سوريا - اقتصاد
عملات وذهب بـ"ضغطة زر".. هل سينتهي عصر الصرافة التقليدية في سوريا؟
ا
العين السورية
نشر في: ٢٧ أبريل ٢٠٢٦، ٠٩:٥٥عدل في: ٢٧ أبريل ٢٠٢٦، ٠٩:٥٥
3 دقيقة
5

تستعد الأسواق السورية لـ "ثورة رقمية" غير مسبوقة مع إعلان المصرف المركزي عن إطلاق منصة تداول إلكترونية موحدة للعملات والذهب. هذه الخطوة لا تهدف فقط إلى ملاحقة التطور التقني العالمي، بل تسعى إلى سحب البساط من "تجارة الظل" وتوفير بديل رسمي آمن للمواطن والمستثمر على حد سواء.
في هذا التحقيق، تستعرض "العين السورية" آليات العمل الجديدة، وكيف يمكنك حماية مدخراتك عبر التحول من التخزين التقليدي إلى التداول الرقمي الموثق.
كيف سيتحول صرافك إلى وسيط رقمي؟
تعتمد آلية العمل في سوق دمشق على نظام "الوساطة المقيدة"، وهو ما يوضحه "معهد العمليات المالية" (Financial Operations Institute) كضرورة في الأسواق الناشئة لضبط السيولة. لن يقوم المواطن بفتح حساب مباشرة في المصرف المركزي، بل سيتم التداول عبر تطبيقات ذكية تطلقها المصارف وشركات الصرافة المرخصة التي ستعمل كـ "وسطاء". هؤلاء الوسطاء سيوفرون واجهة للمستخدم تظهر "السعر اللحظي" (Live Rate) المستمد من أوامر العرض والطلب الحقيقية، مما يتيح للمتعامل تنفيذ عمليات البيع والشراء بضغطة زر، وهو ما ينهي عصر "تعدد الأسعار" ويجعل هاتفك المحمول هو المرجع الموثوق الوحيد للسعر السائد.
كذلك، تسمح هذه الرقابة الرقمية للمركزي بتتبع منشأ الأموال ووجهتها، وهو ما ينسجم مع معايير "مجموعة العمل المالي" (FATF) لمكافحة غسل الأموال، مما يعزز فرص استقرار الليرة عبر تجفيف منابع السيولة غير المنضبطة التي كانت تغذي المضاربات الخارجية.
هل نحن أمام "فوركس" أم منصة تنظيمية؟
وفي قراءة لهذه الخطوة، يرى رجل الأعمال فيصل العطري في حديثه مع "العين السورية"، أنه بعد إعلان المركزي عن إنشاء "سوق دمشق للعملات الأجنبية والذهب"، فمن الصعب تقنياً إنشاء سوق فوركس حقيقي بآلياته العالمية كالرافعة المالية والمضاربة الحرة بسبب السيولة المحدودة، لأن الفوركس يتطلب تدفقات ضخمة لضمان التوازن، مبيناً أننا بطريقنا لمنصة تنظيمية لحوكمة الكتلة النقدية المتاحة ورقمنة تداول الموجودات من قطع وذهب لضبط الأسعار والحد من السوق السوداء، وليس لخلق سوق مضاربة دولية مفتوحة، متوقعاً أن هذه المنصة ستكون محكومة بقواعد "التحقق من الغاية" (Purpose Validation) وأن هدفها تغطية المستوردات والاحتياجات الأساسية فقط.
سوق دمشق مقابل "الفوركس" العالمي
بالتوازي، يجب على المستثمر السوري التمييز بدقة بين "سوق دمشق" ومنصات التداول العالمية مثل (Saxo Bank) أو (Startrader). فبينما يعمل الفوركس العالمي بسيولة تريليونية تتيح "الرافعة المالية" (Leverage) التي تضاعف القوة الشرائية والمخاطر، تلتزم السوق السورية بـ "التداول الفعلي" فقط. هذا يعني أنك لا تستطيع شراء دولار أو ذهب بما يفوق رصيدك الفعلي المودع لدى الوسيط. هذا القيد، رغم أنه يقلل من فرص الربح السريع الضخم، إلا أنه يحمي السوق المحلية من الانهيارات المفاجئة التي تسببها المضاربات الوهمية، ويضمن أن كل عملية تداول تقابلها كتلة نقدية حقيقية في خزائن البنوك.
"الذهب الرقمي" وتحديات الثقة
تطرح المنصة مفهوماً جديداً على السوريين وهو "الذهب المخصص" (Allocated Gold) أو ما يُعرف بالذهب الرقمي. وبحسب دراسات "مجلس الذهب العالمي" (WGC)، فإن شراء الذهب عبر المنصات الإلكترونية يوفر أماناً أعلى من الذهب الفيزيائي المخزن في المنازل، إذ يكون الرصيد الرقمي مدعوماً بسبائك حقيقية مودعة في خزائن مؤمنة لدى المركزي أو جمعية الصاغة.
الميزة الكبرى للمواطن تكمن في غياب "أجور الصياغة" والضرائب الإضافية عند الشراء والبيع الرقمي، مما يقلص الفارق السعري (Spread) بنسبة تصل إلى 30%، ويجعل من الذهب أداة ادخار سائلة يمكن تحويلها إلى نقد في أي لحظة دون خسارة "المصنعية".
