحراقات السابقة.
ويشدد على أن معرفة حجم المشكلة تتطلب أخذ عينات من الهواء والتربة والمياه، وتحليلها في مخابر مؤهلة، وتحديد نوع الملوثات وتركيزاتها، ومدى انتقالها إلى المياه أو المنتجات الزراعية.
كما يرى ضرورة التنسيق بين مديريات الصحة والبيئة والجهات المختصة بالمياه والزراعة، وربط نتائج التقييم البيئي بتقييم المخاطر الصحية، محذراً من إصدار أحكام بشأن سلامة المياه أو المحاصيل أو تلوثها من دون نتائج مخبرية موثقة.
ويشير الخالد إلى أن تراجع نشاط الحراقات يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء جميع المخاطر المحتملة، إذ قد تبقى بعض الملوثات في البيئة لفترات متفاوتة، كما يمكن أن تظهر بعض الآثار الصحية الناتجة عن التعرض السابق بعد سنوات.
ما المطلوب؟ سجل صحي ومسح بيئي
يرى مدير صحة الحسكة أن التعامل مع الملف يتطلب الانتقال من الروايات والتقديرات العامة إلى منظومة علمية قادرة على تحديد حجم المشكلة، تبدأ بإنشاء سجل محلي للأمراض السرطانية بالتنسيق مع وزارة الصحة والمراكز التخصصية التي تستقبل مرضى المحافظة.
ويشمل ذلك تسجيل التشخيص المؤكد ونوع المرض وعمر المريض ومكان إقامته وتاريخ الإصابة، مع تطوير آلية لتبادل المعلومات مع المراكز التي يتلقى فيها أبناء الحسكة العلاج خارج المحافظة.
كما يقترح إجراء مسح صحي وبيئي يشمل المناطق التي شهدت انتشاراً واسعاً للحراقات، وتحديد الفئات الأكثر تعرضاً، وجمع بيانات الأمراض التنفسية والسرطانية وفق معايير تشخيصية موحدة، وإجراء فحوص مخبرية للهواء والتربة والمياه، ودراسة التوزع الجغرافي والعمري للحالات مع مراعاة حجم السكان.
وفي الجانب العلاجي، يوضح الخالد أن لدى المديرية برنامجاً معنيّاً بمتابعة ملف الأمراض السرطانية، لكنه ذو طابع إشرافي ومتابع، ولا يقدم خدمات تشخيصية أو علاجية مباشرة، في ظل عدم وجود مركز تخصصي لأمراض السرطان أو منظومة محلية متكاملة للتشخيص والعلاج والمتابعة.
ويؤكد ضرورة تطوير برنامج السرطان، وتعزيز آليات الإحالة والمتابعة، والعمل على توفير خدمات الكشف والتشخيص المناسبة، إلى جانب تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمرضى داخل المحافظة.
أسئلة لا يجوز أن تبقى بلا إجابة
تكشف شهادات السكان عن مخاوف جدية تستحق التحقيق والمتابعة، ويقدم التفسير العلمي للمخاطر الكيميائية صورة عن طبيعة الملوثات التي يمكن أن تنتج عن الحرق والتكرير البدائي. لكن تحديد حجم الأضرار الفعلية في الحسكة لا يزال يحتاج إلى دراسات وفحوص وبيانات محلية.
فغياب الإحصاءات والدراسات لا يمكن أن يكون مبرراً لتجاهل المخاطر المحتملة أو تأجيل فحص المواقع التي شهدت سنوات من التكرير البدائي، كما أن الشهادات الفردية، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية بين الحراقات والأمراض التي ظهرت بين السكان.
والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتراجع عدد الحراقات، بل معرفة ما تركته وراءها: هل تلوثت التربة والمياه في محيطها؟ وما المواد التي بقيت في المواقع السابقة؟ وهل توجد فروق صحية بين السكان الذين عاشوا قربها وغيرهم؟ ومن يتولى متابعة العاملين السابقين والأسر التي تعتقد أنها تضررت؟
حتى الآن، لا تقدم مديرية الصحة إجابات رقمية عن حجم الإصابات أو تطورها خلال السنوات الماضية، ولا تتوفر نتائج فحوص بيئية تحدد مستوى التلوث في المواقع السابقة. وهذا يعني أن الحسكة ما زالت بحاجة إلى مسح صحي وبيئي جاد، وإلى سجل محلي يتيح تتبع الحالات ومقارنتها، بالتوازي مع توفير الخدمات العلاجية للمرضى.
