سوريا - فن
«الابن السيء» لغطفان غنوم.. ذاكرة السوريين على شاشة دمشق
الابن السيء زمن الرعب وذاكرة الثورة والألم
س
سمر شمّه
نشر في: ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٦:٤٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - دمشق
عُرض في المكتبة الوطنية بدمشق قبل أيام الفيلم الوثائقي السينمائي الطويل "الابن السيء" تأليف وإخراج: غطفان غنوم، ومشاركة وفاء عاملي في كتابة السيناريو، وذلك بعد مشاركته في مهرجانات عالمية متنوعة عام 2024 وعرضه للمرة الأولى في سوريا بعد سقوط النظام البائد على مسرح دار الأوبرا في شباط 2025.
"الديكتاتور المنبوذ" ذهب مع الريح:
وضع غنوم تجربته الشخصية في قلب هذا السرد، رابطاً بين مساره الفردي والتحولات التي شهدتها البلاد والوضع الإقليمي والدولي على مدى عقود، استغرق إنجازه عشر سنوات من التصوير في سوريا واليونان وتركيا وأماكن اللجوء والغربة.
تاريخ الاستبداد وقصص الثورة
ركز أيضاً على قصص شخصية لسوريين من حمص والقصير وبابا عمرو، مستخدماً شهادات لناجين من الموت والمعتقلات، متعمقاً في المعاناة الإنسانية للسوريين، مستذكراً الشهداء والمعتقلين والمفقودين. ولكن فيلمه انتهى برسالة أمل واستمرار للحياة رغم الدمار والخراب، وبمشاهد تفاؤلية ترمز إلى إمكانية البناء وتجسد صمود السوريين وتضحياتهم الخيالية رغم تواطؤ العالم وصمته وخذلانه لهم.
سردية بصرية متكاملة ودعوة للتأمل
جوائز عالمية وترشيحات
وتم ترشيحه لجائزة أفضل مخرج، وأفضل موسيقى تصويرية في مهرجان المكسيك للسينما. وللمنافسة في مهرجان لوس أنجلوس للأفلام. ومهرجان الأناضول في تركيا وغيرها.
حفظ الذاكرة السورية والتعافي
بينما صرح المدير العام للمؤسسة العامة للسينما "جهاد عبدو" بأن حضور وعرض هذه الأفلام الوثائقية في قلب العاصمة دمشق يُعد خطوة محورية في استراتيجية التعافي الثقافي.
عُرض في المكتبة الوطنية بدمشق قبل أيام الفيلم الوثائقي السينمائي الطويل "الابن السيء" تأليف وإخراج: غطفان غنوم، ومشاركة وفاء عاملي في كتابة السيناريو، وذلك بعد مشاركته في مهرجانات عالمية متنوعة عام 2024 وعرضه للمرة الأولى في سوريا بعد سقوط النظام البائد على مسرح دار الأوبرا في شباط 2025.
"الديكتاتور المنبوذ" ذهب مع الريح:
تتبع الفيلم سنوات حكم عائلة الأسد منذ وصول حزب البعث إلى السلطة مروراً بحكم الأسد الأب وتوريثه السلطة لابنه وصولاً إلى الثورة السورية عام 2011 وما رافقها من قمع وقتل وتهجير واستباحة للبلاد وأهلها.
وضع غنوم تجربته الشخصية في قلب هذا السرد، رابطاً بين مساره الفردي والتحولات التي شهدتها البلاد والوضع الإقليمي والدولي على مدى عقود، استغرق إنجازه عشر سنوات من التصوير في سوريا واليونان وتركيا وأماكن اللجوء والغربة.
تم تقسيمه إلى /25/ فصلاً وعنواناً، استقاهم مخرجه من روائع السينما والآداب العالمية، ليختزل الواقع السوري المرير والمراحل التاريخية والسياسية التي مرت بها سوريا، ومن أبرزها: (الديكتاتور العظيم- العرّاب- قصة موت معلن- ذهب مع الريح- الجريمة والعقاب- صراع العروش- والرقص مع الذئاب) وقد ربط هذا التوظيف الرمزي للعناوين المأساة السورية بأبعاد إنسانية وفلسفية عميقة ومؤثرة، وترك الباب مفتوحاً أمام المشاهد للتأمل وإسقاط هذه الروائع الخالدة على الواقع.
بانوراما سينمائية وتوثيق تاريخي
استطاع "الابن السيء" أن يكون سجلاً وثائقياً وأثراً فنياً هاماً، وبانوراما سينمائية متكاملة. جمع بين السينما الروائية والسيرة الذاتية والوثيقة التاريخية. بدأ بمشاهد صادمة من الغزو الروسي لأوكرانيا، في محاولة للتمهيد للخلفية السياسية والتاريخية لدخول روسيا وإيران غير المشروع إلى سوريا ومساندتهما للنظام المجرم الحليف، وحمايته من السقوط بكافة الوسائل والطرق الوحشية المنافية للقوانين والاتفاقيات الدولية، والمصنفة كجرائم حرب بحق الشعب السوري وقواه الساعية للتغيير.
وجسد بالصوت والصورة ما شهده العالم من صراعات وثورات وتحالفات خلال سنوات طويلة، مركزاً على جرائم نظام الأسد المجرم ومجازره وتدميره للبنى التحتية والمشافي والمدارس والمؤسسات ودور العبادة والمواقع التاريخية والأثرية في المدن والبلدات الثائرة، وعرض صوراً حقيقية لنضال السوريين من أجل العدالة والحرية، متناولاً التحديات والصعوبات الكبيرة التي عانى منها الشعب السوري في مواجهة أكثر الأنظمة قمعاً وإرهاباً في العصر الحديث.
