سوريا - اقتصاد
الشراكة السورية - التركية بين " أفضلية الجار" ومصلحة الاقتصاد الوطني.. مطالبات باتفاق تفضيلي منصف
ن
نورا حربا
نشر في: ١٥ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:٢٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

كانت المبادرات العربية الخليجية والتركية، تجاه سوريا بعد التحرير هي الأكثر جديّة وجدوى. وإن كان السعي إلى التموضع الجغرافي، وإغراء الفرص الاستثمارية التي تكتنزها سوريا هو الحافز الاقتصادي، إلا أن ثمة مجموعة من التساؤلات باتت محل تداول في الأوساط الاقتصادية السورية، حول ما هو الأفضل لنا كسوريين، وكيف لنا أن نحقق الفائدة المرجوة من اتفاقات اقتصادية متقدمة من حيث الكم والنوع، بعيداً عن جعل سوريا سوقاً للتصريف على حساب المنتج الوطني. وهي تساؤلات كانت هامسة، لكنها أمست تُتداول بصوتٍ عالٍ هذه الأيام.
ميزة الجوار
الواقع أن الجانب التركي، هو الأكثر جدية في التأسيس لتعاون اقتصادي وشراكات حقيقية مع سوريا. وتعزيز الشراكة لترتقي إلى مستوى التنسيق السياسي والاجتماعي. ناهيك أن الجوار بين البلدين يعتبر ميزة تاريخية، وقد تمت عدة مبادرات في هذا المجال، كان آخرها اللقاء الموسع بين غرفة صناعة دمشق وريفها مع وفد جمعية (USİAD) التركية، كمنصة حيوية لبحث خارطة طريق جديدة للاستثمار المشترك ونقل الخبرات، وتذليل العقبات اللوجستية الحدودية، حيث التقى معتز طرابيشي، نائب رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، مع نيفافك يليتش، رئيس مجلس جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين الأتراك، وضم الوفد مجموعة من رجال الأعمال والصناعيين الأتراك يمثلون قطاعات اقتصادية متنوعة.
تحول إستراتيجي
تمثّل خطوات تعزيز التعاطي الاقتصادي السوري – التركي، تحولاً استراتيجياً وتاريخياً يهدف إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى مستويات طموحة تتجاوز 10 مليارات دولار.
ومن وجهة الخبير الاقتصادي د. فادي عياش، تأتي هذه الجهود لتأسيس تكامل اقتصادي يضمن انسيابية البضائع، وتسهيل حركة النقل، وفتح آفاق جديدة للاستثمار المشترك عبر مجلس الأعمال السوري التركي واللجان الاقتصادية المشتركة.
وفيما يتعلق بتقييم خطوة الاجتماعات وخريطة الطريق والنتائج المرجوة، يرى الدكتورعياش، أنها إيجابية وضرورية بالنظر إلى المصالح المشتركة، فسوق تركيا يعتبر بوابة أساسية للأسواق العالمية، ولا سيما الأوروبية.
بينما سوريا هي ممر لوجستي إستراتيجي مهم للمنتجات التركية باتجاه أسواق الشرق الأوسط والخليج العربي، مما يساعد على إنعاش حركة التجارة العابرة (الترانزيت)، وجذب التكنولوجيا الحديثة لدعم عجلة الإنتاج، وتوفير فرص عمل جديدة من خلال تشغيل المعابر وإدخال استثمارات مالية تسهم في تعزيز البنية التحتية.
ردم الفجوة
المهمة - بحسب الدكتور عياش- ليست بسيطة، فهي بحاجة لردم الفجوة بين إمكانات البلدين التجارية، فالاقتصاد التركي متقدم صناعياً وتصديرياً، بينما يغلب الطابع الزراعي وبعض الصناعات الخفيفة على الإمكانيات السورية الحالية. لردم هذه الفجوة لصالح الاقتصاد السوري، يتطلب الأمر الاستفادة من نقل التكنولوجيا والمعرفة، وجذب الشركات التركية لإقامة مصانع داخل سوريا، مما يوفر فرص عمل، ويُحسّن جودة المنتجات السورية المحلية. ويتطلب إعداد رزنامة تجارية تضمن حماية المنتج المحلي السوري من الإغراق، مع التركيز على دعم تصدير الفائض الزراعي والمنتجات الغذائية والكيميائية والنسيجية.