فالحراقات التي خفت نيرانها قد تكون غادرت المشهد، لكن الإجابة عن كلفة سنوات عملها لا يمكن أن تبقى رهينة التقديرات أو التخمين، بل تحتاج إلى بيانات وفحوص ومتابعة رسمية، حتى لا يبقى السكان وحدهم أمام أسئلة تتعلق بصحتهم وبيئتهم ومستقبل مناطقهم.
بعد تراجع نشاط الحراقات النفطية البدائية في محافظة الحسكة، لم ينتهِ الجدل حول آثارها. فبين شهادات سكان يتحدثون عن أمراض تنفسية وحالات وفاة وإصابات جلدية، ومخاوف عائلات تتابع علاج مرضى السرطان خارج المحافظة، تبرز مخاوف من استمرار آثار التلوث الذي خلّفته سنوات من عمليات الحرق والتكرير العشوائي، في وقت تؤكد فيه مديرية الصحة غياب البيانات الوبائية والدراسات المحلية التي تسمح بتحديد حجم الأضرار أو إثبات ارتباطها بالتلوث النفطي.
لم تكن الحراقات النفطية البدائية في ريف الحسكة مجرد مصدر للوقود والدخل خلال سنوات الحرب، بل تحولت إلى مشهد يومي في مناطق عدة، حيث تصاعدت أعمدة الدخان من مواقع تكرير بدائية، وسط غياب إجراءات السلامة والرقابة البيئية والصحية.
ومع تراجع نشاط هذه الحراقات خلال الفترة الأخيرة، بعد سيطرة الدولة على معظم المناطق والحقول النفطية في المحافظة، وفق تقديرات ميدانية، عادت الأسئلة المتعلقة بمخلفات تلك المرحلة إلى الواجهة: هل انتهى الخطر بانحسار الحراقات؟ وهل تركت سنوات التعرض للدخان والملوثات آثاراً صحية وبيئية مستمرة على السكان؟وبحسب تقدير أحد المصادر الميدانية، تراجع نشاط نحو 90% من الحراقات التي كانت منتشرة سابقاً، فيما بقيت نسبة محدودة في مناطق أخرى. لكن توقف معظم مواقع التكرير لا يقدم، بحد ذاته، إجابة عن مصير الملوثات التي ربما تراكمت في محيطها، ولا عن الأضرار الصحية المحتملة لدى الأشخاص الذين تعرضوا لانبعاثاتها لسنوات.
من الحاجة إلى العمل وسط الدخان
خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، دفعت الظروف الاقتصادية وانقطاع مصادر الدخل بعض السكان إلى العمل في الحراقات البدائية، التي اعتمدت على تسخين النفط الخام وفصل مشتقاته بوسائل غير صناعية، بعيداً عن معايير السلامة المهنية والبيئية.
يروي عبد المطوري، من قرية الدحام في ريف الحسكة الجنوبي، في حديث مع "العين السورية" أن قريته كانت تبعد نحو كيلومتر واحد عن مواقع الحراقات، وأن تدهور الأوضاع المعيشية دفع عدداً من الأهالي إلى العمل فيها، بعدما أصبح النفط الخام متاحاً من آبار خرجت عن سيطرة الجهات التي كانت تديرها سابقاً.
ويصف المطوري عملية التكرير بأنها كانت تتم عبر حرق النفط وفصل مشتقاته باستخدام المواسير، حيث تخرج مواد الكاز ثم البنزين والمازوت، قبل أن تتبقى مادة محلية تسمى «العلجة»، كانت تستخدم للتدفئة أو يعاد حرقها ضمن دورة العمل التالية.
لكن هذه العملية، وفق روايته، لم تكن تخلو من الحوادث؛ إذ شهدت مواقع الحراقات انفجارات وحرائق أدت إلى إصابة عمال بحروق متفاوتة، بعضها شديد، كما تحدث عن حالات اختناق ووفاة قال إنها وقعت نتيجة الغازات المنبعثة.
