سوريا - اقتصاد
من أبراج الفخامة إلى عشوائيات الفقر.. هواجس على مستقبل السكن الشعبي
م
منير الرفاعي
نشر في: ١١ يوليو ٢٠٢٦، ٠٩:١١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يعتري السوق العقاري السوري تناقضاً صارخاً.. ازدهار ظاهري في المشاريع الفاخرة والأبراج الشاهقة، يقابله جمود شبه تام في توفير مساكن ميسورة التكلفة لملايين المواطنين.
وتحول العقار تدريجياً من أداة تلبي الحاجة السكنية الأساسية إلى وعاء لتجميد رؤوس الأموال وحفظ القيمة، مما يُعمق الفجوة الاجتماعية والعمرانية ويهدد تماسك المدن السورية.
الفجوة السعرية
يرفض خبير التقييم العقاري الدكتور أنور وردة اختزال أزمة السوق في "فجوة" عامة بين السعر والتكلفة. فالأسعار الحالية، بحسب منطق السوق، متناسبة تماماً مع تكاليف الإنتاج التي تشمل قيمة الأرض والندرة ومستوى المخاطر وهوامش الربح.
أما المشكلة الحقيقية ـ برأيه ـ فتكمن في "الفجوة المزمنة بين السعر ودخل الفرد والقوة الشرائية". فعندما يتجاوز سعر طن الإسمنت أو الحديد راتب موظف لأشهر عدة، يصبح الحديث عن أسعار "مرتفعة" وصفًا سطحيًا.
فشل سياسات متراكمة
يحمّل الدكتور وردة في حديثه لـ " العين السورية"، السياسات المتعاقبة مسؤولية كبرى في تعميق هذه الهوة، مع الإقرار بتعقيدات استثنائية مثل تداعيات الحرب والعقوبات وتراجع الإنتاج وهجرة الرساميل. ويرى أن المضاربة العقارية موجودة لكنها "في أبسط صورها" مقارنة بالأسواق العالمية، ولا يمكن تحميلها وحدها مسؤولية الجمود؛ فهي انعكاس لعوامل هيكلية أعمق.
تضخم خفي
من جانبه، يؤكد الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم أن تركيز الاستثمارات في قطاع "النخبة" (بقيمة تقدر بـ4-6 مليارات دولار) يولد تضخمًا خفيًا عبر "المرجعية السعرية". فمشاريع مثل يعفور 963، التي تصل أسعار المتر فيها إلى 2500 دولار، ترفع إيجارات المناطق المجاورة بنسب تصل إلى 25%، بغض النظر عن دخل السكان. كما يؤدي برأي عبد الكريم في حديثه مع ـ "العين السورية" تجميد السيولة في أصول غير منتجة إلى هدر فرص تنموية، خاصة في اقتصاد يعاني تضخمًا عرضيًا ناتجًا عن قيود الإنتاج.
هروب المطورين من الإسكان الميسر
يصف الدكتور وردة المطور العقاري بأنه "تاجر استثماري" يسعى للربح الأكبر في أقصر وقت ممكن. وبالتالي، فإن هروبه من قطاع الإسكان الشعبي ليس موقفًا أخلاقيًا، بل استجابة منطقية لضعف القوة الشرائية لدى محدودي الدخل، الذي يحول هذه المشاريع إلى مخاطر مالية. يجب الفصل بين الأدوار: المطور يبني وفق الجدوى الاقتصادية، والدولة تتولى مهمة التيسير.
حوافز
ويقترح الدكتور وردة "حزمة متكاملة" من الحوافز تشمل: توفير أراضٍ منظمة بأسعار مخفضة، إعفاءات ضريبية، تمويل منخفض التكلفة عبر المصارف، وتسريع التراخيص مع ضمانات حكومية بشراء جزء من الوحدات. ويؤكد أن "هذه الحوافز ليست منحة، بل أداة إدارية ذكية توظف طاقات القطاع الخاص للتنمية الاجتماعية".
حياد تشريعي يحتاج توجيهًا ذكيًاً
يشير الدكتور محمود عبد الكريم إلى وجود فجوة هيكلية في التوجهات الحكومية تجاه قطاع الإسكان، حيث تسير الجهود في مسارين متوازيين: المسار الاجتماعي (وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بخطتها 2026-2028، ووزارة الأشغال مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية)، والمسار الاستثماري (هيئة الاستثمار وفق القانون رقم 18 لعام 2021 وتعديلاته).