تفادي الضرر
لا يخفي الدكتور عياش مخاوفه من أضرار هذا التعاون، ويدعو لتفادي تضرر الاقتصاد السوري ففي الماضي، أدت التسهيلات غير المدروسة إلى إغراق السوق السورية بالبضائع التركية، وإغلاق العديد من المنشآت المحلية لعدم قدرتها على المنافسة، وكمثال واضح على ذلك صناعة المفروشات والأثاث المنزلي. ولعدم تكرار ذلك، يجب تأمين حماية ذكية للإنتاج المحلي مثل فرض رسوم جمركية مدروسة (كالضميمة) على السلع الاستهلاكية التامة الصنع، والتي تمتلك سوريا قدرة على إنتاجها محلياً، مقابل تسهيل استيراد المواد الأولية اللازمة للصناعة.
وكذلك دعم مدخلات الإنتاج والمرهونة بالنتائج، كتوفير حزم تحفيزية للصناعيين السوريين تشمل تسهيل وتخفيض تكاليف حوامل الطاقة، وخفض الرسوم على الآلات والمواد الأولية على أن يكون ذلك مرهوناً بنسبة الصادرات.
مخاوف مبررة
المخاوف بحسب الدكتور عياش لا تقف عند هذا الحد إنما تشمل مدى جاهزية الجانب السوري (قواعد البيانات والاحتياجات) حيث تتطلب هذه الخطوة بالتأكيد عملاً مؤسسياً متكاملاً. وبناءً على التحركات الفعلية واللقاءات المستمرة مؤخراً بين غرفة تجارة دمشق ونظيراتها التركية مثل جمعيات "أوسياد" (MUSİAD)، يمكن القول إن العمل يجري حالياً لبناء هذه القاعدة ،ففي مجال التصدير، تم العمل على تحديد المنتجات السورية التي تتمتع بميزة تنافسية في السوق التركية والأسواق العالمية، مثل القطن، زيت الزيتون، وبعض المنتجات الغذائية.
أما على مستوى الاستيراد، والكلام للدكتور عياش، فقد تم التركيز على حصر المنتجات التركية اللازمة لعملية الإنتاج السوري، والتي تتضمن الآلات، المواد الأولية، والمواد نصف مصنعة لتشغيل المصانع السورية بطاقتها القصوى.
طبيعية وضرورية
من جانبه، أكد رجل الأعمال محمود الذرعاوي نائب رئيس المنتدى الاقتصادي السوري للتنمية في حديثه لـ" العين السورية" أن ماجرى مؤخرا من تقارب سوري تركي، يعتبرخطوة طبيعية وضرورية، لأن تركيا شريك اقتصادي وجار جغرافي، ولا يمكن لسوريا أن تبقى معزولة عن محيطها الاقتصادي. لكن نجاح هذه الخطوة لن يُقاس بعدد الاجتماعات أو الاتفاقيات، وإنما بمدى انعكاسها على الإنتاج السوري وفرص العمل وزيادة الصادرات.
واقعية
في الوقت نفسه، والكلام للذرعاوي، يجب أن نكون واقعيين. الاقتصاد السوري اليوم يمر بمرحلة تعافٍ، ولا يزال يعاني من ضعف في الإنتاج والتمويل والبنية التحتية، لذلك لسنا جاهزين لانفتاح تجاري كامل وغير منظم. وردم الفجوة لا يكون بالمنافسة المباشرة، لأن الاقتصاد التركي أكبر وأكثر تطوراً من حيث الصناعة والتصدير.
المطلوب هو انفتاح تدريجي وعلى مراحل، يمنح الصناعة السورية الوقت الكافي لاستعادة قدرتها التنافسية. لافتاً أنه يجب توجيه التعاون نحو نقل التكنولوجيا، وتشجيع الاستثمارات المشتركة داخل سوريا، وربط التسهيلات التجارية بزيادة الإنتاج المحلي، وليس فقط بزيادة الواردات.
المعاملة بالمثل
ويرى الذرعاوي، أن التجربة السابقة يجب أن تكون درساً. الانفتاح التجاري لا يعني فتح الأسواق بلا ضوابط، والمطلوب اليوم تطبيق مبدأ المعاملة بالمثل وحماية الصناعات الوطنية التي ما زالت في مرحلة التعافي، وفتح الأسواق تدريجياً وفق أولويات مدروسة إضافة إلى مراقبة الإغراق التجاري ومنع المنافسة غير العادلة ومراجعة الاتفاقيات بشكل دوري وفق مصلحة الاقتصاد السوري. فالهدف ليس منع التجارة، وإنما جعلها أداة لدعم الاقتصاد الوطني لا لإضعافه.
