سوريا - اقتصاد
وصفة خبراء لمعافاة قطاع " أول من يمرض وآخر من يتعافي".. من أين نبدأ ؟
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٨ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٣٢
3 دقيقة

بعد عقود من العزلة السياسية وسنوات طويلة من حرب طمست معالم واحدة من أغنى دول العالم تاريخياً وطبيعياً، تفتح سوريا اليوم أبوابها كصفحة بيضاء أمام العالم، لم تتغير الخارطة السياسية لبلاد الشام فحسب، بل أُزيح الستار عن كنز سياحي دفين، من شواطئ المتوسط الزرقاء إلى عمق البادية، ومن قمم جبال الساحل والقلمون والزبداني المكسوة بالثلوج إلى ينابيع المياه الكبريتية الشافية، تقف «بلاد الفصول الأربعة» أمام تحدٍّ وجودي، كيف نُحول هذا التنوع الهائل إلى رافعة اقتصادية لبلد ينهض من وسط الرماد؟
مقومات " من ذهب"
يرى الباحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية المهندس باسل كويفي في حديثه لـ"العين السورية" أن سوريا جنة بكر، فالتنوع النادر هو أوراق القوة سياحياً. حيث تتميز سوريا بتضاريس تختصر قارة بأكملها، يستطيع السائح أن ينتقل في ساعات قليلة من شواطئ البحر المتوسط إلى جبال باردة، ثم إلى صحراء البادية الشاسعة. هذا التنوع النادر يجعلها وجهة مثالية للسياحة البيئية والبحثية والتاريخية. كما تذخر بإرث حضاري وديني هائل، من أوغاريت وتدمر .. إلى العهد الأموي، مروراً بالأوابد الإسلامية والكنائس الأثرية في معلولا وصيدنايا وحلب، مما يفتح الباب أمام سياحة دينية مفتوحة وآمنة للجميع.
قيم مضافة فوق العادة
ميزات سورية السياحة لا تقف عند هذا الحد، والكلام للمهندس كويفي، فالسياحة العلاجية تمثل فرصة ذهبية؛ ينابيع بقين ودريكيش وحمامات الشيخ عيسى وجباب وتدمر، يمكن لها أن تستقطب الاستثمارات الطبية الخليجية والدولية، خاصة اذا تم التنسيق بين وزارت السياحة والصحة والاعلام والخارجية .
إرث ثقيل
ويوضح كويفي أنه وبالرغم من الإرث الثقيل للنظام البائد، ورغم الزخم الإيجابي للاستثمار في سوريا الجديدة، تبرز بعض العقبات والتحديات لهذا القطاع الهام. فقد دُمرت البنية التحتية بشكل كبير؛ من منشآت سياحية وطرق، ومحطات طاقة تحتاج إلى إعمار عاجل.
وفقاً لدراسات وإحصائيات مختلفة، يحتاج القطاع السياحي قرابة 100 مليار دولار استثمار لإعادة التأهيل والاستثمار المجدي .
كذلك، يتوجب التخلص من مخلفات الحرب المتمثلة في الألغام وتعزير الأمن المستدام، مع الحد من خطاب الكراهية ومناهضة التمييز المناطقي، للمساهمة في بناء الثقة على المستوى المحلي، مما يساعد في تسيير رحلات سياحية متواترة في جميع المناطق مع ما يلازمها من حرية التنقل والنشاط ضمن محددات الاخلاق والقانون .
أما «معركة الصورة الذهنية» فهي الأصعب؛ حيث يتوجب على الإعلام السوري الجديد ومكاتب السياحة استبدال صورة «بلد الحرب» بصورة «الوجهة الآمنة والمضيافة». وهذا ما سجلته ورازة السياحة «صفر حوادث» للسياح في 2025، مما يعكس تحسناً ملموساً.
ترميم الرض المعنوي
يُفند المهندس كويفي الانعكاسات التي يمكن أن يحققها تنشيط السياحة وعلى المستوى المحلي فهي أكسجين للاقتصاد والسلم الأهلي، وستكون أسرع قطاع لتأمين النقد الأجنبي، مما ينعش الليرة ويخلق عشرات الآلاف من الوظائف. كما تعزز السياحة الداخلية اللحمة الوطنية، مما يساهم في ذوبان الجليد بين المناطق، كما أن منح تسهيلات مالية ومصرفية لإعادة تأهيل وتشغيل المنشآت المتضررة واعفاءها من الرسوم والقروض والضرائب عامل هام لتنشيطها .
للمثقف السوري دوره
أما إقليمياً، والكلام للمهندس كويفي، ستكون سوريا منافس سياحي قوي في شرق المتوسط ، كونها تمثل جسراً برياً بين الخليج وتركيا وأوروبا. وتتميز بمطبخها الشهير وضيافتها بأسعار تنافسية ستؤثر إيجاباً على حصص الجوار.
