سوريا - مجتمع
الجورة والقصور.. سماء دير الزور تستحضر الضحايا بعد 14 عاماً من المجزرة
ثلاثة أيام من القتل وأكثر من 400 ضحية.. دير الزور تحيي ذكرى مجزرة الجورة والقصور وملفها ينتقل من ذاكرة الناجين إلى القضاء
م
مازن محمد
نشر في: ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٤:٥٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – دير الزور
ثمة بيوت في الجورة والقصور لم يعد أصحابها منها، وأمهات انتظرن أبناء خرجوا في أيلول 2012 ولم يعودوا، وعائلات وجدت أحباءها بين جثامين أُلقيت في الأزقة والأقبية، وأخرى لم تجد حتى اليوم قبراً تزوره.
أربعة عشر عاماً مرّت، وكبر أطفال كانوا أصغر من أن يفهموا يومها لماذا امتلأت شوارع حيهم بالدبابات، ولماذا أُغلقت الأبواب خوفاً، ولماذا غاب الأب أو الأخ أو الجار ولم يعد. لكن ذاكرة دير الزور لم تكبر بعيداً عن ذلك اليوم؛ بقيت عالقة هناك، بين 25 و27 أيلول 2012، حين دخلت قوات جيش نظام بشار الأسد السابق إلى حيي الجورة والقصور، وخلّفت وراءها واحدة من أكثر المجازر دموية في تاريخ المدينة.
مساء أمس الأحد، 27 أيلول 2026، عادت دير الزور إلى أسماء ضحاياها.
حلّقت الطائرات المسيّرة في سماء المدينة خلال فعالية إحياء الذكرى الرابعة عشرة، فيما حملت الرسومات على الأرض وجوه وحكايات من رحلوا، واستعاد ناجون أمام الحاضرين تفاصيل ثلاثة أيام قُتل خلالها أكثر من 400 مدني، وفق توثيقات حقوقية ومحلية، بينهم أطفال ونساء ومسنون.

وللمرة الأولى، تحل ذكرى المجزرة فيما لم تعد شهادات الناجين وأسماء القتلى محفوظة في ذاكرة الأهالي والأرشيف الحقوقي وحدهما؛ إذ بات الملف في مسار قضائي، وبدأت شهادات العائلات تدخل إلى ملفات التحقيق، بينما ينتظر أهالي دير الزور محاكمات علنية لمتهمين بالمسؤولية عن الجرائم التي ارتُكبت بحق أبنائهم.
صباح 25 أيلول.. الجيش يدخل الجورة
بدأت المجزرة صباح الثلاثاء 25 أيلول 2012، عندما حشد جيش نظام الأسد قواته في محيط المنطقة قبل أن يبدأ هجوماً على حيي الجورة والقصور.
وتشير توثيقات «الذاكرة السورية» ومصادر حقوقية إلى مشاركة وحدات من الحرس الجمهوري والفرقة 17 وأجهزة أمن النظام في العملية، التي سبقتها عمليات قصف قبل تقدم القوات والآليات العسكرية داخل الأحياء السكنية.
وبحسب منظمة «مع العدالة»، كانت تعزيزات من الحرس الجمهوري قد وصلت إلى دير الزور قبل العملية، فيما كان حيا الجورة والقصور خاليين إلى حد كبير من مقاتلي الجيش الحر بعد مغادرتهم باتجاه مناطق أخرى قبل نحو ثلاثة أشهر من المجزرة.
وتشير التوثيقات إلى دخول قوات النظام إلى الجورة من عدة محاور، بعد تقسيم المنطقة إلى قطاعات تفصل بينها شوارع رئيسية، فيما انتشرت الدبابات والقناصة وبدأت عمليات اقتحام البيوت.
وتنسب مصادر توثيقية وحقوقية أدواراً قيادية خلال العملية إلى عدد من ضباط جيش النظام السابق، وفي مقدمتهم العقيد علي خزام، الضابط في الحرس الجمهوري، والعميد عصام زهر الدين، إضافة إلى قيادات عسكرية وأمنية أخرى كانت تعمل في دير الزور آنذاك.
وتذكر «الذاكرة السورية» علي خزام وعصام زهر الدين ضمن الضباط المرتبطين بالعملية العسكرية، بينما تتقاطع شهادات ومواد توثيقية أخرى في الحديث عن مشاركة قوات الحرس الجمهوري التي كان لها دور أساسي في اقتحام المنطقة.
