سوريا - اقتصاد
مكافحة غسل الأموال في سوريا.. هل تجتاز المنظومة اختبار «فاتف»؟
الخبير الدولي علي عورتاني يحدد أولويات الإصلاح، من تحديث التشريعات والرقابة على المصارف والصرافة إلى إنشاء سجل للمستفيدين الحقيقيين وقياس النتائج.
م
منير الرفاعي
نشر في: ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦، ١١:٢٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يشكّل الاستعداد للتقييم المتبادل الدولي لمنظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في سوريا اختباراً يتجاوز تحديث التشريعات إلى قياس قدرة المؤسسات على تطبيقها وتحقيق نتائج ملموسة. فوجود القوانين والتعليمات لا يكفي وحده لبناء منظومة فعالة، ما لم يترافق مع رقابة حقيقية، وتعاون بين الجهات الحكومية، وقدرة على تتبع الأموال وتحديد المستفيدين الحقيقيين منها.
والتقييم المتبادل هو مراجعة دولية يجريها خبراء لتقييم مدى التزام الدولة بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، ومدى فاعلية منظومتها في التطبيق العملي.
ووفقاً لمنهجية مجموعة العمل المالي «فاتف»، يستند التقييم إلى جانبين رئيسيين: الامتثال الفني، الذي يقيس مدى توافق القوانين والأنظمة والتعليمات مع التوصيات الأربعين للمجموعة، والفاعلية، التي تقيس قدرة الدولة على تطبيق هذه المعايير وتحقيق نتائج، مثل كشف الجرائم المالية والتحقيق فيها وملاحقة مرتكبيها وتتبع الأصول غير المشروعة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الدولي في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، الدكتور علي عورتاني، في حديثه إلى «العين السورية»، أن تعزيز الإطار القانوني يمثل نقطة البداية، لكنه يحتاج إلى استكماله بتعليمات وطنية واضحة، وأدلة إرشادية للقطاعات الخاضعة، وآليات إشراف ورقابة تنتقل تدريجياً من التوجيه إلى متابعة الالتزام ومعالجة المخالفات.
من التشريعات إلى التطبيق
يضع عورتاني تطوير الإطار القانوني في مقدمة الأولويات، سواء من خلال تعديل القانون القائم أو سن قانون جديد، بما يضمن التوافق مع توصيات مجموعة العمل المالي «فاتف».
ولا يتوقف الأمر عند التشريع الأساسي، بل يشمل أيضاً تحديث تعليمات مصرف سوريا المركزي والجهات الفنية المعنية، وتحديد الجهات الخاضعة لمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على مستوى الدولة.
وتتطلب هذه العملية، بحسب عورتاني، إصدار أدلة إرشادية وطنية لا تقتصر على المؤسسات المالية، بل تشمل أيضاً قطاعات مثل العقارات والذهب والسيارات، مع توضيح المفاهيم الأساسية والالتزامات المطلوبة من كل قطاع.
لكن صدور التشريعات والتعليمات لا يمثل نهاية الإصلاح. فالخبير يشدد على أهمية الانتقال إلى إشراف ورقابة فعّالين، يبدآن بتوجيه الجهات الخاضعة ومساعدتها على فهم متطلباتها، ثم يتطوران إلى متابعة الالتزام ورصد المخالفات واتخاذ الإجراءات اللازمة.
وتعكس هذه المقاربة أهمية بناء منظومة رسمية متكاملة، بدلاً من الاكتفاء بممارسات وإجراءات غير موحدة أو غير مفعّلة بالقدر الكافي.
❝«تعزيز الإطار القانوني هو نقطة البداية، لكن فاعلية منظومة مكافحة غسل الأموال تُقاس بقدرتها على تطبيق القوانين، وتتبع الأموال، وتحديد المستفيدين الحقيقيين، وملاحقة المخالفات».
الدكتور علي عورتاني❞
اختبار «فاتف» لا يقتصر على القوانين
تتجاوز متطلبات التقييم المتبادل لدى مجموعة العمل المالي مراجعة النصوص القانونية إلى قياس مدى فاعلية تطبيقها. وتعتمد المجموعة في تقييم الفاعلية على 11 نتيجة مباشرة، تغطي جوانب مختلفة من منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبحسب عورتاني، تشمل الفجوات التي تستدعي المعالجة تطوير القانون والتعليمات، وتنفيذ الالتزامات المرتبطة بقرارات مجلس الأمن والعقوبات المالية المستهدفة، وتعزيز القدرة على تحديد المستفيد الحقيقي من الشركات.
كما يلفت إلى دور الجهات الحكومية في هذه المنظومة، بما فيها الجمارك، ولا سيما ما يتصل بمكافحة تمويل الإرهاب وتنفيذ الالتزامات ذات الصلة.
ويعني ذلك أن الاستعداد للتقييم لا يمكن أن يكون مسؤولية مصرف سوريا المركزي وحده، بل يتطلب تنسيقاً بين الجهات التنظيمية والرقابية، والجهات المسؤولة عن تسجيل الشركات، والمؤسسات المعنية بإنفاذ القانون، وغيرها من الجهات ذات الصلة.
