سوريا - فن
" مولانا" بين سلطة العسكر ورجل الدين المخلص
ا
العين السورية
نشر في: ١٤ مارس ٢٠٢٦، ١٢:٤٣عدل في: ١٤ مارس ٢٠٢٦، ١٢:٤٣
3 دقيقة
0

يواصل مسلسل " مولانا " الذي يعُرض حالياً, تصدره مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات وعدد من المحطات التلفزيونية, بعد أن حقق حضوراً لافتاً منذ حلقاته الأولى.
وهو ينتمي إلى فئة الدراما الاجتماعية – السياسية المعاصرة, التي ترصد دور المؤسسة العسكرية والدينية في إدارة شؤون قرية " العادلية " المنسية, التي يعيش سكانها تحت سطوة العسكر و الحواجز الأمنية والفساد والنهب والاعتقالات, و يتطلعون لقدوم " المخلّص " وسط أجواء من الخيال والأسطورة والعالم الافتراضي, وتصاعد مستمر في الأحداث.
تنطلق أحداث العمل من حادثة واقعية صادمة تتمثل بجابر ( تيم حسن ) الرجل الفقير المهمّش الذي يقتل صهره رجل الأمن المجرم بعد اعتدائه على أخته بالضرب العنيف واذلالها وإهانتها بكل وحشية واستكبار أمام أطفالها.
وأثناء هروبه يتعرف على " سليم العادل " العائد من كندا إلى القرية للحصول على ميراث جده الذي كان يحظى بمكانة شبه مقدسة بين سكانها, ولكن تشاء الصدف أن يتعرض الاثنان لحادث سير خطير يفُضي إلى مقتل " سليم " وانتحال شخصيته من قبل " جابر " الذي يصل إلى القرية الحدودية محاطاً بالاحتفالات والمباركا ت, ليطلق عليه الأهالي لقب " مولانا ", ويدخل في لعبة خطيرة أكبر منه بكثير ويصبح شخصية روحية دينية اجتماعية مرموقة, تنجح في بثّ الأمل والعزيمة على الاستمرار في مواجهة رجال السلطة وأطماعهم بأراضي و ممتلكات سكان القرية.
تكشف تفاصيل الأحداث جوانب خفيّة من شخصية " مولانا " وصراعاته الداخلية النفسية, وعلاقاته المعقدة مع المحيطين به، وجوانب من الصراع السلطوي بينه و بين العسكر, وتجمع شخصيته بين الدراما والفكاهة ولا تخلو من لحظات خفيفة ذات طابع كوميدي رغم كل ما يحيط بها من قداسة ودلالات دينية.
أما العمل فقد قدم منذ بداية عرضه جرعات درامية مشوّقة وإيقاعاً سريعاً وامتلك عناصر جذب المشاهدين والنقاد بالأداء المدروس رفيع المستوى, والمشهد البصري السينمائي الناضج.
تمثل الثكنة العسكرية فيه العمود الفقري للنظام السياسي المصغر في القرية, وتؤكد حضور أدوات القمع والعنف والفساد عبر الألغام المزروعة في الأرض, والسيطرة على الموارد والطرقات والمداهمات الليلية, ومنع التجول والتدخل بكل صغيرة وكبيرة.
وتتواصل باستمرار عبر عناصر الجيش والأمن مع الغطاء الديني كعنصر استكمال للبنية السلطوية. وهذا يذكرنا بالنظام البائد الذي سخّر المؤسسات الديني ة ورجال الدين خلال عقود طويلة لدعمه والدفاع عن سردياته وأكاذيبه وإجرامه, مقابل المال والمناصب والحماية.
ذكر بعض النقاد أن هناك تقاطعات عديدة بين المسلسل والفيلم الإيراني الكوميدي" السحلية " , " مارمولك " أشهر الأفلام الإيرانية في العقد الأول من الألفية, إخراج:
كمال تبريزي 2004 , وقصته تدور حول لص يهرب من السجن متنكراً بزي رجل دين, ويجد نفسه فجأة في قرية حدودية. بينما رأى آخرون أنه يتشابه مع الفيلم المصري " الحدق يفهم " للمخرج أحمد فؤاد.