وهكذا بدأت ثلاثة أيام ستبقى محفورة في ذاكرة المدينة.
من الاقتحام إلى القتل الجماعي
لم تتوقف العملية عند السيطرة العسكرية على الشوارع، مع تقدم قوات جيش الأسد داخل الجورة، بدأت مداهمة البيوت واعتقال السكان، وسرعان ما ظهرت شهادات ومواد مصورة توثق عمليات قتل وإعدام ميداني بحق مدنيين.
وتوثق مصادر حقوقية ومحلية قتل أشخاص داخل منازلهم وفي الشوارع والأقبية، واستخدام الرصاص والأسلحة البيضاء، إضافة إلى حرق جثامين ومنازل ونهب ممتلكات.
وتشير المصادر إلى أن قوات النظام البائد، جمعت في بعض المواقع مجموعات من المدنيين قبل قتلهم، فيما عُثر لاحقاً على جثامين متفحمة أو مشوهة إلى درجة جعلت التعرف إلى أصحابها مستحيلاً.
وفي المنطقة الواقعة خلف محطة الدهموش للوقود، تتحدث التوثيقات عن العثور على نحو 60 جثماناً لأشخاص قالت المصادر إنهم أُعدموا ميدانياً.
ومن بين الضحايا الطبيب حيدر علي فندي، الذي كان قد حول منزله إلى مكان لمعالجة المصابين، قبل أن يُقتل خلال العملية.
لم يكن الضحايا مقاتلين سقطوا على جبهة قتال. كان بينهم سكان بقوا في منازلهم، وكبار في السن، ونساء وأطفال، وأشخاص وجدوا أنفسهم محاصرين داخل أحياء تحولت خلال ساعات إلى مسرح للقتل.
البيوت نفسها أصبحت قبوراً
تتكرر في شهادات المجزرة صورة واحدة: جنود في جيش الأسد يدخلون منزلاً، وأفراد عائلة مجتمعون في الداخل، ثم أصوات إطلاق نار، وبعد رحيل القوات يبقى الموتى خلف الأبواب.
ووثقت مصادر حقوقية كذلك حرق أكثر من 40 منزلاً ونهب محال وممتلكات خلال العملية.
لكن الحجم الحقيقي لما حدث لم يظهر فوراً، فمع استمرار انتشار قوات النظام ومنع الحركة في أجزاء من الحيين، بقيت جثامين داخل المنازل والأقبية وبين الأزقة. ولم يتمكن السكان من الوصول إلى بعضها إلا بعد انسحاب القوات أو انتقالها إلى مناطق أخرى.
عندها بدأت دير الزور تعد موتاها.
في بعض المواقع، قادت رائحة الجثامين الأهالي إلى الضحايا. وفي مواقع أخرى عُثر على أجساد محترقة أو متحللة، فيما اضطر السكان إلى دفن عدد من القتلى على عجل بسبب الظروف الأمنية.
وبقيت جثامين بلا أسماء، أكثر من 400 مدني خلال ثلاثة أيام، استمرت المجزرة خلال أيام 25 و26 و27 أيلول 2012، وانتقلت العمليات من الجورة إلى القصور، فيما توالت عمليات اكتشاف الجثامين.
وتشير توثيقات حقوقية ومحلية إلى مقتل أكثر من 400 مدني خلال الأيام الثلاثة.

ووثقت «الذاكرة السورية» أسماء قرابة 160 ضحية، إلى جانب عشرات الجثامين التي لم يكن ممكناً التعرف إلى أصحابها بسبب الحرق والتشويه، وعشرات الأشخاص الذين فُقدوا خلال الأحداث.
وتشير عمليات التوثيق التي أجراها أبناء المنطقة بعد المجزرة إلى حصيلة أكبر؛ الناجي من المجزرة "جاسم عبد الله" قال إن الأهالي وثقوا نحو 250 قتيلاً في اليوم الأول، قبل أن يصل العدد الذي جرى حصره لاحقاً إلى نحو 460 ضحية، بينهم مجهولو الهوية.
لم يكن توثيق الجريمة قائماً على الأسماء وحدها.
