سوريا - اقتصاد
درعا على خط العطش.. ينابيع تجف ومياه جوفية تتراجع
مياه درعا تنحسر.. هل دخلت المحافظة مرحلة العجز المائي؟
ل
ليلى حسين
نشر في: ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦، ١١:٥٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – درعا
في درعا، لا تبدو أزمة المياه حادثاً مفاجئاً يمكن احتواؤه بقرار إسعافي أو موسم مطري أفضل. ما يحدث أبطأ من ذلك وأكثر خطورة: ينابيع تفقد غزارتها، ومصادر تتراجع قدرتها على التغذية، ومناسيب جوفية تهبط، فيما تواصل آلاف الآبار سحب المياه من باطن الأرض في وقت تتراجع فيه قدرة الطبيعة على تعويض ما يُستنزف منها.
وعندما تتراكم هذه العوامل على مدى سنوات، لا يعود الجفاف واقعة عابرة، بل يتحول إلى مسار يضغط تدريجياً على الأمن المائي للمحافظة، ويرفع كلفة تأمين مياه الشرب ويقلص هامش الأمان أمام سنوات الجفاف المقبلة.
فجوة كبيرة بين الغزارة التصميمية والمتاح
تكشف الأرقام المتاحة حجم التحول الذي طرأ على الموارد المائية في درعا. فالغزارة التصميمية للينابيع والمصادر المركزية في المحافظة تُقدّر بنحو 6786 متراً مكعباً في الساعة، بينما لا يتجاوز المتاح حالياً نحو 960 متراً مكعباً في الساعة، بفجوة تصل إلى نحو 5826 متراً مكعباً، أي ما يعادل 85.9% من الغزارة التصميمية.
ولا تعني هذه المقارنة أن الغزارة التصميمية كانت تتدفق فعلياً بهذه الكمية في كل عام، لكنها تكشف المسافة الكبيرة بين القدرة التي صُممت على أساسها منظومة المياه وما تستطيع المصادر تقديمه اليوم.
وقال مدير مؤسسة مياه درعا رياض مسالمة لـ«العين السورية» إن إجمالي غزارات الينابيع كان يتجاوز سابقاً 6 آلاف متر مكعب في الساعة، قبل أن ينخفض حالياً إلى نحو 990 متراً مكعباً.
ورغم اختلاف طريقة احتساب الغزارة التصميمية عن قياسات التدفق السابقة، يبقى الاتجاه واحداً: المصادر التي اعتمدت عليها المحافظة لسنوات لم تعد تنتج المياه بالمعدلات التي كانت متاحة تاريخياً.
ينابيع خرجت من الخدمة
لم يبقَ هذا التراجع حبيس الجداول والأرقام، بل تحول في الميدان إلى ينابيع جافة ومصادر فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على تغذية شبكات مياه الشرب.
ويقول مدير الموارد المائية في درعا هاني العبد الله إن نبع المزيريب، الذي كانت غزارته تتجاوز ألف متر مكعب في الساعة، جف بالكامل، كما جفت ينابيع عيون العبد والساخنة الكبرى والساخنة الصغرى وزيزون.
ويشير مسالمة إلى أن جفاف المصادر أدى أيضاً إلى توقف المرحلتين الثانية والرابعة من مشروع الثورة.
وبحسب مدير مؤسسة المياه، لم يبدأ التراجع فجأة، بل ظهر بصورة ملحوظة خلال عامي 2014 و2015، واستمر في السنوات اللاحقة. ويضع انخفاض الهطولات المطرية وانتشار الآبار المخالفة والحفر والضخ غير المنظم للمياه الجوفية في مقدمة العوامل الضاغطة على المخزون المائي، مع تأكيده عدم توفر بيانات دقيقة تحدد نسبة مساهمة كل عامل على حدة.