ورغم أن المبادرات الاجتماعية تنهل من أهداف التنمية المستدامة، إلا أنها لا تزال في مراحل التحضير. أما المسار الاستثماري فيعاني من "حياد تشريعي"، إذ يمنح إعفاءات ضريبية تصل إلى 50% دون تمييز بين الوحدات الفاخرة والميسورة، مما يدفع الاستثمارات نحو الشريحة الأعلى ربحية.
ويطالب الدكتور عبد الكريم بإضافة ملحق تفصيلي لقانون الاستثمار يحدد تعريفًا دقيقًا لـ"الوحدة السكنية الميسورة" مرتبطًا بسقف سعري يتناسب مع الحد الأدنى للأجور (حوالي 100 دولار شهريًا)، ليصبح الحوافز مشروطة بهذا الالتزام.
تجارب دولية قابلة للمواءمة
يقترح الدكتور عبد الكريم ثلاث تجارب دولية مع مراعاة الخصوصية السورية:
النموذج التركي (توكي): يعتمد على التمويل الذاتي المتبادل، حيث تقوم الدولة أو المطور ببناء مشاريع فاخرة وتجارية مربحة، وتستخدم جزءًا من أرباحها لتمويل وحدات سكنية ميسورة ملاصقة لها. وبهذه الطريقة، يمول "الفاخر" الشعبي دون الحاجة إلى دعم مباشر كبير من الميزانية.
النموذج المصري: يركز على ربط الحوافز الحكومية (مثل الأراضي الرخيصة والإجراءات السريعة) بسقف سعري صارم. فالمطور يحصل على المزايا فقط إذا التزم ببيع الوحدات بسعر مناسب لمحدودي ومتوسطي الدخل، مما يمنع التلاعب ويضمن أن تصل الحوافز إلى الغرض الحقيقي.
النموذج المغربي: يعتمد على منح إعفاءات ضريبية مباشرة (كإعفاء من ضريبة القيمة المضافة) للمشاريع التي تبيع الوحدات تحت سقف سعري محدد (مثل 30-40 ألف دولار)، مع تبسيط الإجراءات الإدارية. وهو النموذج الأسرع والأقل تعقيدًا، مما يجعله مناسبًا للمرحلة الحالية في سوريا.
مخاطر "العرض الفاخر" ورؤية مستقبلية
يحذر الدكتور عبد الكريم من تراكم المخزون غير المباع نتيجة تضخم سعري يوازيه ركود في التداول. وحدة سكنية بـ 300 ألف دولار تحتاج إلى 250 عامًا من الادخار على الحد الأدنى للأجور.
ويقترح فرض حصص إلزامية (20-30%) للوحدات الميسورة، ورسوم شغور على الوحدات الفاخرة الشاغرة، وربط الترخيص بنسبة السعر إلى متوسط الدخل.
وبعد خمس سنوات، إن لم يتم التحرك، ستتحول المدن السورية إلى "جزر فخامة في بحر عشوائيات"، مع نسبة عشوائيات تتجاوز 40%، وفرز طبقي حاد يهدد الانسجام الاجتماعي ويعرقل إعادة الإعمار الحقيقي.
عقد اجتماعي جديد
يؤكد الدكتور وردة أن تحسن المعطيات الاقتصادية الكلية (استقرار العملة، تكاليف الإنتاج، القدرة الشرائية) سيجعل الحاجة إلى إعادة هندسة المعادلة تنتفي تلقائيًا. أما الدكتور عبد الكريم فيختم بأن الاستمرار في الحياد التشريعي سيحول إعادة الإعمار إلى مشروع نخبوي يغذي التهميش.
عقد جديد
الخلاصة واضحة: لا يمكن للمطورين حل الأزمة منفردين، ولا تستطيع الدولة إلزامهم دون بيئة محفزة. يتطلب الأمر عقدًا اجتماعيًا جديدًا يجمع بين توجيه استثماري ذكي، وحوافز أرضية وإجرائية، وسقوف سعرية صارمة، مع ضمانات تنفيذية قوية. فقط بهذا التوازن يمكن تحويل العقار من وعاء لتجميد رؤوس الأموال إلى محرك تنمية اجتماعية شاملة، واستعادة دوره الأساسي كمسكن للمواطن.