تاريخ الاستبداد وقصص الثورة
دمج غطفان غنوم أحداث فيلمه مع مسيرته الشخصية ومسيرة (صالح أحمد والد زوجته) الذي ثار على نظام الشاه الإيراني وتعرض فيما بعد للبطش والاضطهاد في عهد الخميني، ثم هاجر عبر رحلة محفوفة بالمخاطر إلى (فنلندا) كما فعل غنوم نفسه.
ورسم من خلال الفيلم صورة حية للواقع من مرحلة الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، مروراً بسيطرة حافظ الأسد على السلطة في انقلاب عسكري سماه "الحركة التصحيحية" وتصفيته لرفاقه واعتقالهم وارتكابه لمجازر حماه المروّعة، إلى توريثه الحكم لابنه غير المؤهل، واستمرار الإقصاء والترهيب الممنهج للشعب السوري ولكل معارض لهذا الحكم الشمولي الديكتاتوري.
ركز أيضاً على قصص شخصية لسوريين من حمص والقصير وبابا عمرو، مستخدماً شهادات لناجين من الموت والمعتقلات، متعمقاً في المعاناة الإنسانية للسوريين، مستذكراً الشهداء والمعتقلين والمفقودين. ولكن فيلمه انتهى برسالة أمل واستمرار للحياة رغم الدمار والخراب، وبمشاهد تفاؤلية ترمز إلى إمكانية البناء وتجسد صمود السوريين وتضحياتهم الخيالية رغم تواطؤ العالم وصمته وخذلانه لهم.
سردية بصرية متكاملة ودعوة للتأمل
تحدث الفيلم عن حقوق الإنسان والعدل والقانون، ودعا للتأمل في معاني الشجاعة والمقاومة ضد الطغيان. خرج عن النمط الوثائقي التقليدي الإخباري الجاف، واعتمد على بناء فني سينمائي يمزج بين الدراما الإنسانية الشخصية والتوثيق.
رصد الأحداث السياسية المحلية والعربية والدولية، واضعاً تجربة المخرج الفردية (كإبن ضابط سابق) في قلب العمل مما منح الحكاية عمقاً روائياً ووجدانياً خاصاً. واستطاع التعبير عن مأساة السوريين والتراجيديا السورية بأمانة، مقدماً سردية بصرية متماسكة لما فيه من قيمة توثيقية عالية وجهد جبار.
كما كشف جذور الأحداث الحقيقية دون مواربة أو تضليل أو تحيز. وكانت الموسيقى التصويرية فيه أحد الأبطال الحقيقيين، رافقت الأحداث بعمق إنساني وعاطفي كبير، وعبّرت عن كل ما يحدث بحرفية عالية.
الألم الصادم والقسوة
رأى بعض النقاد أن الفيلم كان طويلاً جداً تجاوز الساعتين ونصف، مما أرهق المشاهد واستنزف مشاعره وعواطفه، كما انتقدوا القسوة البصرية الشديدة والألم الصادم الذي ظهر في بعض المشاهد الخاصة بسحل المتظاهرين وخوف الأطفال من القصف وبكائهم الشديد، ومشاهد القصف الوحشي وانهيار المنازل والمستشفيات فوق ساكنيها مما أدمى قلوب الجمهور وأصابهم بصدمات كبيرة.
بينما أكد آخرون أن الواقع السوري كان أشد إيلاماً ودموية مما ظهر في هذا العمل السينمائي، وهذا ما يجب أن يعرفه الناس في كل مكان ويتابعونه بالصوت والصورة كما جرى على الأرض لكي لا ينسى أحد الأهوال والفجائع التي عصفت بسوريا وشعبها زمن النظام المخلوع الوحشي.
جوائز عالمية وترشيحات
حصد "الابن السيء" سلسلة قياسية من الجوائز الدولية في مهرجانات سينمائية عالمية هامة، ومن أبرزها: ثلاث جوائز كبرى لأفضل فيلم وثائقي طويل وأفضل إخراج وسيناريو في مهرجان (ماي) السينمائي الدولي بالهند.
وجوائز لأفضل فيلم في مهرجانات: سانتا مونيكا بكاليفورنيا في دورته الـ /19/ - وريو دي جانيرو الدولي في البرازيل- وقلب أوربا الدولي في سلوفاكيا- ومهرجان الفيلم السويدي الدولي وغيرها.
وتم ترشيحه لجائزة أفضل مخرج، وأفضل موسيقى تصويرية في مهرجان المكسيك للسينما. وللمنافسة في مهرجان لوس أنجلوس للأفلام. ومهرجان الأناضول في تركيا وغيرها.
حفظ الذاكرة السورية والتعافي
بعد انتهاء العرض أكد مخرجه غطفان غنوم للعين السورية أن الفيلم يمثل شهادة لحفظ الذاكرة الحية للبلاد، وأنه "لجأ في بعض جوانبه للسخرية السياسية. ولتقديم سردية واقعية مؤثرة. تتقاطع فيها حكايته مع تجارب ملايين السوريين الذي عانوا الخوف والتهجير". وأشار إلى أن التجربة الفنية كانت ولا زالت أداة لمقاومة سنوات القمع والاستبداد بالكلمة والإبداع.
بينما صرح المدير العام للمؤسسة العامة للسينما "جهاد عبدو" بأن حضور وعرض هذه الأفلام الوثائقية في قلب العاصمة دمشق يُعد خطوة محورية في استراتيجية التعافي الثقافي.
مؤكداً أن الأبواب مفتوحة لكل صُنّاع الأفلام والسينمائيين السوريين لتقديم إبداعهم بحرية واستقلالية كاملة دون وصاية أو تدجين. وأن السينما لا يقتصر دورها على الترفيه بل يكمن في كونها: "سلاحاً وطنياً لبناء الوعي وإيصال صوت السوريين إلى المنصات الدولية".