وهنا تظهر واحدة من أبرز ثغرات إدارة المورد المائي: ثمة مؤشرات واضحة على الاستنزاف والتراجع، لكن الصورة الرقمية التي تحدد وزن كل عامل في الأزمة لا تزال غير مكتملة.
المزيريب.. المياه تنخفض خمسة أمتار
ويقول رئيس مجلس بلدة المزيريب يوسف النابلسي إن الدراسات الفنية الصادرة عن مهندسي الموارد المائية تشير إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية في المنطقة بنحو خمسة أمتار خلال السنة الأخيرة.
وبحسب النابلسي، ارتبط هذا الهبوط بجفاف عدد من الينابيع، بعضها تدريجياً وبعضها بصورة مفاجئة، إلى جانب جفاف بحيرة المزيريب بالكامل.
المشهد هنا يتجاوز قصة نبع فقد غزارته؛ فالمياه السطحية التي شكّلت جزءاً من المشهد الطبيعي للمنطقة اختفت، والمياه الجوفية التي تغذي الينابيع هبطت إلى مستويات أدنى، فيما يستمر الطلب على المياه للشرب والزراعة.
ويربط النابلسي التراجع بشح الأمطار والتغيرات المناخية والحفر العشوائي للآبار، إضافة إلى عدم تطبيق خطة زراعية واضحة تضبط كميات السحب من الخزان الجوفي.
ويؤكد العبد الله أن ينابيع المحافظة تمتعت في السابق بغزارات جيدة، وكان نبع المزيريب وحده يتجاوز ألف متر مكعب في الساعة ويغذي عدة مناطق، فيما كان فائض مياهه يستخدم في الري.
أما اليوم، فقد خرجت عدة ينابيع من منظومة الموارد الطبيعية بعد جفافها، ولم يبقَ سوى عدد محدود، بينها الصافوقية وغزالة والشبرق وعين ذكر، وبغزارات متغيرة تتأثر بالظروف المائية.
ويرى العبد الله أن انخفاض الهطولات والتغيرات المناخية والحفر العشوائي للآبار عوامل أسهمت مجتمعة في انخفاض مناسيب المياه الجوفية وانعكست على غزارات الينابيع. لكن النتيجة الأكثر مباشرة تظهر في العجز بمياه الشرب، والحاجة المتزايدة إلى إجراءات إسعافية وحلول استراتيجية تحافظ على المخزون المتبقي واستدامة المصادر.
مصادر تخسر غزارتها سريعاً
ولا يقتصر التراجع على الينابيع التي جفت بالكامل، بل يمتد إلى مصادر لا تزال تعمل بكفاءة أقل بكثير من السابق.
وتشير بيانات عضو لجنة رؤية المياه علاء برمو إلى أن غزارة مصدر مياه الأشعري/الهرير تراجعت من نحو 3000 متر مكعب في الساعة عام 2008 إلى نحو 800 متر مكعب في الساعة أو أقل عام 2026.
وفي المرحلة الأولى من مشروع الثورة – الأشعري، انخفضت الغزارة من نحو 1200 متر مكعب في الساعة عام 2025 إلى نحو 650 متراً مكعباً حالياً، بينما تراجعت غزارة المرحلة الثالثة، التي تغذي مدينة نوى، من نحو 300 متر مكعب في الساعة عام 2025 إلى أقل من 130 متراً مكعباً حالياً.
وتكشف هذه الأرقام أن بعض المصادر تخسر جزءاً كبيراً من قدرتها خلال فترات قصيرة نسبياً، في وقت لا تتراجع فيه الحاجة إلى المياه بالمعدل نفسه.
ومع كل انخفاض في غزارة مصدر رئيسي، يرتفع الضغط على المصادر الأخرى وتتزايد الحاجة إلى الآبار والضخ والنقل والحلول البديلة، ما يعني أن أزمة المورد المائي تتحول تدريجياً إلى أزمة في كلفة تأمين المياه أيضاً.
