سوريا - اقتصاد
منتجات " التراث الحوراني" تفرض نفسها على موائد السوريين
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ٢٨ أبريل ٢٠٢٦، ١١:٣٣عدل في: ٢٨ أبريل ٢٠٢٦، ١١:٣٣
3 دقيقة
2

هناك أشياء لا ينجح الزمن في تغييرها، بل يكتفي بإعادة تقديمها بشكلٍ أعمق وأكثر رسوخاً. وفي درعا تبقى الراحة الحورانية واحدة من تلك الأشياء التي صمدت في وجه التحولات، محتفظة بجوهرها رغم كل ما مر حولها.
قطعة صغيرة لينة تغطى بالسكر أو تحشى بالمكسرات لكنها في حقيقتها أكبر من كونها حلوى. هي طعم يشبه البيوت القديمة ويشبه الأمهات ويشبه الأيام البسيطة التي لم تعد موجودة كما كانت لكنها لم تغب من الذاكرة .
فالراحة الحورانية ليست مجرد منتج غذائي، بل ذاكرة حية تقاوم النسيان، وتؤكد أن بعض التراث لا يروى فقط… بل يُتذوق.

خصوصية محافظة
يُلفت وديع محمد الرفاعي صاحب معمل راحة في مدينة درعا، إلى أن صناعة الراحة بدأت بالانتشار في المحافظة بعد خروج الأتراك من سوريا، لتتحول مع الوقت إلى واحدة من أبرز ملامح المطبخ الشعبي في المحافظة.
ويشير في حديث لـ " العين السورية" إلى أن الطلب عليها لم يكن يوماً مرتبطاً بموسم محدد، فهي حاضرة على مدار العام، غير أن حضورها يزداد في فصل الشتاء حيث يكثر الإقبال عليها لما تمنحه من دفء وطاقة.
ترتبط الراحة بيوميات أهالي المحافظة بشكل يكاد يكون طقساً، فهذا المُنتج البسيط الخفيف ورخيص الثمن يُرافق الفلاحين خلال مواسم الحصاد في الصيف كجزء من يومياتهم في الحقول، إلى جانب كونها من أكثر الحلويات المحببة لدى الأطفال لما تتميز به من طعم بسيط وقوام طري سلس يلاقي قبولًا واسعاً لدى مختلف الفئات العمرية .
من درعا إلى كل مكان
يوضح الرفاعي أن هذه الحلوى لم تبق محصورة داخل حدود درعا، بل أصبحت تنقل إلى مختلف المحافظات بل وحتى إلى خارج البلاد مع المسافرين والمغتربين الذين يحملونها كجزء من ذاكرتهم. ويبين أن مدة صلاحيتها تصل إلى ستة أشهر في حين تمتد مدة صلاحية (النوغا) إلى عام كامل نظراً لاختلاف طبيعتها إذ تحتفظ الراحة بنسبة من الرطوبة تمنحها قوامها الطري المميز.
تطور النكهات والحرفة
ويضيف أن (الراحة الحورانية) شهدت تطوراً ملحوظاً عبر السنوات إذ بدأت بلونها الأبيض التقليدي ثم أضيفت إليها نكهات ماء الزهر، قبل أن تتوسع لتشمل طيفاً واسعاً من النكهات مثل الفواكه والشوكولا. كما ظهرت أنواع مغلفة بجوز الهند والسمسم وأخرى محشوة بالمكسرات كالفستق الحلبي واللوز والجوز والكاجو، خصوصًا في المناسبات.