ولم يكن المطوري بعيداً عن تلك المخاطر، إذ يقول إنه تعرض لانفجار في إحدى الحراقات، رغم وجوده على مسافة منها، وأصيب بحروق في يده وجسده، لا تزال آثار بعضها ظاهرة حتى اليوم.
ويضيف أن بعض النساء عملن في التعامل مع مخلفات التكرير، فيما ظهرت، بحسب مشاهداته وروايات الأهالي، مشكلات جلدية وحالات تشوه خلقي لدى أطفال في محيط تلك المواقع. غير أن هذه الحالات، على أهميتها، تحتاج إلى سجلات طبية وفحوص مستقلة لتحديد طبيعتها وأسبابها، وعدم الاكتفاء بربطها زمنياً أو جغرافياً بوجود الحراقات.
سكان لم يعملوا في الحراقات.. لكنهم عاشوا قربها
لم تقتصر دائرة التعرض المحتمل على العمال الذين تعاملوا مباشرة مع النفط ومخلفات التكرير، بل امتدت، وفق شهادات السكان، إلى عائلات كانت تقيم بالقرب من مواقع الحراقات، وتتعرض للدخان المنبعث منها بحسب اتجاه الرياح والظروف الجوية.
حمادة أحمد، من قرية الفج الواقعة ضمن منطقة نفطية كانت تديرها شركة «إيبلا» الصينية، يقول إن انتشار الحراقات في بداية الثورة ارتبط في البداية بتحسن الدخل لدى بعض السكان، قبل أن تتضح المخاطر المحتملة للعمل في تلك المواقع.
ويذكر أحمد أن تحذيرات من مخاطر الحرق والانبعاثات كانت تُتداول بين الأهالي، وينسب إلى الشركة الصينية تنبيهات سابقة بشأن ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية، لكنه يشير إلى أن غياب الرقابة والجهات المنظمة حال دون الالتزام بإجراءات السلامة. وتبقى هذه الرواية بحاجة إلى وثائق أو تصريحات مستقلة لتأكيد مضمون التحذيرات المنسوبة إلى الشركة.ويقول أحمد إن بعض السكان لاحظوا حالات اختناق لدى أطفال رضع عندما كانت الرياح تتجه نحو القرية، ويتحدث عن وفيات وأمراض رئوية وجلدية بين الأهالي، بمن فيهم أشخاص لم يعملوا في الحراقات، وإنما عاشوا بالقرب منها.
وتكشف هذه الشهادات عن جانب مهم من القضية، وهو احتمال تعرض السكان المحيطين بمواقع الحرق للملوثات من دون اتصال مهني مباشر بها. إلا أن إثبات العلاقة بين تلك الانبعاثات والحالات المرضية يتطلب معرفة طبيعة المواد المنبعثة، وقياس مستويات التعرض، ومراجعة السجلات الطبية، ومقارنة معدلات الأمراض بين المناطق المختلفة.
ماذا تحمل انبعاثات الحراقات من مواد سامة؟
لا تقتصر مخاطر الحراقات النفطية البدائية على الدخان الأسود والروائح المنبعثة منها، بل ترتبط أيضاً بطبيعة المواد الكيميائية الناتجة عن عمليات الحرق والتكرير غير المكتملة، خصوصاً في ظل غياب أنظمة المعالجة والفلاتر الصناعية.
وفي هذا السياق، يحذر الدكتور خالد سعدون من المخاطر الصحية والبيئية للانبعاثات الناتجة عن عمليات تكرير النفط بطرق بدائية، مشيراً إلى أن هذه العمليات يمكن أن تطلق مزيجاً من الغازات والملوثات الكيميائية التي تشكل خطراً على صحة الإنسان، ولا سيما عند التعرض لها بصورة متكررة أو لفترات طويلة.
ومن بين المركبات التي تستدعي الانتباه، وفق التفسير العلمي للمخاطر التي يتناولها الدكتور، البنزين (Benzene)، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مركبات معروفة بارتباط عدد منها بمخاطر صحية وسرطانية.
