سوريا - صحة
الفيتامينات بين خطورة النقص و الزيادة
ا
العين السورية
نشر في: ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٠٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

كثيراً ما نتعامل مع الفيتامينات باعتبارها مكملات صحية يمكن تناولها بصورة عشوائية كلما شعرنا بالتعب أو الإرهاق، وكأن زيادة الجرعة تعني بالضرورة صحة أفضل. لكن الحقيقة الطبية مختلفة تماماً فالفيتامينات مواد يحتاجها الجسم بكميات صغيرة جداً إلا أن تأثيرها يمتد إلى المناعة والدماغ والأعصاب والدم والعظام والجلد والعيون والاستقلاب.
احتياج
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن جسم الإنسان يحتاج إلى 13 فيتاميناً أساسياً إضافة إلى عدد من المعادن وأن نقص المغذيات الدقيقة قد تؤدي إلى مشكلات صحية خطيرة.
والأهم أن المشكلة لا تكمن فقط في النقص فبعض الفيتامينات يمكن أن تتحول جرعاتها الزائدة إلى مشكلة صحية حقيقية خصوصاً الفيتامينات القابلة للذوبان في الدهون مثل A وD وE وK والتي يستطيع الجسم تخزينها لفترات أطول.
فيتامين A ضروري للرؤية وسلامة الجلد والاغشية المخاطية ووظيفة الجهاز المناعي. نقصه الشديد قد يؤدي إلى مشكلات في الرؤية الليلية وجفاف العين وقد يصل في الحالات المتقدمة إلى العمى وهو من الأسباب المهمة للعمى القابل للوقاية لدى الأطفال في بعض المناطق حول العالم.
لكن تناول جرعات عالية منه خصوصاً من المكملات أو مشتقات الريتينول قد تؤدي إلى سمية تشمل الصداع والغثيان واضطرابات الكبد والعظام. كما أن الجرعات المرتفعة من فيتامين A قبل الولادة قد تكون خطرة على الجنين لذلك لا ينبغي التعامل معه كفيتامين "تجميل" يؤخذ بلا حساب.
وبالنسبة لمجموعة فيتامين B فهي ليست فيتامينا واحداً بل مجموعة واسعة لها أدوار أساسية في انتاج الطاقة وعمل الجهاز العصبي وتكوين خلايا الدم.
ويعد B12 من أهمها اذ يؤدي نقصه إلى فقر الدم واضطرابات عصبية قد تظهر على شكل تنميل، ضعف، اضطراب في التوازن أو مشكلات معرفية.
ويزداد خطر نقصه لدى كبار السن وبعض الأشخاص الذين يعانون من مشكلات في امتصاصه أو يتبعون أنظمة غذائية تستبعد المصادر الحيوانية.
أما حمض الفوليك B9 فهو بالغ الأهمية أثناء الحمل لأن نقصه يرتبط بعيوب الأنبوب العصبي لدى الجنين ولذلك فإن الوقاية من نقص الفولات قبل الحمل وخلال مراحله المبكرة جزء أساسي من الرعاية الصحية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى ارتباط نقص الفولات وB12 وغيرها من المغذيات بفقر الدم.
مخاطر
لكن حتى الفيتامينات المائية ليست دائماً بلا مخاطر فالجرعات العالية المزمنة من B6 على سبيل المثال يمكن أن تسبب اعتلالاً عصبياً ولذلك فعبارة " فيتامينات B تخرج مع البول " لا تعني أن الجرعات الكبيرة آمنة دائماً.
ويعتبر فيتامين C ضرورياً لتكوين الكولاجين والتئام الجروح وصحة الأنسجة ويساعد كذلك على امتصاص الحديد من المصادر النباتية.
نقصه الشديد والمطول قد يؤدي إلى الإسقربوط مع نزف اللثة وضعف التئام الجروح والإرهاق، لكن الجرعات العالية منه قد تسبب الإسهال والمغص وقد تزيد خطر تشكل حصيات الأوكزالات لدى بعض الأشخاص المعرضين لذلك.
