سوريا - اقتصاد
مدخرات السوريين.. ثروة تبحث عن اقتصاد يستوعبها
الذهب والعقار يجذبان المدخرات، لكن ضعف البنية التحتية وارتفاع تكاليف الإنتاج يحدّان من انتقالها إلى استثمارات مولّدة للنمو وفرص العمل.
ا
العين السورية
نشر في: ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦، ١٤:٥٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بين الذهب والعقار، تتحرك مدخرات السوريين بحثاً عن وسيلة تحافظ على قيمتها في اقتصاد لا يزال يواجه تحديات الاستقرار والإنتاج والاستثمار. لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمكان وضع الأموال، بل بقدرة الاقتصاد على جذب هذه المدخرات وتحويلها إلى استثمارات منتجة تخلق فرص العمل وتعيد تدوير الأموال داخل السوق المحلية.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد التركاوي، في حديث لـ"العين السورية"، أن اللجوء إلى الذهب ليس ظاهرة سورية بحد ذاتها، بل سلوك اقتصادي عالمي يظهر بوضوح خلال الأزمات والحروب. ففي هذه الظروف، يبحث الأفراد عن أصل يحافظ على قيمة مدخراتهم بعيداً عن مخاطر تراجع العملات وعدم استقرارها.
ومع ذلك، لا يرى التركاوي أن الإقبال السوري على الذهب يعكس بالضرورة امتلاك الأسر مدخرات كبيرة.
ويشير إلى أن الكميات المتداولة ليست ضخمة على مدى فترات طويلة، فيما تحد القدرة الشرائية المحدودة لغالبية السوريين من قدرتهم على شراء الذهب أصلاً.
العقار.. ملاذ مختلف
في المقابل، تبدو الصورة مختلفة في سوق العقارات. إذ يرى التركاوي أن أسعارها قد ترتفع بوتيرة تتجاوز الذهب أحياناً، مدفوعة بارتفاع الطلب والحاجة الفعلية إلى السكن، ولا سيما بعد تهدم أعداد كبيرة من المنازل خلال سنوات الحرب.
ويتوقع أن يبقى الطلب على العقارات مرتفعاً خلال السنتين أو السنوات الثلاث المقبلة على الأقل. لذلك، لن يكون انخفاض الأسعار أمراً سهلاً في المدى المنظور، طالما بقيت فجوة السكن قائمة.
لكن بقاء مدخرات السوريين في الذهب والعقار لا يعني بالضرورة أنها تؤدي دوراً إنتاجياً في الاقتصاد. فالأموال تحتاج إلى بيئة قادرة على تحويلها من أصول تحفظ القيمة إلى مشاريع تولد قيمة جديدة.
لماذا يتردد الاستثمار الصناعي؟
هنا تظهر العقبة الأكبر: البنية التحتية.
فالمستثمر الذي يريد إنشاء مصنع لا يحتاج إلى رأس المال والآلات فقط، بل يحتاج أيضاً إلى كهرباء مستقرة، وفنيين لتركيب المعدات وصيانتها، وخدمات نقل واتصالات، وغيرها من المتطلبات الأساسية لتشغيل المشروع بكفاءة.
ومع عدم انتظام الكهرباء، يضطر المستثمر إلى الاعتماد على المولدات. وهذا يعني تكاليف إضافية للوقود والصيانة والتشغيل، ما يرفع كلفة الإنتاج ويضعف جاذبية الاستثمار الصناعي.
وبالتالي، يرى التركاوي أن هذه الظروف تدفع جزءاً من المستثمرين بعيداً عن الصناعة، بينما لا تزال الاستثمارات في قطاعات أخرى، كالزراعة والعقارات، محدودة قياساً إلى حجم الاحتياجات الاقتصادية.
ليس كل استثمار يصنع دورة اقتصادية
لكن التركاوي يلفت إلى نقطة أكثر أهمية: ليس كل مشروع استثماري يترك الأثر الاقتصادي نفسه.
