سوريا - اقتصاد
من الحقل السوري إلى الرفّ الأجنبي.. منتجات تعبر الحدود وتفقد هويتها التجارية
المشكلة لا تكمن في الإنتاج وحده.. التتبع والتعبئة والتفتيش والقيمة المضافة تحدد ما إذا كان المنتج سيصل إلى الأسواق باسمه السوري
ه
هبة الكل
نشر في: ٨ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٨:٣٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بين وفرة الإنتاج الزراعي وضآلة ما يتحول منه إلى صادرات ذات قيمة مضافة، تقف الزراعة السورية أمام معادلة لا تحسمها كمية المحصول وحدها. 
التصدير منظومة
ولا تتوقف المشكلة عند المنتج الزراعي نفسه، إذ يرى الشالط أن التصدير منظومة متكاملة تشمل المزارع ومراكز التوضيب والتعبئة والمختبرات وشركات التفتيش والناقلين والجهات الحكومية والمستورد. ولذلك يدعو إلى تنظيم عمل شركات التفتيش المستقلة، وتحديث التشريعات الخاصة بالمبيدات والأسمدة، وتوفير بدائل آمنة تتوافق مع متطلبات الأسواق العالمية، إلى جانب تخفيف القيود الجمركية والإدارية على مستلزمات التصدير من العبوات وآلات الفرز والتعبئة إلى البذور والأسمدة ووسائل النقل والتبريد.
وبين جوهر المشكلة، ليس في قدرة سوريا على إنتاج فائض زراعي فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذا الفائض إلى منتج تصديري يحتفظ بجودته وقيمته واسمه، فكلما خرج المنتج خاماً أو غير موثق أو ضعيف التعبئة، ازدادت احتمالات أن يستكمل آخرون سلسلة القيمة خارج سوريا، ليصل إلى المستهلك بمنتج يحمل قيمة أعلى، لكن بهوية سورية مفقودة.
معركة التصدير والاكتفاء الذاتي
من جهته، يرفض الخبير التنموي أكرم العفيف النظر إلى تصدير زيت الزيتون باعتباره خسارة للاقتصاد السوري، مؤكداً على أن الاقتصاد الإنتاجي القوي يحتاج إلى التصدير وفتح الأسواق الخارجية، وأن سوريا، بما تمتلكه من ملايين أشجار الزيتون، مطالبة برفع إنتاجية الأشجار، وتحسين جودة الزيت والزيتون، وتطوير قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وفي المقابل، يشدد العفيف على أن التصدير يجب ألا يأتي على حساب السوق المحلية، إذ تبقى الأولوية لتأمين احتياجاتها وتحقيق الاكتفاء الذاتي، قبل توجيه الفائض إلى الخارج، مشيراً إلى أن التحدي لا يكمن في تصدير الإنتاج بحد ذاته، بل في زيادة الإنتاجية، وخفض تكاليف الإنتاج، والارتقاء بالجودة، بما يحول الزراعة من قطاع يحتاج إلى دعم إلى قطاع إنتاجي قادر على توليد فرص العمل ورفد الاقتصاد بالقطع الأجنبي.
فالسوق الخارجية لا تشتري المنتج كما يخرج من الحقل، بل تشتري جودة موثقة، وتعبئة مناسبة، وتتبعاً واضحاً، ونقلاً يحافظ على خصائصه، وهوية تجارية قادرة على المنافسة.
وفي الوقت الذي تجد فيه منتجات سورية طريقها إلى أسواق إقليمية مهمة، كأسواق الخليج العربي وأوروبا، إلا أنه لا تزال كميات من هذه المنتجات تغادر البلاد بصورتها الأولية، لتُعاد تعبئتها أو تسويقها تحت علامات أخرى.
وفي الوقت الذي تجد فيه منتجات سورية طريقها إلى أسواق إقليمية مهمة، كأسواق الخليج العربي وأوروبا، إلا أنه لا تزال كميات من هذه المنتجات تغادر البلاد بصورتها الأولية، لتُعاد تعبئتها أو تسويقها تحت علامات أخرى.
فتضيع معها حصة من القيمة المضافة والهوية السورية، وبين فائض يحتاج إلى تأهيل، وأسواق تلتزم بشروطها، يبرز التحدي الحقيقي في كيفية تحول سوريا من بلد يصدّر فائضه الزراعي إلى بلد يصنع منتجاً تصديرياً يحمل اسمه وقيمته إلى الأسواق العالمية.