هل تستهلك درعا «رأس مالها المائي»؟
يضع برمو ما يحدث ضمن مسار تراكمي أوسع، تتداخل فيه سنوات متتالية من الجفاف وانخفاض الهطولات مع الاستنزاف المتزايد للمياه الجوفية نتيجة الحفر والضخ غير المنظم.
وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال متعلقاً بكمية المياه الموجودة فقط، بل بقدرة النظام المائي على تجديدها. فإذا اقترب السحب من قدرة الحوض على التعويض أو تجاوزها، فإن استمرار الاستخدام بالمعدلات نفسها يعني استهلاك جزء من المخزون المائي بدلاً من الاعتماد على المياه التي تتجدد طبيعياً.
وتبدو حساسية الوضع أكبر في حوض اليرموك، إذ تشير أحدث الدراسات التي يستند إليها برمو إلى وصول استهلاك المياه إلى نحو 95–100% من الجريان الطبيعي.
ولا يعني هذا الرقم أن الحوض سيفقد مياهه تلقائياً، لكنه يكشف ضيق الهامش المتاح أمام أي تراجع إضافي في الهطولات أو زيادة في الطلب أو استمرار الضخ الجوفي غير المنظم.
فعندما يعمل نظام مائي بالقرب من كامل قدرته الطبيعية، تصبح التقلبات المناخية والاستنزاف أكثر تأثيراً وأصعب احتواءً.
الآبار المخالفة.. رقم مجهول في المعادلة
هنا يدخل ملف الآبار المخالفة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة المياه بدرعا.
فاستمرار الحفر والضخ غير المنظم يعني استنزاف جزء من المياه الجوفية خارج إطار الإدارة الموحدة للمورد، في وقت تحاول فيه الجهات المعنية الحفاظ على مناسيب تتراجع أصلاً.
وتشير المعطيات إلى توجه لاتخاذ إجراءات بحق الآبار المخالفة بعد انتهاء مهلة الإبلاغ المحددة في 16 أيلول 2026، إلا أن حجم المشكلة يطرح أسئلة أساسية: كم يبلغ عدد هذه الآبار فعلياً؟ وما كمية المياه التي تسحبها؟ وهل تستطيع الجهات المعنية قياس هذا السحب ومراقبته؟
وتتداول تقديرات غير مؤكدة عن وجود أكثر من 50 ألف بئر مخالف في المحافظة. وإذا جرى تأكيد هذا الرقم رسمياً وتوثيقه، فلن يمثل مجرد مخالفة تنظيمية واسعة، بل مؤشراً يمكن أن يغير طريقة قراءة الضغط الواقع على الخزان الجوفي.
ولذلك، تحتاج أي إجراءات إلى قاعدة بيانات دقيقة تحدد عدد الآبار ومواقعها وأعماقها ومعدلات ضخها، لأن تنظيم الآبار أو إغلاق بعضها من دون معرفة حجم السحب الكلي يجعل قياس أثر الإجراءات على المخزون المائي أكثر صعوبة.
ولا تقدم البيانات المتاحة حتى الآن صورة مكتملة عن كمية المياه الجوفية المستخرجة سنوياً من الآبار المخالفة، كما لا تحدد بدقة مقدار مساهمتها في انخفاض غزارات الينابيع.
وهذا النقص ليس تفصيلاً فنياً؛ فمن دون معرفة حجم السحب يصعب تحديد ما إذا كانت الإجراءات تعالج أصل المشكلة أم جزءاً منها، كما يصعب قياس ما إذا كانت مناسيب المياه بدأت تستعيد استقرارها لاحقاً.
ماذا لو استمر التراجع؟
لا تسمح المعطيات الحالية بالقول إن مياه درعا ستختفي في موعد محدد، كما لا يمكن وضع سيناريو زمني دقيق من دون نماذج هيدرولوجية وبيانات طويلة الأمد عن الأمطار والتغذية الجوفية وكميات السحب.