ويُعد البنزين من المواد الكيميائية التي يرتبط التعرض لها بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، ولا سيما ابيضاض الدم النقوي الحاد، فيما تنتج بعض الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات عن الاحتراق غير الكامل للمواد النفطية والعضوية، ويُصنّف عدد منها ضمن المركبات المسرطنة.
ولا تقف المخاطر عند هذه المركبات، إذ يمكن أن تترافق عمليات الحرق البدائي مع انبعاث جسيمات دقيقة وغازات وملوثات أخرى تؤثر في الجهاز التنفسي، وقد تسهم في تهيجه وتفاقم مشكلات مثل الربو، بحسب طبيعة الملوث وتركيزه ومدة التعرض له.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في مناطق الحسكة التي شهدت انتشاراً للحراقات لسنوات، إذ إن التعرض المحتمل لم يكن مقتصراً على العمال داخل مواقع التكرير، بل شمل أيضاً السكان الذين عاشوا بالقرب منها، ووصلت إليهم الانبعاثات بحسب اتجاه الرياح والظروف الجوية.
كما أن بعض الملوثات الناتجة عن الاحتراق قد تترسب في التربة أو تنتقل إلى مكونات بيئية أخرى، ما يثير تساؤلات حول احتمال استمرار آثارها بعد توقف النشاط في كثير من تلك المواقع.
ومع ذلك، فإن وجود مركبات معروفة بمخاطرها في انبعاثات عمليات الاحتراق لا يثبت وحده وجودها حالياً في مواقع الحراقات السابقة بالحسكة، أو يحدد مستويات تعرض السكان لها، كما لا يثبت أن الحالات المرضية التي تحدث عنها الأهالي نتجت عنها. ويحتاج ذلك إلى فحوص مخبرية ودراسات صحية ووبائية متخصصة.
رحلة العلاج.. عبء آخر على العائلات
بالنسبة إلى بعض الأسر في الحسكة، لا تتوقف المعاناة عند القلق من التلوث أو احتمال الإصابة بالأمراض، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على التشخيص والعلاج داخل المحافظة.
سلامة جدعان، من مدينة الحسكة، يتابع علاج ابنته في مشفى البيروني بدمشق، ويقول إن رحلة العلاج تتطلب تنقلاً متكرراً وتكاليف تفوق قدرة عائلته المادية.
لا تقتصر مخاطر الحراقات النفطية البدائية على الدخان الأسود والروائح المنبعثة منها، بل ترتبط أيضاً بطبيعة المواد الكيميائية الناتجة عن عمليات الحرق والتكرير غير المكتملة، خصوصاً في ظل غياب أنظمة المعالجة والفلاتر الصناعية.
وفي هذا السياق، يحذر الدكتور خالد سعدون من المخاطر الصحية والبيئية للانبعاثات الناتجة عن عمليات تكرير النفط بطرق بدائية، مشيراً إلى أن هذه العمليات يمكن أن تطلق مزيجاً من الغازات والملوثات الكيميائية التي تشكل خطراً على صحة الإنسان، ولا سيما عند التعرض لها بصورة متكررة أو لفترات طويلة.
ومن بين المركبات التي تستدعي الانتباه، وفق التفسير العلمي للمخاطر التي يتناولها الدكتور، البنزين (Benzene)، والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مركبات معروفة بارتباط عدد منها بمخاطر صحية وسرطانية.
ويُعد البنزين من المواد الكيميائية التي يرتبط التعرض لها بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، ولا سيما ابيضاض الدم النقوي الحاد، فيما تنتج بعض الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات عن الاحتراق غير الكامل للمواد النفطية والعضوية، ويُصنّف عدد منها ضمن المركبات المسرطنة.
ولا تقف المخاطر عند هذه المركبات، إذ يمكن أن تترافق عمليات الحرق البدائي مع انبعاث جسيمات دقيقة وغازات وملوثات أخرى تؤثر في الجهاز التنفسي، وقد تسهم في تهيجه وتفاقم مشكلات مثل الربو، بحسب طبيعة الملوث وتركيزه ومدة التعرض له.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في مناطق الحسكة التي شهدت انتشاراً للحراقات لسنوات، إذ إن التعرض المحتمل لم يكن مقتصراً على العمال داخل مواقع التكرير، بل شمل أيضاً السكان الذين عاشوا بالقرب منها، ووصلت إليهم الانبعاثات بحسب اتجاه الرياح والظروف الجوية.