فقدان الهوية
تسجل الصادرات السورية تعافياً تدريجياً، وتحقق المنتجات الزراعية حضوراً متزايداً في الأسواق الإقليمية، مع تسجيل الصادرات الزراعية السورية إلى السعودية وحدها نحو 250 مليون دولار خلال عام 2025، إلا أن هوية جزء من المنتج السوري وقيمته المضافة تواجهان عقبات هيكلية تُجرّده من علامته التجارية وحقه في القيمة المضافة.
فقدان الهوية
تسجل الصادرات السورية تعافياً تدريجياً، وتحقق المنتجات الزراعية حضوراً متزايداً في الأسواق الإقليمية، مع تسجيل الصادرات الزراعية السورية إلى السعودية وحدها نحو 250 مليون دولار خلال عام 2025، إلا أن هوية جزء من المنتج السوري وقيمته المضافة تواجهان عقبات هيكلية تُجرّده من علامته التجارية وحقه في القيمة المضافة.
❝د. ياسر العليوي: بيع زيت الزيتون بصورته الخام وإعادة تعبئته خارج البلاد يفقد سوريا جزءاً من القيمة المضافة والهوية التجارية للمنتج❞ولعل قطاع زيت الزيتون خير مثال لقيمة الضياع، إذ قدّرت وزارة الزراعة أن يبلغ إنتاج ثمار الزيتون في الموسم الحالي نحو 954.7 ألف طن، ينتج عنها قرابة 190.9 ألف طن من زيت الزيتون، مع توقعات رسمية بوجود فائض قابل التصدير.

إلا أن هذا الفائض لا ينعكس على حضور اسم سوريا في الأسواق الخارجية، إذ يغادر المنتج الحدود كمادة خام، ثم يجرى عليه عمليات التكرير والتعبئة، ويعاد طرحه في المتاجر العالمية تحت علامة تجارية أخرى، ما يكشف جانباً من التحدي في انتقال سوريا من تصدير فائض زراعي إلى إنتاج سلع تصديرية تحمل اسمها وقيمتها وتنافسيتها إلى الأسواق الخارجية.
معضلة المواصفات
في مقاربته لهذه الفجوة، يوضح مدير هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية SASMO، الدكتور ياسر العليوي، أن المعوقات التي تواجه تصدير زيت الزيتون السوري بهويته، لا تعود إلى غياب المواصفة القياسية الوطنية، بل ترتبط بحزمة من العوامل الهيكلية والتسويقية والتكليفية التي تؤثر مباشرة على قدرته التنافسية في الأسواق الخارجية، تتلخص في:
معضلة المواصفات
في مقاربته لهذه الفجوة، يوضح مدير هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية SASMO، الدكتور ياسر العليوي، أن المعوقات التي تواجه تصدير زيت الزيتون السوري بهويته، لا تعود إلى غياب المواصفة القياسية الوطنية، بل ترتبط بحزمة من العوامل الهيكلية والتسويقية والتكليفية التي تؤثر مباشرة على قدرته التنافسية في الأسواق الخارجية، تتلخص في:
ارتفاع تكاليف الإنتاج، تراجع الإنتاجية في المواسم الأخيرة بفعل شح الأمطار، فضلاً عن ضعف تطبيق الممارسات الزراعية الجيدة في الحقول والمعاصر، ومحدودية مراكز التعبئة النظامية.
ويشير الدكتور العليوي في حديثه لموقع "العين السورية" إلى أن الزيت السوري يتميز بتنوع أصنافه وبيئاته الجغرافية وخصائصه الطبيعية، التي قد لا تتوافق أحياناً مع الحدود المعتمدة حالياً في المواصفات الدولية، ومن بينها قيمة مؤشر Δ-7-Stigmastenol المرتفعة، (وهو أحد المؤشرات الكيميائية المستخدمة في تقييم نقاوة وأصالة زيت الزيتون).
ويشير الدكتور العليوي في حديثه لموقع "العين السورية" إلى أن الزيت السوري يتميز بتنوع أصنافه وبيئاته الجغرافية وخصائصه الطبيعية، التي قد لا تتوافق أحياناً مع الحدود المعتمدة حالياً في المواصفات الدولية، ومن بينها قيمة مؤشر Δ-7-Stigmastenol المرتفعة، (وهو أحد المؤشرات الكيميائية المستخدمة في تقييم نقاوة وأصالة زيت الزيتون).