والتشابه عموماً ليس تهمة من حيث المبدأ
في " مولانا " الذي يتواصل عرضه خلال الشهر الكريم, يلعب النجم ) تيم حسن( دور الرجل المنتمي لعائلة ذات قدسية قديمة, وقد أدّاه بحرفية عالية, معتمداً على دراسة تفاصيل الشخصية بدقة, ابتداءً من حركة الجسد ونبرة الصوت, وانتهاءً بإدارة التوتر الداخلي بلا مبالغة أو استعراض, وكان مجتهداً ومتنوعاً باستمرار وصاحب حضور طاغ , كما أكدت الآراء. وقد اكتسحت " الأفيهات " التي قام بها مواقع التواصل الاجتماعي من خلال تقليده للشخص الذي انتحل شخصيته, ويلثغ بحرف الجيم, وتقليده الساخر للرئيس المخلوع بشار الأسد, ضمن سياقٍ كوميدي جريء, وكان بطلاً غير تقليدي, ورجلاً يحاول النجاة كل يوم داخل دور لا يشبهه أبداً .
وقد تحدث عن مشاركته بالعمل واصفاً المواقف الكوميدية التي جاءت كمقترحات منه أثناء التصوير بـ " البهارات ", التي تضيف حيوية للمشهد وتعزز حضور الشخصية, وقال إنه يعتبر نفسه صانع شخصية جابر الهارب من جمر ماضيه ونبذ المجتمع له.
وتؤدي السيدة ) منى واصف ( الفنانة الكبيرة دور " جورية " في العمل وهي المرأة الأكبر سناً في القرية, والحافظة لإرث العائلة ذات الرمزية المقدسة, وهذا الدور محوري ساهم في تكريس صورة رجل الدين في المخيال الشعبي, وقد عبرت عن سعادتها بالتعاون مع تيم حسن للمرة العاشرة, وهي التي افتتحت بصوت محترف أقرب إلى الإلقاء الغنائي منه إلى الطرب شارة المسلسل, ومنحتها طابعاً وجدانياً .
بينما يؤدي الفنان ) فارس الحلو ( دور العقيد " كفاح " رجل السلطة المجرم والفاسد بحرفية عالية وأداء منضبط, رغم معارضته لهذه النماذج من الشخصيات السلطوية في الواقع, ولكنه عاد الآن للدراما السورية بعد غياب طويل, وعودته قدمت ثقلاً إضافياً للعمل. وقد أعرب عن أمله في أن يشكل دوره عودة قوية, واصفاً التجربة بأنها: " خلق عمل جديد, يبقى في الذاكرة. "
وخطفت الفنانة ) نانسي خوري ( في دور " زينة " القلوب والاهتمام بأدائها البسيط العفوي واحساسها العميق المدهش, كما سجلت الفنانة ) نور علي ( والفنان ) علاء الزعبي ( حضوراً مقنعاً قوياً, إضافة إلى الفنان ) وسيم قزق ( الذي جسّد دوراً مركب اً وصعباً, وكان واحداً من الوجوه اللامعة لهذا العام .
المخرج سامر البرقاوي الذي ينطلق دائماً من الشغف كما يقول, ويبحث عن المختلف والجديد دائماً, قدّم في " مولانا " مستوى فنياً رائعاً, وقال: " اعتمدت في المسلسل على أسلوب أكثر جرأة من السابق, بعوالم قد تبدو افتراضية لكن لها اسقاطات على الواقع, وتعكس أوضاع السوريين المعق دة ووجع الناس. "
المسلسل قصة: لبنى حداد. سيناريو وحوار: كفاح زيني – باسل الفاعور – يوسف م.
شرقاوي, بطولة: تيم حسن – منى واصف – فارس الحلو – نانسي خوري – نور علي – علاء الزعبي – سلافة عويشق وغيرهم.
صُوّر في وادي شحرور بلبنان, والمؤسف أن اللبناني محمد شها ب المخرج ومصور الطائرات المسيرة ) الدرون ( الذي شارك في العمل استشُهد مع ابنته الصغيرة, إثر الغارة الإسرائيلية التي استهدفت مبنى في منطقة عرمون جنوب بيروت, وقد أثار استشهاده حالة واسعة من الحزن والتفاعل وصدمة كبيرة في الأوساط الفنية والإعلامية.