كما أن بعض الملوثات الناتجة عن الاحتراق قد تترسب في التربة أو تنتقل إلى مكونات بيئية أخرى، ما يثير تساؤلات حول احتمال استمرار آثارها بعد توقف النشاط في كثير من تلك المواقع.
ومع ذلك، فإن وجود مركبات معروفة بمخاطرها في انبعاثات عمليات الاحتراق لا يثبت وحده وجودها حالياً في مواقع الحراقات السابقة بالحسكة، أو يحدد مستويات تعرض السكان لها، كما لا يثبت أن الحالات المرضية التي تحدث عنها الأهالي نتجت عنها. ويحتاج ذلك إلى فحوص مخبرية ودراسات صحية ووبائية متخصصة.
رحلة العلاج.. عبء آخر على العائلات
بالنسبة إلى بعض الأسر في الحسكة، لا تتوقف المعاناة عند القلق من التلوث أو احتمال الإصابة بالأمراض، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على التشخيص والعلاج داخل المحافظة.
سلامة جدعان، من مدينة الحسكة، يتابع علاج ابنته في مشفى البيروني بدمشق، ويقول إن رحلة العلاج تتطلب تنقلاً متكرراً وتكاليف تفوق قدرة عائلته المادية.
ويشير إلى أنه يواجه أحياناً صعوبة في تأمين بعض الجرعات أو الإبر العلاجية، ما يضطره إلى شرائها من القطاع الخاص بتكلفة تتراوح، وفق تجربته الشخصية، بين 300 و400 دولار.ويرى جدعان أن غياب الخدمات التخصصية والأدوية والأجهزة الطبية الكافية في الحسكة يضاعف معاناة المرضى، مطالباً بإجراء مسح صحي للمناطق التي شهدت انتشاراً واسعاً للحراقات، وحصر الحالات المرضية فيها، وتوفير العلاج اللازم داخل المحافظة قدر الإمكان.
كما يطالب بفحص الأراضي الزراعية والمياه في محيط المواقع السابقة، بعدما تحدث عن تضرر بعض الأراضي وفقدانها القدرة على الإنتاج الزراعي. وهي مسألة تحتاج بدورها إلى تحاليل مخبرية للتربة والمياه والمحاصيل، قبل إصدار أي حكم بشأن مستوى التلوث أو مدى تأثيره في الزراعة.
مدير الصحة: لا بيانات محلية تثبت زيادة الإصابات
في مقابل شهادات الأهالي والتحذيرات العلمية من مخاطر الملوثات النفطية، يؤكد مدير صحة الحسكة، الدكتور خالد الخالد، أن التعرض المزمن لبعض الملوثات الناتجة عن احتراق النفط قد يرتبط علمياً بأمراض الجهاز التنفسي، كما أن بعض المركبات الكيميائية الناتجة عن الاحتراق قد ترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض سرطانية.

لكنه يشدد على أن هذه المخاطر المعروفة علمياً لا تعني إثبات ارتفاع معدلات الإصابة في محافظة الحسكة، موضحاً أنه لا تتوفر لدى مديرية الصحة بيانات وبائية محلية تسمح بتأكيد وجود زيادة في الأمراض أو تحديد حجمها، كما لم تُجرَ دراسات متخصصة تثبت وجود علاقة سببية بين التعرض للحراقات النفطية والحالات المرضية المسجلة.
ويشير الخالد إلى أن الإحصاءات المتعلقة بالأمراض السرطانية تُجمع مركزياً، بينما لا تمتلك المديرية قاعدة بيانات محلية مستقلة وشاملة عن مرضى السرطان، ولا سيما أن عدداً من المرضى يتوجهون إلى المراكز التخصصية خارج المحافظة، خصوصاً في دمشق، لتلقي التشخيص والعلاج.
وبحسب مدير الصحة، لا تتوفر حالياً بيانات تفصيلية تسمح بمقارنة أعداد الإصابات سنوياً، أو تحديد أنواع السرطان الأكثر انتشاراً بين أبناء المحافظة، أو معرفة التوزع الجغرافي للحالات على مستوى المدن والبلدات والقرى.