فقد جمعت «الذاكرة السورية» نحو 170 مقطعاً مصوراً يتعلق بالانتهاكات التي وقعت خلال أيام المجزرة، إلى جانب شهادات الناجين والصور والوثائق التي حفظت تفاصيل ما جرى.
وراء هذه الأرقام عائلات بأكملها تغيرت حياتها خلال ثلاثة أيام، بعضها دفن أكثر من ابن، وبعضها بقي يبحث عن مفقود، وبعضها عاش أربعة عشر عاماً وهو لا يعرف أين انتهت حياة شخص خرج من المنزل ولم يعد.
علي خزام وعصام زهر الدين.. أسماء في توثيقات المجزرة
في شهادات وتوثيقات أحداث الجورة والقصور، تتكرر أسماء ضباط وقيادات في جيش وأجهزة أمن نظام الأسد البائد.
ومن أبرزهم العقيد علي خزام، الضابط في الحرس الجمهوري الذي ارتبط اسمه بعمليات عسكرية دامية في مناطق سورية عدة، والعميد عصام زهر الدين، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز قادة قوات النظام البائد في دير الزور.
وتنسب مصادر توثيقية إلى القوات المرتبطة بهذين الضابطين المشاركة في العملية العسكرية التي سبقت ورافقت المجزرة، إلى جانب وحدات عسكرية وأمنية أخرى.
وبالنسبة إلى أهالي الجورة والقصور، لم تكن هوية القوات التي دخلت أحياءهم أمراً مجهولاً؛ فقد جرى توثيق انتشار وحدات من جيش النظام والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية، فيما حفظ الناجون أسماء عدد من الضباط والجهات التي شاركت في الاقتحام.
ومع ذلك، فإن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن أوامر أو أفعال بعينها يبقى من اختصاص التحقيق والقضاء، وهو ما يكتسب أهمية خاصة اليوم مع انتقال ملف المجزرة إلى مرحلة المحاسبة.
أسماء أخرى أصبحت أمام القضاء
بعد أربعة عشر عاماً، بدأت بعض خيوط الملف تنتقل من شهادات الناجين إلى القضاء.
ويبرز في التحقيقات الجارية اسما دعاس حسن علي، الرئيس السابق لفرع أمن الدولة في دير الزور، وعادل محمد عيسى، قائد الفرقة 17 ورئيس اللجنة الأمنية في المحافظة سابقاً.
وبحسب الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، فإن المذكوريَن متهمان بقيادة المجزرة أو المشاركة في ارتكابها إلى جانب وقائع أخرى.
وفي أيلول الجاري، أعلنت الهيئة انتهاء مرحلة التحقيق، وإنجاز قاضي الإحالة المختص بالعدالة الانتقالية المستشار عبد الرزاق الحسين قراراً اتهامياً يتجاوز 170 صفحة، يتضمن الوقائع والأدلة والتوصيفات والتهم القانونية التي ستعرض أمام المحكمة.
وتقول الهيئة إن الوقائع المنسوبة إلى المتهمين تدخل، وفق التوصيف الوارد في ملف الاتهام، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فيما ستكون المحكمة المختصة الجهة التي تفصل في مسؤولية كل متهم استناداً إلى الأدلة والقانون.
الناجون يعودون إلى المكان
قبل أيام من الذكرى، عاد فريق من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إلى الجورة والقصور.
التقى الفريق الأهالي في جامع التوبة، أحد الأماكن التي ارتبطت بأحداث المجزرة، ثم انتقل إلى منازل عائلات الضحايا والمتضررين للاستماع إلى شهاداتهم وشرح آليات تقديم الإفادات والوثائق والأدلة.
وهي خطوة تحمل معنى يتجاوز الإجراءات القانونية، فطوال أربعة عشر عاماً، كان أهالي الجورة والقصور هم حراس ذاكرة ضحاياهم.
هم من جمعوا الأسماء، وحفظوا الصور، ورووا كيف دخل الجنود، وأين عُثر على الجثامين، ومن اختفى، ومن بقي مجهول المصير، واليوم، تتحول بعض تلك الشهادات إلى أدلة تدخل ملفاً قضائياً.
«اعتُقلت في اليوم التالي»
مساء أمس، عاد المحامي عمر سليمان، أحد شهود العيان، إلى تلك الأيام أمام المشاركين في إحياء الذكرى.