لكن المؤشرات الحالية ترسم اتجاهاً مقلقاً: مصادر جفت، وأخرى تتراجع غزارتها، ومناسيب جوفية تهبط، فيما يستمر الطلب على المياه.
وفي هذه المعادلة، لا تقتصر الخسارة على انخفاض غزارة نبع بمئات الأمتار المكعبة. فكل مصدر يتراجع يعني ضغطاً إضافياً على مصدر آخر، وحاجة أكبر إلى الضخ والطاقة والنقل، وكلفة أعلى لتأمين مياه الشرب، وهامشاً أضيق لمواجهة أي موسم جفاف جديد.
ومع خروج كل مصدر من الخدمة، تصبح منظومة المياه أقل مرونة وأكثر اعتماداً على البدائل.
لذلك، فإن أخطر ما تكشفه أرقام درعا ليس احتمال اختفاء المياه دفعة واحدة، بل احتمال أن يصبح تأمينها أكثر صعوبة وكلفة عاماً بعد عام. فالأزمة لا تبدأ عندما يجف آخر نبع، وإنما عندما يصبح المورد المتاح أقل من أن يوفر للمحافظة هامشاً آمناً لمواجهة الجفاف والطلب المتزايد.
من إدارة الأزمة إلى إدارة المورد
معالجة الأزمة، وفق الطرح الذي يقدمه المختصون، لا يمكن أن تعتمد على حفر بئر جديد كلما جف مصدر، أو تشغيل مشروع إسعافي كلما تراجعت الغزارة. فهذه الإجراءات قد تلبي حاجة آنية، لكنها لا تعيد بناء الخزان الجوفي ولا توقف استنزافه.
المطلوب هو التعامل مع المياه باعتبارها منظومة واحدة: ضبط السحب، ومكافحة الآبار المخالفة، وتنظيم الاستخدام الزراعي، وحماية مناطق تغذية الأحواض والينابيع، ومراقبة المناسيب والغزارات باستمرار، وتأهيل مصادر ومحطات مياه الشرب، بالتوازي مع بناء قاعدة بيانات مائية تسمح بالتخطيط بعيد المدى حتى عام 2050.
وبين 6786 متراً مكعباً في الساعة كغزارة تصميمية، ونحو 960 متراً مكعباً متاحة حالياً، لا تكمن القصة في الفارق الحسابي وحده، بل فيما سيحدث لهذا الفارق إذا استمر تراجع المصادر ولم يتغير نمط الاستنزاف.
فالماء لا يختفي من درعا في يوم واحد. يبدأ بالتراجع من الينابيع، ثم يتقلص هامش الأمان، قبل أن يفرض على شبكات المياه كلفة أكبر وعلى السكان خيارات أقل.
وما يحدث اليوم قد لا يعني نهاية الموارد المائية في المحافظة، لكنه يمثل إنذاراً بأن الوقت المتاح للتدخل ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية؛ فالنبع الذي يجف بعد سنوات من الاستنزاف لا يُعوّض ببساطة ببئر جديد، والخزان الجوفي الذي يفقد توازنه قد يحتاج إلى سنوات ليستعيد ما فقده، إذا كانت استعادته ممكنة أصلاً.
وفي النهاية، لا تقف درعا أمام معركة البحث عن مصادر جديدة للمياه بقدر ما تقف أمام معركة الحفاظ على ما تبقى منها.
وبين الغزارة التي صُممت على أساسها منظومة مائية كاملة، وما تستطيع المصادر توفيره اليوم، يتحدد مستقبل المياه في المحافظة بقدرة الجهات المعنية على الانتقال من رد الفعل إلى إدارة المورد، ومن معالجة آثار الجفاف إلى ضبط أسبابه القابلة للسيطرة.