مؤكداً أن هذه القيمة لا تعني بحدّ ذاتها وجود غش أو انخفاضاً في جودة الزيت، وإنما قد ترتبط بالصنف والمنطقة والبيئة، وهو ما دفع الهيئة إلى المشاركة في أعمال هيئة الدستور الغذائي Codex Alimentarius وقيادة مجموعة عمل إلكترونية لجمع بيانات عن زيوت الزيتون بهدف توفير بيانات علمية تمثل الزيت السوري، للمساهمة في تطوير الحدود والمعايير الدولية بما يعكس التنوع الطبيعي لزيوت الزيتون في البلدان المنتجة.
بحسب الدكتور العليوي، تمتلك سوريا مواصفة قياسية سورية ناظمة لجودة وسلامة زيت الزيتون، وهي مطبقة في مختبرات الرقابة المحلية، إلا أن التحدي اليوم يتمثل في جاهزية البنية التحتية المخبرية، وتأهيل الكوادر، وتوفير التجهيزات الحديثة القادرة على إجراء الاختبارات المطلوبة وفق المستويات الدولية.
❝خالد الشالط: فقدان المنتج السوري لهويته التنافسية يبدأ أحياناً من عدم استيفاء متطلبات الجودة، ثم يتفاقم خلال التوضيب والتعبئة والنقل❞تحديات وعقبات
بحسب الدكتور العليوي، تمتلك سوريا مواصفة قياسية سورية ناظمة لجودة وسلامة زيت الزيتون، وهي مطبقة في مختبرات الرقابة المحلية، إلا أن التحدي اليوم يتمثل في جاهزية البنية التحتية المخبرية، وتأهيل الكوادر، وتوفير التجهيزات الحديثة القادرة على إجراء الاختبارات المطلوبة وفق المستويات الدولية.
ويشير إلى أن البلاد كانت تمتلك مختبراً متخصصاً بزيت الزيتون حصل سابقاً على اعتماد من المجلس الدولي للزيتون IOC خلال الفترة 2008–2011، ويجري العمل حالياً على إعادة تأهيله وتطوير قدراته، بما يسهم في تعزيز موثوقية نتائج التحليل ودعم تنافسية المنتج السوري في الأسواق الخارجية.
ولحماية الهوية وعبارة “صنع في سوريا”.
ولحماية الهوية وعبارة “صنع في سوريا”.
ويوضح الدكتور العليوي أن بيع زيت الزيتون بصورته الخام وإعادة تعبئته خارج البلاد يفقد سوريا جزءاً من القيمة المضافة والهوية التجارية للمنتج، مؤكداً دعم الهيئة لإنشاء مراكز وتجمعات متخصصة للتعبئة والمطابقة تكون نموذجاً تطبيقياً للمواصفات، فالمواصفة السورية من وجهة نظره، ليست مجرد قانون تنظيمي، بل أداة لبناء الثقة وفتح الأسواق وتعزيز التنافسية، لتحقيق هدف خروج المنتجات السورية إلى الأسواق العالمية لا كخامات، بل كعلامة تجارية.
كما يدعو إلى تكامل جهود جميع الجهات المعنية بالزراعة والجودة والاعتماد، من المزرعة والمعصرة مروراً بالتعبئة والتخزين والنقل وصولاً إلى الأسواق، لبناء منظومة وطنية متكاملة للجودة والتتبع، تعزز ثقة المستهلك السوري والمستورد الخارجي
خلفيات غير مرئية
يضع خبير التصدير والتفتيش الزراعي خالد الشالط يده على الجوانب الفنية التي تُغفلها آليات التصدير التقليدية، مقدّراً أن 80% إلى 90% من الإنتاج الزراعي الصالح للاستهلاك المحلي قد لا يكون صالحاً للتصدير، بسبب متطلبات التتبع والممارسات الزراعية والرقابة على بقايا المبيدات، إلى جانب الفرز والتعبئة والتبريد والتوثيق.
كما يدعو إلى تكامل جهود جميع الجهات المعنية بالزراعة والجودة والاعتماد، من المزرعة والمعصرة مروراً بالتعبئة والتخزين والنقل وصولاً إلى الأسواق، لبناء منظومة وطنية متكاملة للجودة والتتبع، تعزز ثقة المستهلك السوري والمستورد الخارجي
خلفيات غير مرئية
يضع خبير التصدير والتفتيش الزراعي خالد الشالط يده على الجوانب الفنية التي تُغفلها آليات التصدير التقليدية، مقدّراً أن 80% إلى 90% من الإنتاج الزراعي الصالح للاستهلاك المحلي قد لا يكون صالحاً للتصدير، بسبب متطلبات التتبع والممارسات الزراعية والرقابة على بقايا المبيدات، إلى جانب الفرز والتعبئة والتبريد والتوثيق.