تحدث عن اقتحام قوات النظام البائد للحيين وعن تفاصيل ما عاشه السكان، وقال إنه اعتُقل في اليوم التالي للمجزرة وبقي في السجن أكثر من شهر بتهمة التظاهر.
لم تكن شهادته مجرد رواية عن واقعة مضى عليها أربعة عشر عاماً، بالنسبة إلى من عاشوا المجزرة، ما زال الزمن مقسوماً إلى ما قبل تلك الأيام وما بعدها.
هناك عائلات تغير عدد أفرادها في ساعات. وأطفال أصبحوا رجالاً وهم يحملون آخر صورة لآبائهم. وأمهات رحلن قبل أن يعرفن أين اختفى أبناؤهن.
وهناك أسماء لم تعد موجودة إلا على قوائم الضحايا وفي ذاكرة من عرفوهم.
مساء مختلف في دير الزور
لهذا حملت احتفالية مساء أمس معنى مختلفاً، الطائرات المسيّرة التي حلقت في سماء دير الزور، والرسومات التي استعادت الضحايا، وشهادة الناجي التي عُرضت أمام الأهالي، كلها أعادت المجزرة إلى الفضاء العام للمدينة بعد أربعة عشر عاماً.
لكن بالنسبة إلى عائلات الجورة والقصور، لا تكتمل الذكرى بالصور ولا بالكلمات، فالذين دفنوا أبناءهم على عجل، والذين بحثوا بين الجثامين المحترقة عن وجه يعرفونه، والذين ما زالوا ينتظرون معرفة مصير مفقود، يريدون أكثر من تخليد الذاكرة.. يريدون الحقيقة.
يريدون معرفة من أصدر الأمر، ومن قاد القوات، ومن اقتحم البيوت، ومن قتل، ومن أخفى الجثامين، ومن كان مسؤولاً عن كل مرحلة من مراحل الجريمة.
ويريدون أن تصبح الأسماء التي حفظوها طوال أربعة عشر عاماً جزءاً من سجل قضائي لا يستطيع أحد محوه.
مساء أمس، استعادت دير الزور ذكرى أكثر من 400 مدني قُتلوا في الجورة والقصور، كل واحد منهم كان اسماً قبل أن يصبح رقماً؛ كان ابناً أو أباً أو أماً أو أخاً، له بيت ومكان على مائدة وحياة كان يفترض أن تستمر بعد أيلول 2012.
ثمة بيوت في الجورة والقصور لم يعد أصحابها منها، وأمهات انتظرن أبناء خرجوا في أيلول 2012 ولم يعودوا، وعائلات وجدت أحباءها بين جثامين أُلقيت في الأزقة والأقبية، وأخرى لم تجد حتى اليوم قبراً تزوره.
أربعة عشر عاماً مرّت، وكبر أطفال كانوا أصغر من أن يفهموا يومها لماذا امتلأت شوارع حيهم بالدبابات، ولماذا أُغلقت الأبواب خوفاً، ولماذا غاب الأب أو الأخ أو الجار ولم يعد. لكن ذاكرة دير الزور لم تكبر بعيداً عن ذلك اليوم؛ بقيت عالقة هناك، بين 25 و27 أيلول 2012، حين دخلت قوات جيش نظام بشار الأسد السابق إلى حيي الجورة والقصور، وخلّفت وراءها واحدة من أكثر المجازر دموية في تاريخ المدينة.
مساء أمس الأحد، 27 أيلول 2026، عادت دير الزور إلى أسماء ضحاياها.
حلّقت الطائرات المسيّرة في سماء المدينة خلال فعالية إحياء الذكرى الرابعة عشرة، فيما حملت الرسومات على الأرض وجوه وحكايات من رحلوا، واستعاد ناجون أمام الحاضرين تفاصيل ثلاثة أيام قُتل خلالها أكثر من 400 مدني، وفق توثيقات حقوقية ومحلية، بينهم أطفال ونساء ومسنون.

وللمرة الأولى، تحل ذكرى المجزرة فيما لم تعد شهادات الناجين وأسماء القتلى محفوظة في ذاكرة الأهالي والأرشيف الحقوقي وحدهما؛ إذ بات الملف في مسار قضائي، وبدأت شهادات العائلات تدخل إلى ملفات التحقيق، بينما ينتظر أهالي دير الزور محاكمات علنية لمتهمين بالمسؤولية عن الجرائم التي ارتُكبت بحق أبنائهم.