فبعض الأنشطة تعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات مستوردة، مثل الأسمنت والحديد والآلات والمواد الأولية. لذلك، يغادر جزء كبير من الأموال التي ينفقها المستثمر الاقتصاد المحلي، بدلاً من أن يدور داخله.
في المقابل، يمكن لصناعة تعتمد على الإنتاج المحلي أن تطلق سلسلة أوسع من النشاط الاقتصادي. ويضرب التركاوي مثالاً بصناعة الألبان والأجبان، التي تبدأ من المزارع ومربي الأبقار، وتمر بالأعلاف والزراعة والنقل والتصنيع والعمالة والتغليف، بما يجعل قطاعات متعددة تستفيد من الإنفاق نفسه.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية: قيمة الاستثمار لا تقاس فقط بحجم أرباح المستثمر، وإنما بقدرته على تحريك أكبر عدد ممكن من حلقات الاقتصاد المحلي.
المدخرات.. من ملاذ آمن إلى استثمار منتج
ويرى التركاوي أن مدخرات السوريين في الداخل والخارج يمكن، إذا توافرت الظروف المناسبة، أن تشكل مصدراً مالياً مهماً لتمويل إعادة الإعمار.
لكن جذب هذه الأموال لن يتحقق بمجرد الدعوة إلى الاستثمار. بل يحتاج أولاً إلى تحسين البنية التحتية، وتوفير الكهرباء والخدمات، وخلق بيئة اقتصادية واستثمارية أكثر استقراراً وأماناً.
وبالتالي، فإن المشكلة ليست بالضرورة غياب الأموال، وإنما غياب القنوات الجاذبة التي تحول المدخرات إلى رأس مال منتج.
قد لا يكون التحدي الحقيقي هو إخراج السوري من الذهب أو العقار، بل خلق اقتصاد يجعله يرى في الاستثمار الإنتاجي خياراً أكثر جاذبية وأماناً.
فعندما تنتقل الأموال من المدخر إلى المستثمر، ومن المستثمر إلى المصنع، ومن المصنع إلى العامل والمزارع والناقل والتاجر، تبدأ دورة اقتصادية حقيقية. عندها تتحول مدخرات السوريين من وسيلة لحماية الثروة إلى أداة لإنتاج ثروة جديدة.
ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد التركاوي، في حديث لـ"العين السورية"، أن اللجوء إلى الذهب ليس ظاهرة سورية بحد ذاتها، بل سلوك اقتصادي عالمي يظهر بوضوح خلال الأزمات والحروب. ففي هذه الظروف، يبحث الأفراد عن أصل يحافظ على قيمة مدخراتهم بعيداً عن مخاطر تراجع العملات وعدم استقرارها.
ومع ذلك، لا يرى التركاوي أن الإقبال السوري على الذهب يعكس بالضرورة امتلاك الأسر مدخرات كبيرة.
ويشير إلى أن الكميات المتداولة ليست ضخمة على مدى فترات طويلة، فيما تحد القدرة الشرائية المحدودة لغالبية السوريين من قدرتهم على شراء الذهب أصلاً.
العقار.. ملاذ مختلف
في المقابل، تبدو الصورة مختلفة في سوق العقارات. إذ يرى التركاوي أن أسعارها قد ترتفع بوتيرة تتجاوز الذهب أحياناً، مدفوعة بارتفاع الطلب والحاجة الفعلية إلى السكن، ولا سيما بعد تهدم أعداد كبيرة من المنازل خلال سنوات الحرب.
ويتوقع أن يبقى الطلب على العقارات مرتفعاً خلال السنتين أو السنوات الثلاث المقبلة على الأقل. لذلك، لن يكون انخفاض الأسعار أمراً سهلاً في المدى المنظور، طالما بقيت فجوة السكن قائمة.