وحول عوائق نضوج هذه التجربة، يؤكد العطري أن تكنولوجيا البلوكتشين والعملات الرقمية بما فيها الذهب الرقمي تتطلب بيئة تقنية متقدمة تتسم بالشفافية، الأمان، وعدم التلاعب، مشيراً إلى وجود تحديات مثل ضعف البنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني، وعدم وجود تشريعات واضحة تضمن حقوق المستخدمين وتحميهم من التلاعب أو الخطأ البرمجي، إضافة للثقة بهذه التشريعات، معتبراً أننا بحاجة لتطوير أنظمة تقنية متقدمة، وتفعيل التشريعات، وتوعية المتعاملين، وهيكلية واضحة للسيطرة على المخاطر المحتملة.
وعن كيفية كسب ثقة المستثمر التقليدي، يوضح العطري أن التعاملات المالية تُبنى على الشفافية المطلقة والتجربة وجودة الخدمة وحرية الحصول عليها، وهي العوامل التي تنتج الثقة، ويضيف: " إن البنوك السورية من 8 آذار 1963 وحتى اليوم لا تتمتع بهذه الثقة، إذ أن حرية وصول المودع لإيداعاته بأي وقت وبنفس شكل "العملة" التي أودعها هي أحد أهم عوامل الثقة، بينما نلاحظ اليوم أن الجميع يتهرب من الدفعات المحولة للبنك".
وحول عوائق نضوج هذه التجربة، يؤكد العطري أن تكنولوجيا البلوكتشين والعملات الرقمية بما فيها الذهب الرقمي تتطلب بيئة تقنية متقدمة تتسم بالشفافية، الأمان، وعدم التلاعب، مشيراً إلى وجود تحديات مثل ضعف البنية التحتية الرقمية والأمن السيبراني، وعدم وجود تشريعات واضحة تضمن حقوق المستخدمين وتحميهم من التلاعب أو الخطأ البرمجي، إضافة للثقة بهذه التشريعات، معتبراً أننا بحاجة لتطوير أنظمة تقنية متقدمة، وتفعيل التشريعات، وتوعية المتعاملين، وهيكلية واضحة للسيطرة على المخاطر المحتملة.
وعن كيفية كسب ثقة المستثمر التقليدي، يوضح العطري أن التعاملات المالية تُبنى على الشفافية المطلقة والتجربة وجودة الخدمة وحرية الحصول عليها، وهي العوامل التي تنتج الثقة، ويضيف: " إن البنوك السورية من 8 آذار 1963 وحتى اليوم لا تتمتع بهذه الثقة، إذ أن حرية وصول المودع لإيداعاته بأي وقت وبنفس شكل "العملة" التي أودعها هي أحد أهم عوامل الثقة، بينما نلاحظ اليوم أن الجميع يتهرب من الدفعات المحولة للبنك".
من حسابات النقد إلى رصيد الثقة
ويقترح العطري جملة من الخطوات لاكتساب الثقة تتمثل في الإفراج الكامل وغير المشروط عن الإيداعات والحسابات وإلغاء القيود على المسحوبات، وإصدار قانون واضح يمنع تجميد الأرصدة المالية إلا لأسباب جنائية وبحكم محكمة، وتسهيل الاسترداد المادي فالمستثمر التقليدي خاصة كبار السن والتجار يؤمن بـ "الملموس" وفكرة تحويل الذهب العيني أو الدولار الورقي تثير قلقه، إضافة إلى الضمانة السيادية من خلال إصدار صكوك رقمية بضمانات إقليمية بأنها مدعومة بالذهب المادي الموجود في خزائن المركزي مع حق التسييل العيني، والوعي بالأمن السيبراني واتباع معايير دولية صارمة مثل (ISO 27001)، والتأكيد على سرية الحسابات لأن التخوف وارد من أن تكون المنصة أداة كشف ضريبي أو ملاحقة لمصادر الأموال، والربط مع منصات عالمية لضمان عدم التلاعب بالسعر بحيث تظهر الأسعار العالمية لحظياً مع إضافة "Premium" محلي يتحكم به المركزي لضبط التوازن، مبيناً أن الحل المثالي لاكتساب الثقة يكون من خلال طرح الخدمات بالشراكة مع بنك عالمي أو إقليمي ذو مصداقية وأن يؤكد هذا البنك التزامه بتنفيذ الالتزامات التي التزم بها مع المركزي السوري.
الرقابة الرقمية وضمانات الأمان
في المحصلة، يعني التحول نحو السوق الإلكترونية أن كل عملية تداول تترك "أثراً رقمياً"، وهو ما ينسجم مع معايير "مجموعة العمل المالي" (FATF) لضمان نزاهة العمليات المالية. إذ يوفر هذا النظام حماية قانونية للمتعامل، كما تتم جميع العمليات تحت مظلة التشريعات الرسمية، مما يبدد مخاوف الملاحقة المرتبطة بالتعامل بغير الليرة خارج القنوات الرسمية. ومع ذلك، يظل التحدي الأكبر هو "أمن البيانات"، إذ يتوجب على المستخدمين التأكد من تحميل التطبيقات الرسمية للوسطاء المرخصين واستخدام ميزات الأمان الحيوي (بصمة الوجه أو الإصبع) لحماية محافظهم الإلكترونية من أي اختراق سيبراني قد يهدد مدخراتهم.