صباح 25 أيلول.. الجيش يدخل الجورة
بدأت المجزرة صباح الثلاثاء 25 أيلول 2012، عندما حشد جيش نظام الأسد قواته في محيط المنطقة قبل أن يبدأ هجوماً على حيي الجورة والقصور.
وتشير توثيقات «الذاكرة السورية» ومصادر حقوقية إلى مشاركة وحدات من الحرس الجمهوري والفرقة 17 وأجهزة أمن النظام في العملية، التي سبقتها عمليات قصف قبل تقدم القوات والآليات العسكرية داخل الأحياء السكنية.
وبحسب منظمة «مع العدالة»، كانت تعزيزات من الحرس الجمهوري قد وصلت إلى دير الزور قبل العملية، فيما كان حيا الجورة والقصور خاليين إلى حد كبير من مقاتلي الجيش الحر بعد مغادرتهم باتجاه مناطق أخرى قبل نحو ثلاثة أشهر من المجزرة.
وتشير التوثيقات إلى دخول قوات النظام إلى الجورة من عدة محاور، بعد تقسيم المنطقة إلى قطاعات تفصل بينها شوارع رئيسية، فيما انتشرت الدبابات والقناصة وبدأت عمليات اقتحام البيوت.
وتنسب مصادر توثيقية وحقوقية أدواراً قيادية خلال العملية إلى عدد من ضباط جيش النظام السابق، وفي مقدمتهم العقيد علي خزام، الضابط في الحرس الجمهوري، والعميد عصام زهر الدين، إضافة إلى قيادات عسكرية وأمنية أخرى كانت تعمل في دير الزور آنذاك.
وتذكر «الذاكرة السورية» علي خزام وعصام زهر الدين ضمن الضباط المرتبطين بالعملية العسكرية، بينما تتقاطع شهادات ومواد توثيقية أخرى في الحديث عن مشاركة قوات الحرس الجمهوري التي كان لها دور أساسي في اقتحام المنطقة.
وهكذا بدأت ثلاثة أيام ستبقى محفورة في ذاكرة المدينة.
من الاقتحام إلى القتل الجماعي
لم تتوقف العملية عند السيطرة العسكرية على الشوارع، مع تقدم قوات جيش الأسد داخل الجورة، بدأت مداهمة البيوت واعتقال السكان، وسرعان ما ظهرت شهادات ومواد مصورة توثق عمليات قتل وإعدام ميداني بحق مدنيين.
وتوثق مصادر حقوقية ومحلية قتل أشخاص داخل منازلهم وفي الشوارع والأقبية، واستخدام الرصاص والأسلحة البيضاء، إضافة إلى حرق جثامين ومنازل ونهب ممتلكات.
وتشير المصادر إلى أن قوات النظام البائد، جمعت في بعض المواقع مجموعات من المدنيين قبل قتلهم، فيما عُثر لاحقاً على جثامين متفحمة أو مشوهة إلى درجة جعلت التعرف إلى أصحابها مستحيلاً.
وفي المنطقة الواقعة خلف محطة الدهموش للوقود، تتحدث التوثيقات عن العثور على نحو 60 جثماناً لأشخاص قالت المصادر إنهم أُعدموا ميدانياً.
ومن بين الضحايا الطبيب حيدر علي فندي، الذي كان قد حول منزله إلى مكان لمعالجة المصابين، قبل أن يُقتل خلال العملية.
لم يكن الضحايا مقاتلين سقطوا على جبهة قتال. كان بينهم سكان بقوا في منازلهم، وكبار في السن، ونساء وأطفال، وأشخاص وجدوا أنفسهم محاصرين داخل أحياء تحولت خلال ساعات إلى مسرح للقتل.
البيوت نفسها أصبحت قبوراً
تتكرر في شهادات المجزرة صورة واحدة: جنود في جيش الأسد يدخلون منزلاً، وأفراد عائلة مجتمعون في الداخل، ثم أصوات إطلاق نار، وبعد رحيل القوات يبقى الموتى خلف الأبواب.
ووثقت مصادر حقوقية كذلك حرق أكثر من 40 منزلاً ونهب محال وممتلكات خلال العملية.