ويؤكد أن غياب هذه البيانات لا يعني عدم وجود إصابات، وإنما يعني أن المعلومات المتاحة لا تكفي لإجراء تحليل وبائي محلي موثوق.
كما يوضح أن المديرية لا تمتلك دراسة مقارنة بين المناطق التي شهدت انتشاراً واسعاً للحراقات والمناطق الأخرى، وأن إجراء مثل هذه الدراسة يتطلب معرفة عدد الحالات وحجم السكان والفئات العمرية وأنواع السرطان، إلى جانب تحديد مستويات التعرض البيئي ومراعاة عوامل أخرى، مثل التدخين والعوامل الوراثية والمهنية.
لا متابعة صحية خاصة للعاملين السابقين
ومن بين الفئات التي تستدعي اهتماماً خاصاً، بحسب الخالد، الأشخاص الذين عملوا سابقاً في الحراقات النفطية، نظراً إلى احتمال تعرضهم المباشر والمتكرر للدخان والملوثات الكيميائية.
لكن مدير الصحة يقر بعدم وجود برنامج متخصص لدى المديرية لمتابعة الحالات المرضية بين هؤلاء العمال.
ويقترح تطوير برنامج للصحة المهنية يتضمن تسجيل التاريخ المهني للعاملين السابقين، وتقييم الأعراض التنفسية، وإجراء الفحوص اللازمة وفق الإرشادات الطبية المعتمدة، وإحالة الحالات التي تستدعي تقييماً تخصصياً.
أما على مستوى الأمراض التنفسية، فيوضح الخالد أن التعرض للدخان والجسيمات الدقيقة والملوثات الناتجة عن الاحتراق قد يؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي وتفاقم نوبات الربو، وزيادة مخاطر بعض الأمراض التنفسية المزمنة.
إلا أنه يؤكد عدم وجود دراسة محلية تسمح بمقارنة معدلات هذه الأمراض بين السكان القاطنين قرب الحراقات وغيرهم، أو قاعدة بيانات تربط الحالات المسجلة بمكان إقامة المرضى ومستويات تعرضهم السابقة.
وفيما يتعلق بالتشوهات الخلقية ومشكلات الحمل والولادة، يقول الخالد إن المديرية لا تمتلك دراسات محلية متخصصة تسمح بتحديد وجود علاقة بينها وبين التعرض للملوثات النفطية، رغم أن بعض الدراسات العلمية تشير إلى مخاطر محتملة لبعض الملوثات البيئية على الحمل والجنين.
مخلفات الحراقات.. خطر لم يُقيَّم بعد
لا تنتهي القضية عند توقف عمليات الحرق؛ فالمواقع التي شهدت نشاطاً لسنوات قد تحتاج إلى تقييم بيئي لمعرفة ما إذا كانت مخلفات النفط والمواد الناتجة عن التكرير قد تركت تلوثاً في التربة أو المياه أو المناطق الزراعية المحيطة.
وفي هذا الجانب، يؤكد مدير صحة الحسكة عدم توفر دراسات بيئية موثقة أو نتائج فحوص مخبرية لدى المديرية تسمح بتحديد مدى تلوث المياه الجوفية أو التربة أو المحاصيل الزراعية في مواقع الحراقات السابقة.
ويشدد على أن معرفة حجم المشكلة تتطلب أخذ عينات من الهواء والتربة والمياه، وتحليلها في مخابر مؤهلة، وتحديد نوع الملوثات وتركيزاتها، ومدى انتقالها إلى المياه أو المنتجات الزراعية.
كما يرى ضرورة التنسيق بين مديريات الصحة والبيئة والجهات المختصة بالمياه والزراعة، وربط نتائج التقييم البيئي بتقييم المخاطر الصحية، محذراً من إصدار أحكام بشأن سلامة المياه أو المحاصيل أو تلوثها من دون نتائج مخبرية موثقة.ويشير الخالد إلى أن تراجع نشاط الحراقات يمثل خطوة إيجابية، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء جميع المخاطر المحتملة، إذ قد تبقى بعض الملوثات في البيئة لفترات متفاوتة، كما يمكن أن تظهر بعض الآثار الصحية الناتجة عن التعرض السابق بعد سنوات.
