سوريا - محليات
مصادر النعمة أنتجت النقمة.. لماذا ابتلع " صديق الجزيرة" أبناءه؟
أ
أحمد الكناني
نشر في: ٢٠ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:٤٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تبرح والدة الطفل المفقود سعيد الحمال مكانها أمام نهر الفرات، تبكي ليل نهار، وتناشد الحكومة والأهالي وكل من يمر أمامها، تستجدي،علّهم يتمكنون من انتشال جثمان طفلها الصغير، رغم أن فرق الإنقاذ المائي التابعة للدفاع المدني السوري، بالتعاون مع فرق وزارة الدفاع والأهالي، يواصلون عمليات البحث في مجرى نهر الفرات بمدينة دير الزور، عقب فاجعة إنسانية تمثلت في غرق عبّارة نهرية إثر تعرضها لعطل فني أدى إلى انجرافها واصطدامها بالجسر الحربي الجديد.
لم يكن الطفل سعيد الحمال وحده في عداد المفقودين، إذ فُقد معه أربعة أطفال وشابان، ولا تزال عمليات البحث جارية لانتشال جثامينهم بحسب آخر تحديث أعلنته وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، فيما زادت المهمة صعوبة بعد عثور الأهالي على جثمان شاب في مجرى النهر قرب قرية "جديد بكارة" بريف دير الزور الشرقي، والتي تبعد نحو 25 كيلومتراً عن موقع الاصطدام.
إشكال قديم متجدد
الواقع أن حادثة غرق العبارة، لم تكن الأولى من نوعها، إذ شهدت الفترة الأخيرة عقب الفيضان، غرق عدة عبّارات نهرية محملة بالسيارات، ما تسبب بخسائر مادية كبيرة، في حين تنذر حوادث الغرق المتكررة بخطورة التنقل عبر هذه العبّارات بين ضفتي النهر.
ويشير الأكاديمي حمزة المحيمد، وهو من أبناء المنطقة الشرقية، إلى أن العبّارات استُخدمت بصورة واسعة للتنقل بين ضفتي النهر بعد تدمير الجسور خلال سنوات الثورة السورية، ثم ازداد الاعتماد عليها عقب اجتياح الفيضان الأخير للمحافظة وخروج الجسور الترابية والإسعافية عن الخدمة بالكامل، لتصبح الوسيلة الوحيدة المتاحة لربط ضفتي نهر الفرات في محافظة دير الزور.
ولفت المحيمد إلى أن خطورة العبّارات تكمن في كونها منصات حديدية عائمة ومسطحة، تُدار بمحركات ومولدات بدائية، وتفتقر إلى معايير السلامة، رغم استخدامها في نقل الأفراد والسيارات والشاحنات بين ضفتي النهر، الأمر الذي يزيد من احتمالات الأعطال وحوادث الغرق.
مخاطر وتكاليف
من جانبه، أوضح الكاتب الصحفي عبد الله الحمد، من أبناء دير الزور، أن التنقل بين ضفتي النهر ليس بالأمر اليسير، إذ تعتمد العبّارات في تشغيلها اليومي بشكل كامل على استقرار منسوب المياه وسلامة المحركات، وقد يضطر الأهالي إلى الانتظار لأكثر من أربع ساعات بسبب بطء حركة العبارات أو كثافة التحميل أو حدوث أعطال فنية، ما يشكل مشقة كبيرة على السكان والمزارعين، فضلاً عن التكلفة اليومية المرتفعة، التي تصل إلى نحو 2.5 دولار للفرد ذهاباً وإياباً، و30 دولاراً لنقل الشاحنات.
تشخيص واقعي
شكّلت الفاجعة في دير الزور ضغطاً شعبياً متزايداً لوضع حد للمخاطر الناجمة عن تشغيل العبّارات النهرية، عبر تشديد الرقابة عليها، وفرض معايير السلامة، ومنع تجاوز الحمولة المسموح بها.
وفي هذا السياق، أوضح الأكاديمي المحيمد أن بدائية تصنيع هذه العبارات وغياب الرقابة على إنشائها يعدان من أبرز أسباب تكرار حوادث الغرق، سواء من حيث نوعية الحديد المستخدم أو طريقة تثبيته، مؤكداً أن الرقابة يجب أن تبدأ منذ مرحلة التصنيع، مع التأكد من مطابقتها لمعايير السلامة.
من جانبه، يرى الكاتب الصحفي الحمد أن جشع بعض أصحاب العبّارات أدى إلى تحميلها بأوزان تفوق قدرتها الاستيعابية، في ظل غياب آلية دقيقة لتحديد الحمولة المناسبة لها، نظراً لبدائية صنعها، كما أن قصر المسافة بين ضفتي النهر شجع بعض المشغلين على التهاون بإجراءات السلامة، ما تسبب في غرق وتعطل عدد كبير من السيارات والشاحنات خلال فترة ما بعد الفيضان.
تقصير ورقابة
أوقفت محافظة دير الزور استخدام العبارات بين منطقتي الشامية والجزيرة بعد إدخال الجسرين الحربي والترابي إلى الخدمة، مع السماح باستمرار عمل العبّارات في مدينة الميادين فقط إلى حين إدخال الجسر الحربي هناك إلى الخدمة.
ويرى الأكاديمي المحيمد أن هناك تقصيراً حكومياً في اتخاذ إجراءات السلامة قبل وقوع الفاجعة الأخيرة، مشدداً على ضرورة تعزيز الرقابة على تصنيع العبّارات وصيانتها، وتحديد نقاط وساعات تشغيل محددة بعد التأكد من جاهزيتها الفنية، إضافة إلى إنشاء نقاط إنقاذ مجهزة في مواقع العبور المحدد مسبقاً.
حل جذري
أما الكاتب الصحفي الحمد، فيعتقد أن الحل الجذري للمشكلة لن يكون إلا ببناء جسور حقيقية لعبور المشاة والآليات، مع ضرورة الإسراع في إصلاح جسر السياسية، واعتماد الجسرين الحربي والترابي كحل مؤقت، إلى جانب ملاحقة العبّارات النهرية غير المطابقة لمعايير السلامة ومصادرتها.
وكانت محافظة دير الزور قد أعلنت العمل على إدخال هذه الجسور إلى الخدمة بهدف إنهاء الاعتماد على العبّارات النهرية لعبور نهر الفرات، مؤكدة أنه بمجرد تشغيل الجسور المؤقتة سيُطوى ملف هذه الوسيلة بشكل نهائي.