لكن الحجم الحقيقي لما حدث لم يظهر فوراً، فمع استمرار انتشار قوات النظام ومنع الحركة في أجزاء من الحيين، بقيت جثامين داخل المنازل والأقبية وبين الأزقة. ولم يتمكن السكان من الوصول إلى بعضها إلا بعد انسحاب القوات أو انتقالها إلى مناطق أخرى.
عندها بدأت دير الزور تعد موتاها.
في بعض المواقع، قادت رائحة الجثامين الأهالي إلى الضحايا. وفي مواقع أخرى عُثر على أجساد محترقة أو متحللة، فيما اضطر السكان إلى دفن عدد من القتلى على عجل بسبب الظروف الأمنية.
وبقيت جثامين بلا أسماء، أكثر من 400 مدني خلال ثلاثة أيام، استمرت المجزرة خلال أيام 25 و26 و27 أيلول 2012، وانتقلت العمليات من الجورة إلى القصور، فيما توالت عمليات اكتشاف الجثامين.
وتشير توثيقات حقوقية ومحلية إلى مقتل أكثر من 400 مدني خلال الأيام الثلاثة.

ووثقت «الذاكرة السورية» أسماء قرابة 160 ضحية، إلى جانب عشرات الجثامين التي لم يكن ممكناً التعرف إلى أصحابها بسبب الحرق والتشويه، وعشرات الأشخاص الذين فُقدوا خلال الأحداث.
وتشير عمليات التوثيق التي أجراها أبناء المنطقة بعد المجزرة إلى حصيلة أكبر؛ الناجي من المجزرة "جاسم عبد الله" قال إن الأهالي وثقوا نحو 250 قتيلاً في اليوم الأول، قبل أن يصل العدد الذي جرى حصره لاحقاً إلى نحو 460 ضحية، بينهم مجهولو الهوية.
لم يكن توثيق الجريمة قائماً على الأسماء وحدها.
فقد جمعت «الذاكرة السورية» نحو 170 مقطعاً مصوراً يتعلق بالانتهاكات التي وقعت خلال أيام المجزرة، إلى جانب شهادات الناجين والصور والوثائق التي حفظت تفاصيل ما جرى.
وراء هذه الأرقام عائلات بأكملها تغيرت حياتها خلال ثلاثة أيام، بعضها دفن أكثر من ابن، وبعضها بقي يبحث عن مفقود، وبعضها عاش أربعة عشر عاماً وهو لا يعرف أين انتهت حياة شخص خرج من المنزل ولم يعد.
علي خزام وعصام زهر الدين.. أسماء في توثيقات المجزرة
في شهادات وتوثيقات أحداث الجورة والقصور، تتكرر أسماء ضباط وقيادات في جيش وأجهزة أمن نظام الأسد البائد.
ومن أبرزهم العقيد علي خزام، الضابط في الحرس الجمهوري الذي ارتبط اسمه بعمليات عسكرية دامية في مناطق سورية عدة، والعميد عصام زهر الدين، الذي أصبح لاحقاً أحد أبرز قادة قوات النظام البائد في دير الزور.
وتنسب مصادر توثيقية إلى القوات المرتبطة بهذين الضابطين المشاركة في العملية العسكرية التي سبقت ورافقت المجزرة، إلى جانب وحدات عسكرية وأمنية أخرى.
وبالنسبة إلى أهالي الجورة والقصور، لم تكن هوية القوات التي دخلت أحياءهم أمراً مجهولاً؛ فقد جرى توثيق انتشار وحدات من جيش النظام والحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية، فيما حفظ الناجون أسماء عدد من الضباط والجهات التي شاركت في الاقتحام.
ومع ذلك، فإن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية عن أوامر أو أفعال بعينها يبقى من اختصاص التحقيق والقضاء، وهو ما يكتسب أهمية خاصة اليوم مع انتقال ملف المجزرة إلى مرحلة المحاسبة.
أسماء أخرى أصبحت أمام القضاء
بعد أربعة عشر عاماً، بدأت بعض خيوط الملف تنتقل من شهادات الناجين إلى القضاء.
ويبرز في التحقيقات الجارية اسما دعاس حسن علي، الرئيس السابق لفرع أمن الدولة في دير الزور، وعادل محمد عيسى، قائد الفرقة 17 ورئيس اللجنة الأمنية في المحافظة سابقاً.
