سوريا - اقتصاد
هل ستنتج شروط "المركزي السوري" سوقاً سوداء للعملة القديمة؟
ر
رهام علي
نشر في: ٢٨ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:٤٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بينما توشك مهلة استبدال الأوراق النقدية القديمة على الإغلاق في 30 من تموز الجاري، محققةً إنجازاً تشغيلياً غير مسبوق بسحب القسم الأكبر من الكتلة النقدية، يجد السوريون أنفسهم أمام منعطف نقدي بالغ الحساسية. فمع الانتقال إلى مرحلة "السحب المتأخر" التي فرضها مصرف سوريا المركزي بشروط قاسية تتمثل في الحصر الجغرافي بدمشق والحد الأدنى للكميات، تبرز مخاوف جدية وفقاً لخبراء اقتصاد من أن تتحول هذه الضوابط الرقابية إلى بيئة خصبة لإنعاش شبكات الوسطاء وولادة "سعر صرف ثالث" يلتهم أجزاءً واسعة من أموال صغار الحائزين، ما يضع السياسة النقدية أمام تحدٍّ حقيقي بين فرض الانضباط المالي وحماية العدالة الاجتماعية للشرائح الأكثر هشاشة.
نهاية المهلة وبداية مرحلة "السحب المقيد"
أعلن مصرف سوريا المركزي انتهاء مهلة استبدال الأوراق النقدية القديمة بتاريخ الـ 30 من تموز 2026، لتفقد هذه الأوراق قوتها الإبرائية وقانونيتها في التداول اعتباراً من اليوم التالي. غير أن المفاجأة الحقيقية تكمن في تفاصيل مرحلة "السحب" التي تليها وتبدأ في الـ 31 من تموز ولِمُدة خمس سنوات؛ إذ ستُنفذ حصراً عبر المركز الرئيسي لمصرف سوريا المركزي في دمشق، مع شرط يقضي بألا يقل عدد الأوراق النقدية عن 100 ورقة من الفئة الواحدة، على أن تُحول القيمة المستحقة إلى حساب مصرفي حصراً ودون أي عمولات. هذا الفارق الجوهري ينقل العملية من نافذة مجانية واسعة الانتشار عبر مئات المراكز والبريد، إلى قناة مركزية ومقيدة تعيد هندسة طريقة التعامل مع النقد المتبقي خارج القنوات الرسمية، والذي يُقدر بنحو 8.4 تريليون ليرة قديمة بما يعادل قرابة 630 إلى 686 مليون دولار، وهو رقم ضخم يمثل نحو 13 بالمئة من إجمالي أصول القطاع المصرفي السوري.
دوافع المركزي؟
يبدو منطق المصرف المركزي مفهوماً من زاويتين أساسيتين تتمثلان في التشغيل والرقابة؛ فعدّ وتدقيق وإتلاف 13 مليار قطعة ورقية فردية يتطلب كلفة إدارية باهظة تجعل معالجة الطلبات الصغيرة خياراً غير مجدٍ اقتصادياً، فضلاً عن غاية مكافحة غسل الأموال وتجفيف منابع النقد مجهول المصدر المكتنز طوال سنوات الحرب، عبر إخضاع العمليات لمبدأ اعرف عميلك تمهيداً لتقييم دولي مرتقب في عام 2027. لكن المأزق يكمن في اصطدام هذه الأدوات الرقابية بجمهور واسع من صغار الحائزين، إذ يجد من يملك حيازة متفرقة لا تبلغ 100 ورقة من فئة محددة نفسه خارج القناة القانونية بالكامل، مجرداً من حقه في استرداد أمواله بسهولة دون مراعاة لتوزع هذه الحيازات البسيطة.
إنجازات تشغيلية وتناقضات إجرائية
في تحليله للمشهد النقدي، يؤكد الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم في حديثه مع "العين السورية" أن "النجاح التشغيلي الهائل الذي حققه المصرف المركزي بسحب 80 بالمئة من كتلة قوامها 13 مليار قطعة خلال سبعة أشهر يُعد إنجازاً بكل المقاييس في ظل ظروف البلاد، كما أن منح مهلة سحب لخمس سنوات كاملة يُعتبر سلوكاً مؤسسياً مسؤولاً يتجاوز ما فعلته دول أخرى".
إلا أن عبد الكريم يوضح أن "التصميم النهائي للمرحلة الأخيرة يخلط بين هدفين متعارضين؛ فهو يطبق أداة رقابية صارمة مخصصة لمواجهة الأموال الكبيرة المشبوهة في مواجهة جمهور غالبيته الساحقة من صغار الحائزين، مما يجعل الأداة تخطئ هدفها لتصيب من لا علاقة له بالملف". ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن "تحديد شرط 100 ورقة فصاعداً يعني خروج من يمتلك حيازات أقل من القناة القانونية، مما يخلق حافزاً للمراجحة وظهور وسطاء يجمعون الحيازات بخصم. ويتفاقم هذا الوضع بسبب المركزية الجغرافية وحصر الاستلام بدمشق، وكلفة الانتقال الباهظة من المحافظات البعيدة كالحسكة ودير الزور، فضلاً عن أزمة غياب الحسابات المصرفية في مناطق واسعة خرجت فيها الفروع عن الخدمة".