عمل مؤسساتي
يجزم الذرعاوي، أن أي انفتاح اقتصادي ناجح يجب أن يسبقه عمل مؤسساتي دقيق، ونحن بحاجة إلى قاعدة بيانات وطنية تحدد المنتجات السورية القابلة للتصدير وكمياتها ومواصفاتها واحتياجات السوق السورية من المواد الأولية والمواد نصف المصنعة، التي تدعم الصناعة المحلية، وأيضاً المنتجات التي يمكن تصنيعها محلياً ويجب حمايتها من الاستيراد.
ولفت أنه إذا دخلنا أي مفاوضات دون هذه البيانات، فسنتحول إلى سوق مستهلكة أكثر من كوننا اقتصاداً منتجاً.
انفتاح مدروس
وخلص الذرعاوي إلى أنه مع الانفتاح الاقتصادي، لكنه يجب أن يكون انفتاحاً ذكياً ومدروساً. فسوريا اليوم ليست جاهزة لانفتاح كامل وفوري، لكنها بالتأكيد بحاجة إلى الانفتاح كجزء من مرحلة التعافي. لذلك يرى أن الطريق الصحيح هو التدرج، وحماية المنتج الوطني، وربط أي اتفاق تجاري بخطة واضحة لتعزيز الإنتاج والاستثمار والتشغيل داخل سوريا.
حماية بذكاء
من جانبه يؤكد فواز هاشم العقاد، عضو مجلس إدارة غرفة تجارة دمشق، وهو تاجر وصناعي في حديثه لـ"العين السورية"، أن التعاون التجاري مع تركيا يجب أن لا يتم وفق اتفاقية تجارة حرة تفادياً لإغراق السوق السورية بالمنتجات التركية المتفوقة على مثيلاتها الوطنية من حيث الكلف والدعم، فتركيا تتفوق إلى حد كبير صناعياً على سوريا، من حيث البنية التحتية الصناعية وأيضاً المصرفية. فالحل يتمثل في اعتماد اتفاقية تجارة تفضيلة تعتمد على الحماية الذكية... بي تي اي....يجب أن تكون الأساس في التعامل الاقتصادي بين البلدين.
اتفاق ذكي
ويفسر العقاد وجهة النظر لتفادي التجربة السابقة بالتعامل الاقتصادي بين البلدين، والتي أضرت بسوريا التي تحكمها ظروف مختلفة عن الواقع التركي، أكثر صعوبة ربما وأقل مرونة. وعندما نتحدث عن اتفاق ذكي، فهو يعتمد على أخذ مايناسبنا من منتجات تنافسية لا تؤثر على الصناعة الوطنية إنما مكملة، وعلى سبيل المثال، المواد الأولية والنصف مصنعة كأولوية بعيداً عن الإغراق.
مزايا تنافسية
وبدور،ه شدد نائب رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها معتز طرابيشي، على أن سوريا تمتلك بيئة صناعية جاذبة للغاية، مدعومة بخبرات عريقة وقوية، فضلاً عن المزايا التنافسية الكبيرة، وفي مقدمتها انخفاض تكاليف الإنتاج، والاعتماد على عمالة محلية ماهرة وأجور تنافسية. وأعرب عن أمله في أن تثمر هذه اللقاءات المشتركة نتائج إيجابية ملموسة، والانتقال بالعلاقات الثنائية من إطار الكلام والنوايا إلى الأفعال والمشاريع الحقيقية على أرض الواقع، بما يخدم مصلحة البلدين والشعبين الصديقين.
في العموم، الانفتاح الذي نحن بصدده من الممكن أن يكون إيجابياً بشرط تفادي تجربة الماضي، التي كان عنوانها الإغراق جراء اتفاق غير متكافئ أثّر بشكل سلبي على آلاف المنشآت الصناعية الوطنية، والحل كما تطرق له العقاد باتفاق بيني ذكي يراعي مصالح سورية التي مازالت متمسكة بدورها الصناعي رغم كل المعوقات والصعوبات...