وبحسب الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، فإن المذكوريَن متهمان بقيادة المجزرة أو المشاركة في ارتكابها إلى جانب وقائع أخرى.
وفي أيلول الجاري، أعلنت الهيئة انتهاء مرحلة التحقيق، وإنجاز قاضي الإحالة المختص بالعدالة الانتقالية المستشار عبد الرزاق الحسين قراراً اتهامياً يتجاوز 170 صفحة، يتضمن الوقائع والأدلة والتوصيفات والتهم القانونية التي ستعرض أمام المحكمة.
وتقول الهيئة إن الوقائع المنسوبة إلى المتهمين تدخل، وفق التوصيف الوارد في ملف الاتهام، ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، فيما ستكون المحكمة المختصة الجهة التي تفصل في مسؤولية كل متهم استناداً إلى الأدلة والقانون.
الناجون يعودون إلى المكان
قبل أيام من الذكرى، عاد فريق من الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية إلى الجورة والقصور.
التقى الفريق الأهالي في جامع التوبة، أحد الأماكن التي ارتبطت بأحداث المجزرة، ثم انتقل إلى منازل عائلات الضحايا والمتضررين للاستماع إلى شهاداتهم وشرح آليات تقديم الإفادات والوثائق والأدلة.
وهي خطوة تحمل معنى يتجاوز الإجراءات القانونية، فطوال أربعة عشر عاماً، كان أهالي الجورة والقصور هم حراس ذاكرة ضحاياهم.
هم من جمعوا الأسماء، وحفظوا الصور، ورووا كيف دخل الجنود، وأين عُثر على الجثامين، ومن اختفى، ومن بقي مجهول المصير، واليوم، تتحول بعض تلك الشهادات إلى أدلة تدخل ملفاً قضائياً.
«اعتُقلت في اليوم التالي»
مساء أمس، عاد المحامي عمر سليمان، أحد شهود العيان، إلى تلك الأيام أمام المشاركين في إحياء الذكرى.
تحدث عن اقتحام قوات النظام البائد للحيين وعن تفاصيل ما عاشه السكان، وقال إنه اعتُقل في اليوم التالي للمجزرة وبقي في السجن أكثر من شهر بتهمة التظاهر.
لم تكن شهادته مجرد رواية عن واقعة مضى عليها أربعة عشر عاماً، بالنسبة إلى من عاشوا المجزرة، ما زال الزمن مقسوماً إلى ما قبل تلك الأيام وما بعدها.
هناك عائلات تغير عدد أفرادها في ساعات. وأطفال أصبحوا رجالاً وهم يحملون آخر صورة لآبائهم. وأمهات رحلن قبل أن يعرفن أين اختفى أبناؤهن.
وهناك أسماء لم تعد موجودة إلا على قوائم الضحايا وفي ذاكرة من عرفوهم.
مساء مختلف في دير الزور
لهذا حملت احتفالية مساء أمس معنى مختلفاً، الطائرات المسيّرة التي حلقت في سماء دير الزور، والرسومات التي استعادت الضحايا، وشهادة الناجي التي عُرضت أمام الأهالي، كلها أعادت المجزرة إلى الفضاء العام للمدينة بعد أربعة عشر عاماً.
لكن بالنسبة إلى عائلات الجورة والقصور، لا تكتمل الذكرى بالصور ولا بالكلمات، فالذين دفنوا أبناءهم على عجل، والذين بحثوا بين الجثامين المحترقة عن وجه يعرفونه، والذين ما زالوا ينتظرون معرفة مصير مفقود، يريدون أكثر من تخليد الذاكرة.. يريدون الحقيقة.
يريدون معرفة من أصدر الأمر، ومن قاد القوات، ومن اقتحم البيوت، ومن قتل، ومن أخفى الجثامين، ومن كان مسؤولاً عن كل مرحلة من مراحل الجريمة.
ويريدون أن تصبح الأسماء التي حفظوها طوال أربعة عشر عاماً جزءاً من سجل قضائي لا يستطيع أحد محوه.
مساء أمس، استعادت دير الزور ذكرى أكثر من 400 مدني قُتلوا في الجورة والقصور، كل واحد منهم كان اسماً قبل أن يصبح رقماً؛ كان ابناً أو أباً أو أماً أو أخاً، له بيت ومكان على مائدة وحياة كان يفترض أن تستمر بعد أيلول 2012.