المصارف والصرافة في مقدمة الأولويات
على مستوى القطاعات، يضع عورتاني المصارف وشركات الصرافة ضمن أبرز القطاعات التي ينبغي إعطاؤها الأولوية في ضبط مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ويشير إلى أن لكل قطاع مخاطره الخاصة، إلا أن تنظيم هذين القطاعين والرقابة عليهما يمثلان خطوة مهمة لتعزيز المنظومة ككل.
وتكتسب هذه الأولوية أهمية إضافية في ظل مساعي سوريا لاستعادة العلاقات المصرفية الدولية، إذ يربط عورتاني بدرجة كبيرة بين استعداد المصارف المراسلة الأجنبية للتعامل مع سوريا ومدى اطمئنانها إلى مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وبحسب تقديره، فإن بناء الثقة في هذا المجال يمكن أن يسهّل إقامة العلاقات المصرفية المراسلة. لكن هذا يتطلب إظهار قدرة عملية على إدارة المخاطر والامتثال، لا الاكتفاء بإقرار التشريعات أو إصدار التعليمات.
كيف تُقاس فاعلية المنظومة؟
يمثل قياس النتائج أحد التحديات الأساسية أمام أي منظومة لمكافحة غسل الأموال. فعدد القوانين الصادرة أو التعليمات المعتمدة لا يكشف وحده مدى نجاحها في كشف الجرائم المالية أو ملاحقة مرتكبيها.
وفي هذا السياق، يشدد عورتاني على أهمية إجراء تقييم وطني لمخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلى جانب متابعة عدد تقارير الاشتباه وأنواعها، والحالات التي تنتقل إلى التحقيق والقضاء، ومدى إنفاذ القانون بحق المتورطين.
كما يرى أن مؤشرات الشمول المالي يمكن أن تساعد في قراءة تطور المنظومة، إلى جانب مؤشرات أخرى تقيس انتقال البلاغات إلى نتائج فعلية.
وتكمن أهمية هذه المؤشرات في قدرتها على كشف الفجوة بين الإبلاغ والتحقيق والملاحقة القضائية. فارتفاع عدد تقارير الاشتباه، مثلاً، لا يكفي وحده للحكم على الفاعلية، ما لم يُقرأ إلى جانب جودة البلاغات، والتحقيقات المالية، والأحكام القضائية، ونتائج تجميد الأصول ومصادرتها.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى بيانات وطنية منتظمة ومتكاملة تسمح بتقييم الأداء وتحديد مكامن الضعف، بدلاً من الاكتفاء بقياس النشاط الإداري للمؤسسات.
المستفيد الحقيقي.. الحلقة التي تربط البيانات
لا تكتمل القدرة على تتبع الأموال من دون معرفة الأشخاص الذين يقفون فعلياً وراء الشركات والمعاملات. ويؤكد عورتاني أن الوصول إلى المستفيد الحقيقي يتطلب الربط وتبادل المعلومات بين الجهات المعنية، بما يشمل سجلات الشركات والعقارات والسيارات وغيرها من البيانات ذات الصلة.
ويقترح في هذا السياق إنشاء سجل مركزي لدى الدولة للمستفيدين الحقيقيين من الشركات، يتضمن معلومات واضحة عن الأشخاص الذين يملكونها أو يسيطرون عليها فعلياً.
ويمكن لمثل هذا السجل أن يساعد الجهات المختصة على تتبع حركة الأموال وكشف محاولات إخفاء الملكية، شرط أن تتوافر بيانات دقيقة ومحدّثة، وأن تتمكن الجهات المخولة من الوصول إليها واستخدامها وفق الأطر القانونية.
ثلاثة مسارات للإصلاح
يلخص عورتاني الأولويات المطلوبة في تطوير القانون، وإصدار تعليمات وأدلة إرشادية وطنية تغطي الجهات الخاضعة، وتعزيز الأدوات التي تتيح تطبيق الالتزامات الدولية.
ويرتبط بذلك إنجاز التقييم الوطني للمخاطر وإنشاء سجل للمستفيدين الحقيقيين، باعتبارهما أداتين تساعدان على توجيه الموارد الرقابية وتحسين القدرة على كشف المخاطر.
لكن نجاح هذه الخطوات سيظل مرتبطاً بتحديد مسؤوليات المؤسسات، وتوفير البيانات اللازمة، وقياس النتائج بصورة دورية. فالتحدي أمام سوريا ليس فقط الوصول إلى موعد التقييم المتبادل في 2027 وهي تمتلك تشريعات متوافقة، بل إثبات أن هذه التشريعات تتحول إلى إجراءات فعالة ونتائج قابلة للقياس.
وفي المحصلة، فإن بناء الثقة الدولية بالقطاع المالي السوري يبدأ من الداخل: قانون واضح، ورقابة فاعلة، ومعلومات موثوقة، ومؤسسات قادرة على تحويل الاشتباه إلى تحقيق، والتحقيق إلى نتائج قانونية ملموسة.