ما المطلوب؟ سجل صحي ومسح بيئي
يرى مدير صحة الحسكة أن التعامل مع الملف يتطلب الانتقال من الروايات والتقديرات العامة إلى منظومة علمية قادرة على تحديد حجم المشكلة، تبدأ بإنشاء سجل محلي للأمراض السرطانية بالتنسيق مع وزارة الصحة والمراكز التخصصية التي تستقبل مرضى المحافظة.
ويشمل ذلك تسجيل التشخيص المؤكد ونوع المرض وعمر المريض ومكان إقامته وتاريخ الإصابة، مع تطوير آلية لتبادل المعلومات مع المراكز التي يتلقى فيها أبناء الحسكة العلاج خارج المحافظة.
كما يقترح إجراء مسح صحي وبيئي يشمل المناطق التي شهدت انتشاراً واسعاً للحراقات، وتحديد الفئات الأكثر تعرضاً، وجمع بيانات الأمراض التنفسية والسرطانية وفق معايير تشخيصية موحدة، وإجراء فحوص مخبرية للهواء والتربة والمياه، ودراسة التوزع الجغرافي والعمري للحالات مع مراعاة حجم السكان.
وفي الجانب العلاجي، يوضح الخالد أن لدى المديرية برنامجاً معنيّاً بمتابعة ملف الأمراض السرطانية، لكنه ذو طابع إشرافي ومتابع، ولا يقدم خدمات تشخيصية أو علاجية مباشرة، في ظل عدم وجود مركز تخصصي لأمراض السرطان أو منظومة محلية متكاملة للتشخيص والعلاج والمتابعة.
ويؤكد ضرورة تطوير برنامج السرطان، وتعزيز آليات الإحالة والمتابعة، والعمل على توفير خدمات الكشف والتشخيص المناسبة، إلى جانب تحسين الخدمات الصحية المقدمة للمرضى داخل المحافظة.
أسئلة لا يجوز أن تبقى بلا إجابة
تكشف شهادات السكان عن مخاوف جدية تستحق التحقيق والمتابعة، ويقدم التفسير العلمي للمخاطر الكيميائية صورة عن طبيعة الملوثات التي يمكن أن تنتج عن الحرق والتكرير البدائي. لكن تحديد حجم الأضرار الفعلية في الحسكة لا يزال يحتاج إلى دراسات وفحوص وبيانات محلية.
فغياب الإحصاءات والدراسات لا يمكن أن يكون مبرراً لتجاهل المخاطر المحتملة أو تأجيل فحص المواقع التي شهدت سنوات من التكرير البدائي، كما أن الشهادات الفردية، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها لإثبات علاقة سببية بين الحراقات والأمراض التي ظهرت بين السكان.
والمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتراجع عدد الحراقات، بل معرفة ما تركته وراءها: هل تلوثت التربة والمياه في محيطها؟ وما المواد التي بقيت في المواقع السابقة؟ وهل توجد فروق صحية بين السكان الذين عاشوا قربها وغيرهم؟ ومن يتولى متابعة العاملين السابقين والأسر التي تعتقد أنها تضررت؟
حتى الآن، لا تقدم مديرية الصحة إجابات رقمية عن حجم الإصابات أو تطورها خلال السنوات الماضية، ولا تتوفر نتائج فحوص بيئية تحدد مستوى التلوث في المواقع السابقة. وهذا يعني أن الحسكة ما زالت بحاجة إلى مسح صحي وبيئي جاد، وإلى سجل محلي يتيح تتبع الحالات ومقارنتها، بالتوازي مع توفير الخدمات العلاجية للمرضى.
فالحراقات التي خفت نيرانها قد تكون غادرت المشهد، لكن الإجابة عن كلفة سنوات عملها لا يمكن أن تبقى رهينة التقديرات أو التخمين، بل تحتاج إلى بيانات وفحوص ومتابعة رسمية، حتى لا يبقى السكان وحدهم أمام أسئلة تتعلق بصحتهم وبيئتهم ومستقبل مناطقهم.


