العالم - ثقافة
ملائكة ثائرة... التضحيات الكبيرة وإجرام النظام
ا
العين السورية - سمر شما
نشر في: ١٢ مايو ٢٠٢٦، ٠٩:٢٤
3 دقيقة
2

كما هو معروف شهد القطاع الطبي في سوريا استهدافاً ممنهجاً ومستمراً منذ بداية الثورة السورية عام /2011/، على يد قوات النظام وحلفائه وشبيحته، وأصبح أهدافاً عسكرية معلنة لطيرانه الحربي ومدفعيته وصواريخه وبراميله المتفجرة القاتلة، وتعرض العاملون فيه للاستشهاد والاعتقال والتعذيب الوحشي والتصفيات والاغتيالات.
ووثقت منظمات حقوقية استشهاد أكثر من /949/ من الكوادر الطبية منذ عام /2011-2024/، بينما أفادت الشبكة السورية لحقوق الانسان بتعرض أكثر من 3353 من هذه الكوادر للاعتقال والاختفاء القسري، مشيرة إلى استهداف المنشآت والمراكز الصحية، وأن العدد الكلي قد يكون أكثر بكثير نتيجة صعوبة التوثيق الدقيق في ظل الحرب الدموية التي شنّها الأسد المجرم على هذا القطاع الهام والحيوي، والذي قدّم العاملون فيه تضحيات كبيرة جداً في ظروف خطيرة واستثنائية، وهذا ما رصده الفيلم الوثائقي الطويل "ملائكة ثائرة" ، إخراج: هشام زعوقي، والذي عُرض في دار الأوبرا بدمشق ضمن "تظاهرة أفلام الثورة السورية" في نسختها الثانية الشهر الماضي.
وثّق العمل التحديات التي واجهها الأطباء والمسعفون والممرضون في أداء واجبهم الإنساني في المدن والبلدات السورية الثائرة، وتعرضهم لجرائم قوات النظام العسكرية والأمنية، وتعرض الجرحى والمصابين من النساء والأطفال والرجال والمسنين للانتهاكات الجسيمة والقتل. ووثّق أيضاً عمل الكوادر الطبية اليومي ضمن مشافٍ ميدانية أُنشأت في ظروف صعبة لتقديم العلاج للسوريين وإنقاذ ما يمكن إنقاذه رغم القصف والحصار والتجويع وفقدان الأدوية وأبسط المستلزمات الطبية ومقومات البقاء على قيد الحياة.
أكد الفيلم الدور الإنساني الشجاع الذي قام به جميع العاملين في هذا القطّاع الذي تحول إلى خط الدفاع الأول في إنقاذ الأرواح والدفاع عن حق الانسان في الحياة والطبابة رغم ظروف الحرب المدمرة التي عاشوها لأكثر من عقد من الزمن.
قدّم "ملائكة ثائرة" صورة توثيقية للبطولات اليومية التي جسّدها الأطباء وغيرهم لمواجهة الخطر وسياسات النظام الرامية إلى منعهم من أداء واجبهم الإنساني، واغتيال محاولاتهم الشجاعة لوقف النزيف المتواصل والقتل.
عُرض أول مرة في عام /2016/، مركزاً على محاولات أطباء الثورة تذليل الصعاب وبحثهم المستمر عن حلول جديدة لإنقاذ الأرواح، وهمّهم اليومي للوصول إلى المصابين والجرحى الذين طالتهم آلة القتل العسكرية في كل مكان، وعلى المشافي التي بُنيت تحت الأرض والصعوبات الكبيرة التي رافقت بناءها. ومتناولاً الحياة اليومية لعناصر القطاع الصحي وواقع التجهيزات والمعدات، وكيف كان الجميع يسابقون الزمن لتأمين الرعاية لكل محتاج مهما كان الثمن باهظاً.
وثّق العمل أيضاً عمليات قصف الطيران الحربي، وآلية نقل الجرحى إلى المشافي بسيارات الإسعاف والدراجات النارية وما توفر من وسائل، وطُرق اسعافهم عبر مشاهد حقيقية قاسية ومؤلمة ومعبرة أشد التعبير عن إجرام النظام البائد واستهتاره بحياة البشر وكل القوانين الدولية والشرائع السماوية والدساتير وأخلاقيات الحرب. ورصد بالكاميرا مشاهد الدمار وكيف تحولت الأماكن إلى أطلال وأشباح بعد أن كانت تضج بالحياة وضحكات الأطفال والذكريات.
ضمّ الوثائقي السينمائي شهادات عديدة لمجموعة من الأطباء الذين كانوا يعملون ليلاً نهاراً بلا نوم أو طعام أو أمان، تحدثوا خلالها كيف كان العمل يجري على الأرض، وكيف استطاعوا تحدي المخاطر والموت والملاحقات الأمنية للقيام بواجبهم دون تردد أو خوف، وألقوا الضوء على الواقع الطبي في المناطق المحررة وعلى مشروع "المشفى الآمن" الذي سعوا لإنشائه في حماه، واعتقالات الأطباء وتعذيبهم بوحشية واستشهاد الكثير من الكوادر، وعلى العلاج بالمنازل بعد دمار المشافي الميدانية. وقد تحدث الدكتور (حسن الأعرج) مدير أول مديرية للصحة الحرة في حماه عن مجزرة الكيماوي في كفر زيتا /2014/ وعن الإصابات الخطيرة ومعاناة الناس من مخلفاتها، وقد استُشهد فيما بعد في /13/ نيسان عام /2016/.
بدأت أحداث الفيلم بمشاهد القصف ومعالجة أحد الأطباء للمصابين، وطبيب يُدلي بالقسم الذي تعهدوا فيه بصون حياة الناس وكرامتهم وأسرارهم، وفي الخلفية مشاهد لأطباء يحاولون مداواة الجرحى وإنقاذهم بلهفة وإصرار شديدين. وعرض الفيلم أيضاً بداية اندلاع أولى شرارات الثورة في درعا، وكيف كان الأطباء في مرحلة الحراك السلمي يقومون باستقبال المتظاهرين المصابين ويحمونهم من أعين الأمن والمخبرين، وذلك عبر شهادات رافقتها مشاهد معبرة.
رصدت الكاميرا في نهاية الفيلم الجانب العائلي لدى عدد من الأطباء الذين تركوا أسرهم، ثم تُسدل الستارة السوداء الأخيرة وقد كُتب عليها: أنه حتى تاريخ /16/ شباط /2015/ بلغ عدد شهداء الثورة السورية من الأطباء /64/ طبيباً، وأكثر من /600/ قيد الاعتقال، /13/ منهم استُشهدوا تحت التعذيب، وهناك أكثر من /2000/ معتقل من العاملين في الحقل الطبي.
كان الفيلم مؤلماً وقاسياً ولاسيما عندما يكتشف الطبيب أن المصاب الذي يحاول إنقاذه هو ابنه أو قريبه أو شقيقه أو جاره كما أكد أحد الأطباء، وكانت التضحيات والخسارات كبيرة وخيالية لـ "ملائكة ثائرة" ترنو إلى وطن حر يحفظ كرامة أبنائه و يحترم حقوقهم.