الوسطاء وولادة "السعر الثالث"
يشرح الخبير الاقتصادي كيف يتحول شرط الـ 100 ورقة من الفئة الواحدة إلى محفز مباشر لتنشيط السوق السوداء؛ فالعبرة هنا أصبحت بعدد الأوراق وليس بإجمالي القيمة. فعندما يمتلك المواطن حيازات مبعثرة لا تستوفي النصاب في أي فئة -كمن بحوزته 80 ورقة من فئة 5000 و60 ورقة من فئة 2000 بقيمة 520 ألف ليرة قديمة أيّ نحو 42 دولاراً- فإنه لا يستوفي الشرط في أي من الفئتين ويجد نفسه مطروداً خارج القنوات الرسمية. هذا الواقع يخلق حاجة ملحة لظهور وسطاء يقومون بتجميع هذه الأوراق المفردة حتى تكتمل رزم الـ 100 ورقة، محققين بذلك أرباحاً مضمونة وخالية من المخاطرة عبر ما يُعرف بعمليات المراجحة.
ولا تتوقف معضلة الخصم عند هذا الحد، بل تتفاقم بفعل عاملين إضافيين: الأول هو المركزية الجغرافية المتمثلة في حصر الاستلام بدمشق وحدها، مما يحمل سكان المحافظات البعيدة كالحسكة ودير الزور تكاليف تنقل وإقامة تجعل استرداد حيازة زهيدة أمراً غير مجدٍ، فيرضى صاحبها ببيعها بخصم يفوق 40 بالمئة تفادياً للضياع الكامل. والثاني هو شرط التحويل المصرفي في مناطق واسعة خرجت فيها الفروع عن الخدمة. ونتيجة لذلك، يتوقع عبد الكريم نشوء "سعر صرف ثالث" في الاقتصاد السوري يسعّر الليرة القديمة مقابل الجديدة بخصم متدرج جغرافياً يتراوح بين 10 و20 بالمئة في دمشق، ليصل إلى ما بين 35 و50 بالمئة في المحافظات الشرقية، وهو أخطر أنواع الأسعار الموازية لأنه يسعّر العملة الوطنية ضد نفسها.
مفارقة تبييض الأموال
يلفت عبد الكريم الانتباه إلى "مفارقة شديدة الخطورة مفادها أن الضوابط الموضوعة لمنع تبييض الأموال قد تنقلب عكسياً لتسهيلها؛ فكبار الحائزين لأموال ضخمة ومشبوهة يدركون أن أموالهم لن تصمد أمام التدقيق المركزي، وعليه ستكون مصلحتهم في تفتيت تلك المبالغ وتمريرها عبر شبكات واسعة من الأفراد الصغار ذوي الحسابات النظيفة، وهو الأسلوب الكلاسيكي المعروف بالتقسيم والتجزئة. وبذلك تُعاقب الإجراءات صغار الحائزين النظيفين، بينما تمنح كبار المتهربين غطاءً منظماً لتنظيف أموالهم".
ويعزز الخبير هذا الطرح بالاستشهاد بالتجربة الهندية عام 2016 عند سحب فئتي 500 و1000 روبية، حيث نشأت خلال أسابيع سوق موازية بخصومات وصلت إلى 40 بالمئة بسبب ضيق نوافذ الاسترداد وازدحامها، مؤكداً القاعدة الاقتصادية القائلة بأن حجم الخصم في السوق السوداء ليس دالة لقيمة العملة بل دالة لتصميم نافذة الاسترداد ذاتها. أما على الصعيد الكلي، فلا يرى عبد الكريم خطراً هيكلياً على سعر الصرف الرسمي المتقارب مع السوق الموازية بفجوة آمنة لا تتجاوز 9 بالمئة، معتبراً أن الأوراق التي لن تعود للمركزي ستشكل مكسب إصدار انكماشي يحسن استقرار الليرة، لكنه مكسب يُدفع ثمنه اجتماعياً من جيوب الأفقر والأبعد.
حلول فنية عملية
يختتم الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم تحليله بالتأكيد على أن "القرار سليم في غايته وناقص في تصميمه، والعلاج متاح عبر ثلاثة تعديلات تقنية بسيطة لا تمس الهدف الرقابي؛ تبدأ بربط الشرط بالقيمة الإجمالية الصافية لا بعدد الأوراق عبر اعتماد حد أدنى معقول يعادل 20 أو 30 دولاراً لاستبعاد الطلبات الشكلية دون إقصاء أحد، وتمر باعتماد فروع المصارف الحكومية في المحافظات كنقاط استقبال وتوثيق فقط مع إبقاء التدقيق مركزياً في دمشق لإلغاء تكلفة التنقل الباهظة، وتنتهي بمعالجة أزمة الحسابات المصرفية بالسماح بفتح حسابات أساسية مبسطة أو محافظ إلكترونية فورية للمستفيدين لتعزيز الشمول المالي". كما يشدد الخبير على أن المعركة الحقيقية في الأيام المتبقية هي معركة إعلامية بامتياز، تتطلب رسائل حكومية حاسمة تؤكد أن ما بعد الثلاثين من تموز ليس إلغاءً للحق بل تعقيداً لاستيفائه، لقطع الطريق أمام الوسطاء الذين يتاجرون بالخوف، وحماية الثقة العامة من مشهد مؤلم يبيع فيه المواطن نقده الوطني بخصم مجحف لوسيط في سوق سوداء تلتهم ما تبقى من أمان مالي.