ويبقى السؤال الذي تطرحه الأرقام مفتوحاً: إذا كان هذا هو واقع المورد المائي اليوم، فكم بقي من الوقت قبل أن يصبح تأمين مياه الشرب في درعا أكثر كلفة وتعقيداً؟
في درعا، لا تبدو أزمة المياه حادثاً مفاجئاً يمكن احتواؤه بقرار إسعافي أو موسم مطري أفضل. ما يحدث أبطأ من ذلك وأكثر خطورة: ينابيع تفقد غزارتها، ومصادر تتراجع قدرتها على التغذية، ومناسيب جوفية تهبط، فيما تواصل آلاف الآبار سحب المياه من باطن الأرض في وقت تتراجع فيه قدرة الطبيعة على تعويض ما يُستنزف منها.
وعندما تتراكم هذه العوامل على مدى سنوات، لا يعود الجفاف واقعة عابرة، بل يتحول إلى مسار يضغط تدريجياً على الأمن المائي للمحافظة، ويرفع كلفة تأمين مياه الشرب ويقلص هامش الأمان أمام سنوات الجفاف المقبلة.
فجوة كبيرة بين الغزارة التصميمية والمتاح
تكشف الأرقام المتاحة حجم التحول الذي طرأ على الموارد المائية في درعا. فالغزارة التصميمية للينابيع والمصادر المركزية في المحافظة تُقدّر بنحو 6786 متراً مكعباً في الساعة، بينما لا يتجاوز المتاح حالياً نحو 960 متراً مكعباً في الساعة، بفجوة تصل إلى نحو 5826 متراً مكعباً، أي ما يعادل 85.9% من الغزارة التصميمية.
ولا تعني هذه المقارنة أن الغزارة التصميمية كانت تتدفق فعلياً بهذه الكمية في كل عام، لكنها تكشف المسافة الكبيرة بين القدرة التي صُممت على أساسها منظومة المياه وما تستطيع المصادر تقديمه اليوم.
وقال مدير مؤسسة مياه درعا رياض مسالمة لـ«العين السورية» إن إجمالي غزارات الينابيع كان يتجاوز سابقاً 6 آلاف متر مكعب في الساعة، قبل أن ينخفض حالياً إلى نحو 990 متراً مكعباً.
ورغم اختلاف طريقة احتساب الغزارة التصميمية عن قياسات التدفق السابقة، يبقى الاتجاه واحداً: المصادر التي اعتمدت عليها المحافظة لسنوات لم تعد تنتج المياه بالمعدلات التي كانت متاحة تاريخياً.
ينابيع خرجت من الخدمة
لم يبقَ هذا التراجع حبيس الجداول والأرقام، بل تحول في الميدان إلى ينابيع جافة ومصادر فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على تغذية شبكات مياه الشرب.
ويقول مدير الموارد المائية في درعا هاني العبد الله إن نبع المزيريب، الذي كانت غزارته تتجاوز ألف متر مكعب في الساعة، جف بالكامل، كما جفت ينابيع عيون العبد والساخنة الكبرى والساخنة الصغرى وزيزون.
ويشير مسالمة إلى أن جفاف المصادر أدى أيضاً إلى توقف المرحلتين الثانية والرابعة من مشروع الثورة.
وبحسب مدير مؤسسة المياه، لم يبدأ التراجع فجأة، بل ظهر بصورة ملحوظة خلال عامي 2014 و2015، واستمر في السنوات اللاحقة. ويضع انخفاض الهطولات المطرية وانتشار الآبار المخالفة والحفر والضخ غير المنظم للمياه الجوفية في مقدمة العوامل الضاغطة على المخزون المائي، مع تأكيده عدم توفر بيانات دقيقة تحدد نسبة مساهمة كل عامل على حدة.
وهنا تظهر واحدة من أبرز ثغرات إدارة المورد المائي: ثمة مؤشرات واضحة على الاستنزاف والتراجع، لكن الصورة الرقمية التي تحدد وزن كل عامل في الأزمة لا تزال غير مكتملة.