ودولياً فإن "دبلوماسية الآثار" وترميم العلاقات، وعودة بعثات اليونسكو والعلماء لترميم تدمر وحلب والمناطق الاخرى، تعني اعترافاً دولياً بالاستقرار. وهنا يبرز دور المثقف السوري الجديد ، «المثقف الحقيقي لا يقاس بما يملكه من معرفة، بل بما يمتلكه من شجاعة أخلاقية تجعله ينحاز إلى الحقيقة حتى حين تكون مكلفة.
إن الثقافة ليست مخزناً للذكريات، بل أفق مفتوح على الممكن. إنها ليست حارساً للمألوف، بل قوة لإعادة النهوض.. ولذلك، فإن وظيفة المثقف ليست تبرير الواقع كما هو، بل المساهمة في تغييره».
طريق شائك
كل ما تحتاجه سوريا اليوم هو الإدارة الرشيدة والاستقرار المستدام. وإذا تحقق ذلك، فلن يمضي وقت طويل قبل أن تستعيد الحافلات السياحية مسارها عبر حارات دمشق و حلب القديمة وأعمدة تدمر، معلنة للعالم أن الشام قد تعافت تماماً، وأنها تنام على طبقات من التاريخ تختصر حضارات أوغاريت وتدمر ومعلولا والمعمدان الدمشقي والعهد الأموي.
العامل الأبرز
بين الواقع والطموح فيما يتعلق بتنشيط الواقع السياحي، يؤكد رئيس جمعية المطاعم والمقاهي في دمشق، حسن بواب في تصريح لـ " العين السورية" أن إعادة تنشيط القطاع السياحي تتطلب أولًا فهماً عميقاً للأسباب التي أدت إلى تراجعه خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها العامل الأمني، الذي وصفه بأنه الركيزة الأساسية لتحقيق نمو مستدام في معدلات السياحة لافتاً أن غياب الاستقرار كان العامل الأبرز وراء حالة الجمود التي ضربت القطاع، ما يجعل من الضروري التركيز على تعزيز الأمن في مختلف المناطق السورية لضمان تعافي السياحة وعودتها إلى موقعها كرافعة اقتصادية.
الأمن والاستقرار
كما يؤكّد محمد نذير الحفار، عضو مجلس إدارة مجموعة برج ألاء في سوريا، على النقطة ذاتها، معتبرًا أن تحسين مستويات الأمن والاستقرار، خصوصًا في المناطق السياحية، يُعد عنصرًا جوهريًا لجذب الزوار من جديد، ودعم تعافي هذا القطاع الحيوي.
عقبات
وبين الحفار في تصريح لـ " العين السورية"، أن القطاع السياحي في سوريا يواجه جملة من العقبات البنيوية والتنظيمية، أبرزها تضرر البنية التحتية السياحية بشكل كبير، بما في ذلك الفنادق والمطاعم والمواقع الأثرية إضافة إلى الصورة السلبية لسوريا دوليًا نتيجة الأزمات السياسية والأمنية في العقد الأخير وضعف التسويق الرقمي للمقومات السياحية السورية واستمرار القيود الخارجية.
إتاحة الوفرة في موارد الطاقة
وأكد الحفار على أهمية تأمين موارد الطاقة لضمان استدامة الخدمات في المنشآت السياحية، مع دعم السياحة الداخلية لتشجيع المواطنين والمغتربين على زيارة مختلف المناطق السورية. كما دعا إلى تقديم حوافز للمستثمرين لتطوير البنية التحتية السياحية وتوفير فرص عمل، بما يعزز من تنشيط الاقتصاد المحلي.
تحرير أسعار الخدمات
من جانبه، أيد حسن بواب ضرورة تحرير أسعار الخدمات في المنشآت السياحية بشرط الإعلان عنها بوضوح وخضوعها لمراقبة جودة، إضافة إلى إعفاء المنشآت من تقنين الكهرباء خلال المواسم السياحية، وتقديم قروض ميسّرة أو دون فوائد للمنشآت المتضررة.
معاملة خاصة
وفي سياق السياسات المالية، دعا بواب إلى أن تتعامل وزارة المالية مع القطاع السياحي بما يتلاءم مع طبيعة عمله الموسمية، مع تخفيض الضرائب المفروضة على المنشآت، خصوصًا أن القطاع لا يزال في طور التعافي بعد سنوات طويلة من الركود والانكماش.
أفق جديد
تبدو سوريا أمام مرحلة جديدة قد تشهد فيها استعادة القطاع السياحي لدوره الفاعل في التنمية الاقتصادية، ورغم كل التحديات التي واجهها، تظهر اليوم بوادر انتعاش، مدفوعة بجهود الحكومة السورية في إعادة تأهيل المنشآت السياحية، وتعزيز الاستقرار، وتشجيع الاستثمارات في هذا المجال.
وتبقى الفرص واعدة أمام هذا القطاع ليكون من أبرز المحركات الأساسية للتنمية المستدامة، فالمستقبل يحمل الكثير من الاحتمالات، والطموح هو المفتاح لتحقيق الانتعاش المطلوب.