لكن بقاء مدخرات السوريين في الذهب والعقار لا يعني بالضرورة أنها تؤدي دوراً إنتاجياً في الاقتصاد. فالأموال تحتاج إلى بيئة قادرة على تحويلها من أصول تحفظ القيمة إلى مشاريع تولد قيمة جديدة.
لماذا يتردد الاستثمار الصناعي؟
هنا تظهر العقبة الأكبر: البنية التحتية.
فالمستثمر الذي يريد إنشاء مصنع لا يحتاج إلى رأس المال والآلات فقط، بل يحتاج أيضاً إلى كهرباء مستقرة، وفنيين لتركيب المعدات وصيانتها، وخدمات نقل واتصالات، وغيرها من المتطلبات الأساسية لتشغيل المشروع بكفاءة.
ومع عدم انتظام الكهرباء، يضطر المستثمر إلى الاعتماد على المولدات. وهذا يعني تكاليف إضافية للوقود والصيانة والتشغيل، ما يرفع كلفة الإنتاج ويضعف جاذبية الاستثمار الصناعي.
وبالتالي، يرى التركاوي أن هذه الظروف تدفع جزءاً من المستثمرين بعيداً عن الصناعة، بينما لا تزال الاستثمارات في قطاعات أخرى، كالزراعة والعقارات، محدودة قياساً إلى حجم الاحتياجات الاقتصادية.
ليس كل استثمار يصنع دورة اقتصادية
لكن التركاوي يلفت إلى نقطة أكثر أهمية: ليس كل مشروع استثماري يترك الأثر الاقتصادي نفسه.
فبعض الأنشطة تعتمد بدرجة كبيرة على مدخلات مستوردة، مثل الأسمنت والحديد والآلات والمواد الأولية. لذلك، يغادر جزء كبير من الأموال التي ينفقها المستثمر الاقتصاد المحلي، بدلاً من أن يدور داخله.
في المقابل، يمكن لصناعة تعتمد على الإنتاج المحلي أن تطلق سلسلة أوسع من النشاط الاقتصادي. ويضرب التركاوي مثالاً بصناعة الألبان والأجبان، التي تبدأ من المزارع ومربي الأبقار، وتمر بالأعلاف والزراعة والنقل والتصنيع والعمالة والتغليف، بما يجعل قطاعات متعددة تستفيد من الإنفاق نفسه.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية: قيمة الاستثمار لا تقاس فقط بحجم أرباح المستثمر، وإنما بقدرته على تحريك أكبر عدد ممكن من حلقات الاقتصاد المحلي.
المدخرات.. من ملاذ آمن إلى استثمار منتج
ويرى التركاوي أن مدخرات السوريين في الداخل والخارج يمكن، إذا توافرت الظروف المناسبة، أن تشكل مصدراً مالياً مهماً لتمويل إعادة الإعمار.
لكن جذب هذه الأموال لن يتحقق بمجرد الدعوة إلى الاستثمار. بل يحتاج أولاً إلى تحسين البنية التحتية، وتوفير الكهرباء والخدمات، وخلق بيئة اقتصادية واستثمارية أكثر استقراراً وأماناً.
وبالتالي، فإن المشكلة ليست بالضرورة غياب الأموال، وإنما غياب القنوات الجاذبة التي تحول المدخرات إلى رأس مال منتج.
قد لا يكون التحدي الحقيقي هو إخراج السوري من الذهب أو العقار، بل خلق اقتصاد يجعله يرى في الاستثمار الإنتاجي خياراً أكثر جاذبية وأماناً.
فعندما تنتقل الأموال من المدخر إلى المستثمر، ومن المستثمر إلى المصنع، ومن المصنع إلى العامل والمزارع والناقل والتاجر، تبدأ دورة اقتصادية حقيقية. عندها تتحول مدخرات السوريين من وسيلة لحماية الثروة إلى أداة لإنتاج ثروة جديدة.