المزيريب.. المياه تنخفض خمسة أمتار
ويقول رئيس مجلس بلدة المزيريب يوسف النابلسي إن الدراسات الفنية الصادرة عن مهندسي الموارد المائية تشير إلى انخفاض مستوى المياه الجوفية في المنطقة بنحو خمسة أمتار خلال السنة الأخيرة.
وبحسب النابلسي، ارتبط هذا الهبوط بجفاف عدد من الينابيع، بعضها تدريجياً وبعضها بصورة مفاجئة، إلى جانب جفاف بحيرة المزيريب بالكامل.
المشهد هنا يتجاوز قصة نبع فقد غزارته؛ فالمياه السطحية التي شكّلت جزءاً من المشهد الطبيعي للمنطقة اختفت، والمياه الجوفية التي تغذي الينابيع هبطت إلى مستويات أدنى، فيما يستمر الطلب على المياه للشرب والزراعة.
ويربط النابلسي التراجع بشح الأمطار والتغيرات المناخية والحفر العشوائي للآبار، إضافة إلى عدم تطبيق خطة زراعية واضحة تضبط كميات السحب من الخزان الجوفي.
ويؤكد العبد الله أن ينابيع المحافظة تمتعت في السابق بغزارات جيدة، وكان نبع المزيريب وحده يتجاوز ألف متر مكعب في الساعة ويغذي عدة مناطق، فيما كان فائض مياهه يستخدم في الري.
أما اليوم، فقد خرجت عدة ينابيع من منظومة الموارد الطبيعية بعد جفافها، ولم يبقَ سوى عدد محدود، بينها الصافوقية وغزالة والشبرق وعين ذكر، وبغزارات متغيرة تتأثر بالظروف المائية.
ويرى العبد الله أن انخفاض الهطولات والتغيرات المناخية والحفر العشوائي للآبار عوامل أسهمت مجتمعة في انخفاض مناسيب المياه الجوفية وانعكست على غزارات الينابيع. لكن النتيجة الأكثر مباشرة تظهر في العجز بمياه الشرب، والحاجة المتزايدة إلى إجراءات إسعافية وحلول استراتيجية تحافظ على المخزون المتبقي واستدامة المصادر.
مصادر تخسر غزارتها سريعاً
ولا يقتصر التراجع على الينابيع التي جفت بالكامل، بل يمتد إلى مصادر لا تزال تعمل بكفاءة أقل بكثير من السابق.
وتشير بيانات عضو لجنة رؤية المياه علاء برمو إلى أن غزارة مصدر مياه الأشعري/الهرير تراجعت من نحو 3000 متر مكعب في الساعة عام 2008 إلى نحو 800 متر مكعب في الساعة أو أقل عام 2026.
وفي المرحلة الأولى من مشروع الثورة – الأشعري، انخفضت الغزارة من نحو 1200 متر مكعب في الساعة عام 2025 إلى نحو 650 متراً مكعباً حالياً، بينما تراجعت غزارة المرحلة الثالثة، التي تغذي مدينة نوى، من نحو 300 متر مكعب في الساعة عام 2025 إلى أقل من 130 متراً مكعباً حالياً.
وتكشف هذه الأرقام أن بعض المصادر تخسر جزءاً كبيراً من قدرتها خلال فترات قصيرة نسبياً، في وقت لا تتراجع فيه الحاجة إلى المياه بالمعدل نفسه.
ومع كل انخفاض في غزارة مصدر رئيسي، يرتفع الضغط على المصادر الأخرى وتتزايد الحاجة إلى الآبار والضخ والنقل والحلول البديلة، ما يعني أن أزمة المورد المائي تتحول تدريجياً إلى أزمة في كلفة تأمين المياه أيضاً.
هل تستهلك درعا «رأس مالها المائي»؟
يضع برمو ما يحدث ضمن مسار تراكمي أوسع، تتداخل فيه سنوات متتالية من الجفاف وانخفاض الهطولات مع الاستنزاف المتزايد للمياه الجوفية نتيجة الحفر والضخ غير المنظم.
وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال متعلقاً بكمية المياه الموجودة فقط، بل بقدرة النظام المائي على تجديدها. فإذا اقترب السحب من قدرة الحوض على التعويض أو تجاوزها، فإن استمرار الاستخدام بالمعدلات نفسها يعني استهلاك جزء من المخزون المائي بدلاً من الاعتماد على المياه التي تتجدد طبيعياً.
وتبدو حساسية الوضع أكبر في حوض اليرموك، إذ تشير أحدث الدراسات التي يستند إليها برمو إلى وصول استهلاك المياه إلى نحو 95–100% من الجريان الطبيعي.
ولا يعني هذا الرقم أن الحوض سيفقد مياهه تلقائياً، لكنه يكشف ضيق الهامش المتاح أمام أي تراجع إضافي في الهطولات أو زيادة في الطلب أو استمرار الضخ الجوفي غير المنظم.
فعندما يعمل نظام مائي بالقرب من كامل قدرته الطبيعية، تصبح التقلبات المناخية والاستنزاف أكثر تأثيراً وأصعب احتواءً.
الآبار المخالفة.. رقم مجهول في المعادلة
هنا يدخل ملف الآبار المخالفة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في معادلة المياه بدرعا.
فاستمرار الحفر والضخ غير المنظم يعني استنزاف جزء من المياه الجوفية خارج إطار الإدارة الموحدة للمورد، في وقت تحاول فيه الجهات المعنية الحفاظ على مناسيب تتراجع أصلاً.
وتشير المعطيات إلى توجه لاتخاذ إجراءات بحق الآبار المخالفة بعد انتهاء مهلة الإبلاغ المحددة في 16 أيلول 2026، إلا أن حجم المشكلة يطرح أسئلة أساسية: كم يبلغ عدد هذه الآبار فعلياً؟ وما كمية المياه التي تسحبها؟ وهل تستطيع الجهات المعنية قياس هذا السحب ومراقبته؟
وتتداول تقديرات غير مؤكدة عن وجود أكثر من 50 ألف بئر مخالف في المحافظة. وإذا جرى تأكيد هذا الرقم رسمياً وتوثيقه، فلن يمثل مجرد مخالفة تنظيمية واسعة، بل مؤشراً يمكن أن يغير طريقة قراءة الضغط الواقع على الخزان الجوفي.
ولذلك، تحتاج أي إجراءات إلى قاعدة بيانات دقيقة تحدد عدد الآبار ومواقعها وأعماقها ومعدلات ضخها، لأن تنظيم الآبار أو إغلاق بعضها من دون معرفة حجم السحب الكلي يجعل قياس أثر الإجراءات على المخزون المائي أكثر صعوبة.
ولا تقدم البيانات المتاحة حتى الآن صورة مكتملة عن كمية المياه الجوفية المستخرجة سنوياً من الآبار المخالفة، كما لا تحدد بدقة مقدار مساهمتها في انخفاض غزارات الينابيع.
وهذا النقص ليس تفصيلاً فنياً؛ فمن دون معرفة حجم السحب يصعب تحديد ما إذا كانت الإجراءات تعالج أصل المشكلة أم جزءاً منها، كما يصعب قياس ما إذا كانت مناسيب المياه بدأت تستعيد استقرارها لاحقاً.
ماذا لو استمر التراجع؟
لا تسمح المعطيات الحالية بالقول إن مياه درعا ستختفي في موعد محدد، كما لا يمكن وضع سيناريو زمني دقيق من دون نماذج هيدرولوجية وبيانات طويلة الأمد عن الأمطار والتغذية الجوفية وكميات السحب.
لكن المؤشرات الحالية ترسم اتجاهاً مقلقاً: مصادر جفت، وأخرى تتراجع غزارتها، ومناسيب جوفية تهبط، فيما يستمر الطلب على المياه.
