سوريا - صحة
مناعة أقوى في موسم الإنفلونزا
مناعة الشتاء لا تُختصر بحبة فيتامين
د
د.حمزة الحلقي
نشر في: ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦، ٠٩:٣٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية
مع اقتراب موسم الخريف والشتاء، وازدياد انتشار نزلات البرد والإنفلونزا والعدوى التنفسية، يتجدد الاهتمام بطرق تقوية جهاز المناعة، وتزداد الإعلانات التي تروّج للفيتامينات والمكملات الغذائية باعتبارها حلولاً سريعة للوقاية من الأمراض.

لكن الحقيقة العلمية أكثر تعقيداً فالمناعة لا تُبنى بتناول حبة فيتامين واحدة ولا يوجد طعام سحري يمنع العدوى، وإنما تعتمد كفاءة الجهاز المناعي على مجموعة متكاملة من العوامل الغذائية والسلوكية والصحية.
يحتاج الجهاز المناعي إلى مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية كي تعمل خلاياه بصورة طبيعية وفي مقدمتها الفيتامينات A وC وD وE إلى جانب الزنك والحديد والسيلينيوم وفيتامينات المجموعة B ويساعد نقص بعض هذه العناصر على إضعاف الاستجابة المناعية وزيادة قابلية الإصابة بالعدوى.
وتؤكد مراجعات علمية منشورة ضمن المصادر البحثية التابعة للمعاهد الوطنية للصحة الأمريكية أن الحصول على الاحتياجات الغذائية من خلال نظام متنوع ومتوازن يمثل أساساً مهماً لصحة المناعة بينما لا تقدم المكملات فوائد وقائية مؤكدة لدى الأشخاص الذين لا يعانون من نقص غذائي لذلك يُنصح بالإكثار من الخضراوات والفواكه الطازجة مثل الحمضيات والكيوي والفلفل الحلو، وتناول البروتينات من مصادر متنوعة، كالبقوليات والبيض والأسماك واللحوم إلى جانب المكسرات والحبوب الكاملة.
ماذا تقول الأبحاث عن فيتامين C وD والزنك ؟يُعد فيتامين C من العناصر المهمة لوظائف الخلايا المناعية لكنه لا يقدم الحماية المطلقة التي يعتقدها البعض. فقد راجعت دراسة تحليلية نُشرت عام 2013، وشملت 29 تجربة سريرية وأكثر من 11 ألف مشارك تأثير تناول فيتامين C بانتظام على نزلات البرد، ووجدت أنه لم يقلل بصورة واضحة من احتمال الإصابة لدى عموم السكان لكنه ساهم في تقصير مدة الأعراض بدرجة محدودة.
أما فيتامين D فيؤدي دوراً مهماً في تنظيم الاستجابة المناعية وقد ارتبط نقصه بزيادة احتمالات الإصابة ببعض العدوى التنفسية. ومع ذلك لم تتوصل الدراسات إلى نتائج متطابقة بشأن قدرة المكملات على منع هذه العدوى لدى جميع الأشخاص ما يجعل تصحيح النقص المثبت أكثر أهمية من تناول جرعات مرتفعة عشوائياً.
وبالنسبة إلى الزنك تشير بعض التجارب والمراجعات العلمية إلى أن مستحضراته الفموية قد تساعد على تقصير مدة نزلات البرد إذا استُخدمت في وقت مبكر من ظهور الأعراض لكن النتائج متفاوتة، وقد تسبب الجرعات المرتفعة آثاراً جانبية خصوصاً عند الاستخدام المطول. كما ينبغي تجنب مستحضرات الزنك الأنفية بسبب ارتباط بعضها بفقدان حاسة الشم.
أهمية النوم والرياضة وإدارة التوتر في رفع مناعة الجسم
لا تقل العادات اليومية أهمية عن التغذية فالنوم الكافي والمنتظم يساعد على تنظيم وظائف الجهاز المناعي بينما يرتبط الحرمان المزمن من النوم باضطراب الاستجابات المناعية.
وتُعد ممارسة النشاط البدني المعتدل مثل المشي السريع لمدة 30 دقيقة معظم أيام الأسبوع جزءاً مهماً من نمط الحياة الصحي. كما أن التوتر المزمن قد يؤثر في تنظيم الاستجابة المناعية لذلك يُنصح بتخصيص وقت للاسترخاء وممارسة تمارين التنفس والحفاظ على التوازن بين العمل والراحة.

أما الترطيب فيساعد على المحافظة على وظائف الجسم الطبيعية، بما فيها الأغشية المخاطية التي تشكل جزءاً من الحواجز الدفاعية ضد الميكروبات مع ضرورة شرب الماء وفق احتياجات الجسم والظروف الصحية.
اللقاحات والنظافة الشخصية.. الوقاية الأكثر أهمية
على الرغم من أهمية الغذاء الصحي فإن الوقاية من الإنفلونزا لا تعتمد على التغذية وحدها. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التطعيم السنوي ضد الإنفلونزا هو أفضل وسيلة للوقاية منها وتقليل خطر مضاعفاتها،ولا سيما لدى كبار السن والحوامل والأطفال الصغار والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة.
كذلك يساعد غسل اليدين بالماء والصابون بانتظام، وتجنب لمس الوجه بأيدٍ غير نظيفة وتحسين تهوية الأماكن المغلقة والابتعاد عن المخالطة اللصيقة للمصابين على تقليل فرص انتقال العدوى التنفسية.
ومن المهم أيضاً عدم تناول المضادات الحيوية لعلاج نزلات البرد الفيروسية دون استطباب طبي، لأنها لا تعالج الفيروسات وقد يؤدي الإفراط في استخدامها إلى زيادة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.


من وجهة نظري أرى أن أكبر خطأ يرتكبه البعض مع بداية موسم الإنفلونزا هو البحث عن وسيلة سريعة لرفع المناعة سواء عبر المكملات الغذائية أو الوصفات الشعبية مع إهمال الأساسيات التي تدعم صحة الجسم على المدى الطويل.
إن المناعة الفعالة لا تعني منع الإصابة بكل فيروس، بل تعني امتلاك الجسم منظومة دفاعية قادرة على الاستجابة بصورة مناسبة. ويتحقق ذلك من خلال التغذية المتوازنة، والنوم الكافي، والنشاط البدني المنتظم، وتصحيح النواقص الغذائية عند وجودها، والالتزام باللقاحات الموصى بها.
ولا أنصح بتناول جرعات مرتفعة من الفيتامينات أو المعادن دون حاجة واضحة لأن الإفراط في بعضها قد يسبب أضراراً صحية. كما أن استمرار الحمى أو ظهور ضيق التنفس أو ألم الصدر أو تدهور الحالة العامة يستدعي تقييماً طبياً خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.
أخيراً.. لا توجد وصفة سحرية لمناعة خارقة لكن توجد عادات يومية مدعومة علمياً تساعدنا على حماية صحتنا وتقليل مخاطر العدوى ومضاعفاتها وتجعل استعدادنا لموسم الشتاء أفضل وأكثر وعياً.