كما يعتبر فيتامين D من أكثر الفيتامينات التي يطلب فحصها وتناول مكملاتها في السنوات الأخيرة، وهو ضروري لتنظيم الكالسيوم وصحة العظام والعضلات ونقصه قد يرتبط بضعف العظام والكساح لدى الأطفال ولين العظام لدى البالغين، وقد يكون أكثر شيوعاً لدى الأشخاص قليلي التعرض للشمس أو الذين لديهم عوامل أخرى تؤثر في مستواه.
لكن الإفراط في تناول مكملات فيتامين D يمكن ان يؤدي إلى ارتفاع الكالسيوم في الدم وما يرافقه ذلك من غثيان وعطش واضطرابات كلوية وقد يصل إلى أذية الكلى في حالات التسمم الشديدة.
لذلك فإن علاج النقص يجب أن يكون بجرعة مناسبة ومبنية على الحالة لا على فكرة "كلما ارتفع مستوى الفيتامين كان أفضل"
ويعمل فيتامين E كمضاد أكسدة وله وظائف مهمة في الجسم لكن الجرعات العالية من المكملات قد تزيد مخاطر النزف، خصوصاً عند الأشخاص الذين يتناولون أدوية مميعة للدم.
أما فيتامين K فهو أساسي لعملية تخثر الدم وصحة العظام ونقصه قد يؤدي إلى النزف كما أن تناوله قد يتداخل مع بعض الأدوية المضادة للتخثر ولذلك يجب الانتباه إلى ذلك طبياً.
أسباب النقص
ولا يعني النقص دائماً إلى أن الشخص لا يأكل جيداً فقد ينتج عن سوء الامتصاص أو بعض أمراض الجهاز الهضمي أو بعض الأدوية أو الحمل أو التقدم في العمر أو اتباع حميات غذائية مقيدة جداً.
كما أن الاحتياجات تختلف حسب العمر والجنس والحالة الصحية والحمل والرضاعة.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن أفضل أساس للوقاية هو النظام الغذائي المتنوع الذي يجمع الخضار والفواكه والحبوب الكاملة والبقوليات والمكسـرات والبذور ومصـادر البروتين مع اســـتخدام التدعيم الغذائي أو المكملات عند الحـاجة الطبية.
رؤية " العين السورية"
من وجهة نظري كطبيب، أكبر خطأ نرتكبه اليوم هو تحويل الفيتامينات من علاج لنقص مثبت أو حاجة واضحة إلى عادة يومية عشوائية.
أصبحنا نرى شخصاً يتناول فيتامين D وآخر B12 وثالثاً الحديد ورابعاً مجموعة كاملة من الفيتامينات من دون أن يعرف إن كان يعاني فعلاً من نقص أو ما الجرعة المناسبة له.
أنا لا أعارض المكملات على الإطلاق بل أراها أدوات علاجية مهمة عندما يكون استخدامها في المكان والجرعة والمدة الصحيحة، لكنني أعارض فكرة أن الفيتامينات "آمنة مهما كانت الجرعة" لأن بعض أضرارها قد تكون حقيقية وخطيرة.
رسالتي الطبية هنا واضحة: الغذاء المتوازن هو خط الدفاع الأول والتحاليل والفحص الطبي هما الطريق لتمديد النقص والمكملات تأتي عندما تكون هناك حاجة حقيقية إليها. فالصحة لا تتحقق من خلال رفع أرقام الفيتامينات في التحاليل إلى أقصى حد وإنما من خلال الوصول إلى المستوى المناسب الذي يحتاجه الجسم.
وفي النهاية.. بما أن نقص الفيتامينات قد يمرضنا فإن الإفراط فيها قد يفعل الشيء نفسه والطب الحقيقي لا يبحث عن "الأكثر" بل عن المناسب.