وفي هذه المعادلة، لا تقتصر الخسارة على انخفاض غزارة نبع بمئات الأمتار المكعبة. فكل مصدر يتراجع يعني ضغطاً إضافياً على مصدر آخر، وحاجة أكبر إلى الضخ والطاقة والنقل، وكلفة أعلى لتأمين مياه الشرب، وهامشاً أضيق لمواجهة أي موسم جفاف جديد.
ومع خروج كل مصدر من الخدمة، تصبح منظومة المياه أقل مرونة وأكثر اعتماداً على البدائل.
لذلك، فإن أخطر ما تكشفه أرقام درعا ليس احتمال اختفاء المياه دفعة واحدة، بل احتمال أن يصبح تأمينها أكثر صعوبة وكلفة عاماً بعد عام. فالأزمة لا تبدأ عندما يجف آخر نبع، وإنما عندما يصبح المورد المتاح أقل من أن يوفر للمحافظة هامشاً آمناً لمواجهة الجفاف والطلب المتزايد.
من إدارة الأزمة إلى إدارة المورد
معالجة الأزمة، وفق الطرح الذي يقدمه المختصون، لا يمكن أن تعتمد على حفر بئر جديد كلما جف مصدر، أو تشغيل مشروع إسعافي كلما تراجعت الغزارة. فهذه الإجراءات قد تلبي حاجة آنية، لكنها لا تعيد بناء الخزان الجوفي ولا توقف استنزافه.
المطلوب هو التعامل مع المياه باعتبارها منظومة واحدة: ضبط السحب، ومكافحة الآبار المخالفة، وتنظيم الاستخدام الزراعي، وحماية مناطق تغذية الأحواض والينابيع، ومراقبة المناسيب والغزارات باستمرار، وتأهيل مصادر ومحطات مياه الشرب، بالتوازي مع بناء قاعدة بيانات مائية تسمح بالتخطيط بعيد المدى حتى عام 2050.
وبين 6786 متراً مكعباً في الساعة كغزارة تصميمية، ونحو 960 متراً مكعباً متاحة حالياً، لا تكمن القصة في الفارق الحسابي وحده، بل فيما سيحدث لهذا الفارق إذا استمر تراجع المصادر ولم يتغير نمط الاستنزاف.
فالماء لا يختفي من درعا في يوم واحد. يبدأ بالتراجع من الينابيع، ثم يتقلص هامش الأمان، قبل أن يفرض على شبكات المياه كلفة أكبر وعلى السكان خيارات أقل.
وما يحدث اليوم قد لا يعني نهاية الموارد المائية في المحافظة، لكنه يمثل إنذاراً بأن الوقت المتاح للتدخل ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية؛ فالنبع الذي يجف بعد سنوات من الاستنزاف لا يُعوّض ببساطة ببئر جديد، والخزان الجوفي الذي يفقد توازنه قد يحتاج إلى سنوات ليستعيد ما فقده، إذا كانت استعادته ممكنة أصلاً.
وفي النهاية، لا تقف درعا أمام معركة البحث عن مصادر جديدة للمياه بقدر ما تقف أمام معركة الحفاظ على ما تبقى منها.
وبين الغزارة التي صُممت على أساسها منظومة مائية كاملة، وما تستطيع المصادر توفيره اليوم، يتحدد مستقبل المياه في المحافظة بقدرة الجهات المعنية على الانتقال من رد الفعل إلى إدارة المورد، ومن معالجة آثار الجفاف إلى ضبط أسبابه القابلة للسيطرة.
ويبقى السؤال الذي تطرحه الأرقام مفتوحاً: إذا كان هذا هو واقع المورد المائي اليوم، فكم بقي من الوقت قبل أن يصبح تأمين مياه الشرب في درعا أكثر كلفة وتعقيداً؟