ويرى الشالط أن فقدان المنتج السوري لهويته التنافسية يبدأ أحياناً من عدم استيفاء متطلبات الجودة، ثم يتفاقم خلال التوضيب والتعبئة والنقل، وصولاً إلى السوق المستوردة، حيث قد يُعاد تعبئته وتسويقه تحت اسم أو علامة أخرى، فتضيع معه حصة من القيمة المضافة والهوية السورية.
ويؤكد الشالط أن التصدير لا ينبغي أن يكون مجرد تصريف للفائض، بل عملية تبدأ قبل الزراعة بتحديد السوق المستهدفة لجهة نوع الصنف الزراعي وطريقة الإنتاج والحجم واللون ودرجة النضج والتعبئة وفق متطلبات المستورد، فعبارة مطابق للمواصفات الدولية لا تكفي، وذلك لأن لكل سوق متطلباته الخاصة، وقد يؤدي اختلاف صغير في العبوة أو الملصق أو مواصفات المنتج إلى رفض الشحنة، وينطبق ذلك على زيت الزيتون الذي يمتلك، بحسب الشالط، مقومات المنافسة من حيث الجودة والكمية والسعر، لكنه يحتاج إلى منظومة موحدة للتفتيش والتتبع تمتد من المزرعة إلى التصدير.
ويؤكد الشالط أن التصدير لا ينبغي أن يكون مجرد تصريف للفائض، بل عملية تبدأ قبل الزراعة بتحديد السوق المستهدفة لجهة نوع الصنف الزراعي وطريقة الإنتاج والحجم واللون ودرجة النضج والتعبئة وفق متطلبات المستورد، فعبارة مطابق للمواصفات الدولية لا تكفي، وذلك لأن لكل سوق متطلباته الخاصة، وقد يؤدي اختلاف صغير في العبوة أو الملصق أو مواصفات المنتج إلى رفض الشحنة، وينطبق ذلك على زيت الزيتون الذي يمتلك، بحسب الشالط، مقومات المنافسة من حيث الجودة والكمية والسعر، لكنه يحتاج إلى منظومة موحدة للتفتيش والتتبع تمتد من المزرعة إلى التصدير.
التصدير منظومة
ولا تتوقف المشكلة عند المنتج الزراعي نفسه، إذ يرى الشالط أن التصدير منظومة متكاملة تشمل المزارع ومراكز التوضيب والتعبئة والمختبرات وشركات التفتيش والناقلين والجهات الحكومية والمستورد. ولذلك يدعو إلى تنظيم عمل شركات التفتيش المستقلة، وتحديث التشريعات الخاصة بالمبيدات والأسمدة، وتوفير بدائل آمنة تتوافق مع متطلبات الأسواق العالمية، إلى جانب تخفيف القيود الجمركية والإدارية على مستلزمات التصدير من العبوات وآلات الفرز والتعبئة إلى البذور والأسمدة ووسائل النقل والتبريد.

وبين جوهر المشكلة، ليس في قدرة سوريا على إنتاج فائض زراعي فحسب، بل في قدرتها على تحويل هذا الفائض إلى منتج تصديري يحتفظ بجودته وقيمته واسمه، فكلما خرج المنتج خاماً أو غير موثق أو ضعيف التعبئة، ازدادت احتمالات أن يستكمل آخرون سلسلة القيمة خارج سوريا، ليصل إلى المستهلك بمنتج يحمل قيمة أعلى، لكن بهوية سورية مفقودة.
معركة التصدير والاكتفاء الذاتي
من جهته، يرفض الخبير التنموي أكرم العفيف النظر إلى تصدير زيت الزيتون باعتباره خسارة للاقتصاد السوري، مؤكداً على أن الاقتصاد الإنتاجي القوي يحتاج إلى التصدير وفتح الأسواق الخارجية، وأن سوريا، بما تمتلكه من ملايين أشجار الزيتون، مطالبة برفع إنتاجية الأشجار، وتحسين جودة الزيت والزيتون، وتطوير قدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
وفي المقابل، يشدد العفيف على أن التصدير يجب ألا يأتي على حساب السوق المحلية، إذ تبقى الأولوية لتأمين احتياجاتها وتحقيق الاكتفاء الذاتي، قبل توجيه الفائض إلى الخارج، مشيراً إلى أن التحدي لا يكمن في تصدير الإنتاج بحد ذاته، بل في زيادة الإنتاجية، وخفض تكاليف الإنتاج، والارتقاء بالجودة، بما يحول الزراعة من قطاع يحتاج إلى دعم إلى قطاع إنتاجي قادر على توليد فرص العمل ورفد الاقتصاد بالقطع الأجنبي.