تراث بنفحة عصرية
يبين أحمد الدراجي رئيس الجمعية الحرفية للصناعات الغذائية في درعا، في حديثه لـ " العين السورية"، أن الراحة الحورانية تعد من الصناعات التراثية العريقة، ويعود تاريخ صناعة الراحة في حوران إلى عقود طويلة حيث كانت تحضر في البيوت بوسائل بسيطة وطرق تقليدية، قبل أن تتطور تدريجياً مع تقدم الآلات وأساليب الإنتاج.
وبعد عام 2011 ومع انتشار السوريين في مختلف أنحاء العالم حمل أبناء حوران هذا التراث معهم إلى دول اللجوء محافظين عليه كجزء من هويتهم الثقافية.
ولم يقتصر الأمر على الحفاظ عليها فحسب، بل عمل كثير منهم على تطويرها وافتتاح ورشات ومعامل صغيرة في بلدان الاغتراب لتصبح الراحة الحورانية سفيراً للمطبخ المحلي وحلقة وصل تربط المغتربين بذاكرتهم الأولى وتنقل طعم المكان إلى خارج حدوده.
ويشير رئيس الجمعية الحرفية، إلى أن عدد المعامل المسجلة في درعا كان قد بلغ سابقاً نحو 50 معملاً، إلا أن هذا العدد تراجع أثناء الحرب ليصل إلى 13 معملاً داخل المدينة. إضافة إلى عدد من الورش والمعامل الصغيرة المنتشرة في قرى الريف، ما يعكس حجم التحديات التي واجهت هذه الصناعة خلال السنوات الماضية لكنها استمرت رغم الظروف الصعبة.
ويخبرنا الدراجي أنه بدأت تسجل مؤخراً بوادر عودة تدريجية لفتح بعض المعامل المتوقفة في محاولة لإعادة تنشيط الإنتاج وتوسيع هذه الحرفة من جديد.
ويستعرض واقع هذه الصناعة موضحاً أنها شهدت فترات ازدهار خلال ثمانينيات القرن الماضي، عندما كان اتحاد الحرفيين يؤمن المواد الأولية بأسعار مدعومة ما شجع على الإنتاج. إلا أنها تراجعت خلال سنوات الأزمة نتيجة نقص المواد وارتفاع أسعارها قبل أن تعود تدريجياً إلى النشاط في الوقت الحالي.
مورد رزق وسوق عمل
يؤكد رئيس الجمعية الحرفية للصناعات الغذائية، أن صناعة الراحة الحورانية شهدت انتعاشاً ملحوظاً بعد التحرير، حيث عادت عجلة الإنتاج إلى الدوران بشكل تدريجي ما انعكس إيجاباً على سوق العمل المحلي. وأسهمت هذه الحرفة في استقطاب أعداد كبيرة من الشباب الذين كانوا خارج سوق العمل خلال الفترات السابقة، إذ وفرت المعامل فرص عمل حقيقية لليد العاملة التي لم تكن تحظى بفرص مماثلة سابقاً، وباتت هذه الصناعة اليوم واحدة من القطاعات التي تستوعب نسبة ملحوظة من الشباب العاطلين عن العمل سواء على خطوط الإنتاج، أو في مجالات التغليف والتوزيع ما عزز دورها ليس فقط كتراث غذائي بل كرافد اقتصادي واجتماعي مهم في المحافظة.
تحديات
ويشير الدراجي إلى أن أبرز التحديات التي تواجه أصحاب المعامل اليوم تتمثل في تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الكهرباء والإيجارات ومواد التغليف خاصة الكرتون الذي يعد من العناصر الأساسية في هذه الصناعة.
ورغم ذلك يؤكد أن هذه الحرفة مستمرة بفضل تمسك أبناء درعا بها وحرصهم على نقلها من جيل إلى آخر ما يجعلها واحدة من أبرز معالم التراث الغذائي في المنطقة.
مؤكداً على أن هذا التمسك لم يحافظ فقط على استمرارية الإنتاج بل أسهم أيضًا في إبقاء الهوية الحرفية حاضرة رغم الظروف الصعبة، لتبقى الراحة الحورانية شاهداً حياً على ارتباط المجتمع بتراثه وقدرته على صونه وتطويره عبر الزمن.
طقس يومي وذاكرة سفر
صبا أحمد الفاعوري كانت تستعد للسفر إلى دمشق لزيارة الأقارب، تقول لـ العين السورية": إن الراحة الحورانية تحولت بالنسبة لها إلى طقس لا يمكن تجاوزه في كل رحلة "مابقدر أطلع من درعا بدونها .. صارت جزء من الزيارة نفسها للأقارب في دمشق".
وكأنها رسالة صغيرة محملة بطعم البلد. وتضيف أن وجودها معها يعطي الزيارة معنى إضافياً وكأنها تحمل شيئاً من البيت الأول إلى البيوت الأخرى فتخفف مسافة الغياب وتقرب المدن ببساطة قطعة حلوى.
حلقة وصل
أما محمد أبو عون الذي يعمل سائقاً على خط دمشق درعا فيؤكد أن الراحة الحورانية لم تعد مجرد حلوى عابرة بالنسبة له، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من تفاصيل عمله اليومي، إذ يتلقى بشكل مستمر طلبات عليها من مختلف المحافظات.
ويشير إلى أنه ينقلها معه في معظم رحلاته حتى بات من النادر أن يخلو مقعد أو صندوق في مركبته من علبها. ويضيف أن بعض الزبائن يحرصون على التواصل معه قبل موعد السفر لحجز طلباتهم مسبقاً في حين ينتظرها آخرون عند الوصول وكأنها رسالة محملة بطعم المكان. ويختم بالقول إن الراحة لم تعد مجرد بضاعة ينقلها بل أصبحت صلة وصل بين الناس تختصر المسافات وتحمل معها شيئاً من درعا إلى كل مكان.
ذاكرة جيل كامل
ومن جانب آخر تستعيد الحاجة فتحية قدرو ذكرياتها مع هذه الحلوى قائلة:
هاي مو بس حلوى… هاي عمر كامل. تربينا عليها وكانت موجودة بكل بيت وخاصة بالمناسبات. زمان كانت أبسط بس كان إلها طعم ما بينتسى. اليوم تغيرت الأشكال بس الطعم الأساسي بعده موجود نفس الطعم اللي بيرجعنا لأيام زمان.

فرصة تصديرية
يرى أحد تجار محافظة درعا، أن الراحة الحورانية باتت علامة فارقة تسوّق نفسها بنفسها لما تحمله من جودة ثم لالتصاقها بذاكرة السوريين عموماً وليس فقط أبناء محافظة درعا.
ويرى أن هذا المنتج الجاذب ينطوي على فُرص تصديرية كبيرة، وبالتالي تحقيق عائدات بالقطع الأجنبي..إن حظي المنتجون ببعض الدعم المالي أولاً، ثم الدعم التصديري ثانياً..
ويؤكد أن رواج هذه السلعة الخفيفة واللذيذة في الداخل والخارج، يمكن أن يكون أساساً يُبنى عليه في دعم الاقتصاد الإنتاجي في المنطقة.
طعم لا يغيب
الراحة الحورانية ليست مجرد منتج يصنع ويباع بل حكاية تحفظ وتتوارث وذاكرة تؤكل قبل أن تروى.
وبين يدٍ تعجن وأخرى تتذوق تبقى هذه الحلوى شاهدة على زمنٍ لم يختفِ بل استمر بطعمٍ حلو… لا يشيخ.
إنها طريق مفتوح بين الأماكن والناس بين الذاكرة والحاضر. ومن درعا إلى العالم تستمر هذه الحكاية بطعمٍ واحد لم يتغير… لأنه صنع من البدايات الأولى وسيبقى.


