العالم - تكنولوجيا
مع الذكاء الاصطناعي.. ما الذي يبقى من الإنسان ومن اليسار؟
الذكاء الاصطناعي والإنسان ومستقبل اليسار.. من صراع الطبقات إلى صراع القيم
ع
عابد ميشيل الريس
نشر في: ١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٣:٤٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

ليس من المبالغة اعتبار أيامنا الراهنة نقطة انعطاف في تاريخ البشرية. فنحن نعيش الحقبة الأولى التي يحادث فيها الإنسان ذكاءً غير مرتبط بجسد بشري، متوقعاً منه أن يفهم مشكلاته، على اختلافها وتعقيدها، وأن يقترح لها حلولاً وإجابات، بل ربما يمنح إجاباته، في أحيان كثيرة، ثقة أكبر من تلك التي يمنحها لإجابة إنسان آخر.
ومهما عزّينا أنفسنا بأن هذا الذكاء حصيلة خبرات البشر وتجاربهم ومعارفهم، فإن علاقتنا به تتخذ شكلاً مختلفاً عن علاقتنا بأدوات المعرفة السابقة. لسنا أمام موسوعة تجمع أفكارنا فحسب، بل أمام بنية تعالج المعلومات، وتستنتج، وتولّد إجابات لا نستطيع دائماً التنبؤ مسبقاً بالشكل الذي ستصل إليه.
ومن هنا لا يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً إنسانياً وسياسياً أكبر: إذا استطاعت الآلة أن تشارك الإنسان ما عدّه طويلاً ميزته الكبرى، أي التفكير والإنتاج، فما الذي يتبقى من تعريفنا للإنسان؟ وإذا كانت علاقات الإنتاج نفسها تتغير، فماذا يتبقى من اليسار الذي بنى جانباً كبيراً من تصوره للعالم على الإنسان العامل والمنتج؟
زيارة إلى الفلسفة
ليس مستغرباً أن يضعنا هذا التحول أمام قلق من نوع جديد. فنحن لسنا أمام إنسان يتجاوز حدوده نحو إمكانات أرحب، بل أمام إمكانات تتسع إلى درجة يبدو معها الإنسان نفسه محدوداً.
ولا تقتصر المسألة على احتمال زيادة البطالة أمام آلات ذكية تتقن أعمالاً كان يؤديها البشر، بل تمتد إلى نظرة الإنسان إلى نفسه وثقته بهويته.
كان «الذكاء» زمناً طويلاً إحدى السمات التي باهى بها الإنسان بقية الأنواع؛ أي القدرة على اختزان المعلومات واستقرائها، والتعرف إلى الأنماط المشتركة بينها، وتحليلها والوصول منها إلى نتائج. وبلغت الثقة بهذه الفرادة حدّ أن المخيلة البشرية كثيراً ما بحثت عن ند ذكي للإنسان في كوكب آخر.
رأى ديكارت نفسه «شيئاً يفكر»، ونحن نتعرف إلى الآخر، في جانب أساسي، من خلال تفاعله الفكري واللغوي معنا. فهل نستطيع، بصورة موازية، القول إن الذكاء الاصطناعي «يفكر» ما دام يحلل المعلومات ويعالجها ويستجيب منطقياً لأسئلتنا؟
وهل هو عاقل؟ هل هو «آخر»؟ والأهم: ما الذي يميز الذات الإنسانية إذا استطاع الذكاء الاصطناعي، وهو ما يزال في مراحل تطوره الأولى، أن يؤدي بعض المهام الذهنية التي احتكرها الإنسان طويلاً، وربما يؤدي بعضها بصورة أفضل؟
من الإنسان المفكر إلى الإنسان المنتج
ليست صورة الإنسان بوصفه مفكراً وحدها التي تدخل أزمة أمام الذكاء الاصطناعي، بل صورته بوصفه عاملاً ومنتجاً أيضاً.
في التصور الماركسي، يحتل الإنتاج موقعاً مركزياً في فهم الإنسان وعلاقته بالعالم. ويحقق الإنسان جانباً من ذاته من خلال العمل عندما يستطيع رؤية إنتاجه جزءاً من نموه ووجوده، فيما يتحول العمل إلى مصدر اغتراب عندما تنفصل ثماره عنه.
كما يتشكل وعي الإنسان، في هذا التصور، في ارتباط وثيق بعلاقات الإنتاج السائدة. فوعي الفلاح بذاته داخل نظام إقطاعي يختلف عن وعيه في سوق تتغير فيها موازين القوة الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق راهن ماركس على العمال باعتبارهم قوة الإنتاج الأساسية في النظام الرأسمالي، ورأى تناقضاً بين الطابع الجماعي للعمل والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، متوقعاً أن يقود هذا التناقض إلى علاقات إنتاج جديدة.
شكّل ذلك قلباً أساسياً في التفكير الماركسي، وألهم تيارات وحركات سياسية واسعة خلال القرن العشرين وتجارب متعددة حاولت تطبيق الاشتراكية بصيغ مختلفة.
لكن العالم الذي نعيش فيه اليوم مختلف جذرياً.
فقد استطاعت الاقتصادات الرأسمالية، بدرجات متفاوتة، تحسين شروط العمل ورفع مستويات الأجور وتوسيع الاستهلاك، بالتوازي مع اعتماد متزايد على الآلة. ولم يعد العامل دائماً الطرف الذي يحتاج إليه رأس المال بالشكل الذي تصوره القرن الصناعي الأول، بل أصبح الحصول على فرصة العمل نفسه موضع منافسة.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف تحولاً أشد عمقاً: لم يعد جهد الإنسان العضلي وحده قابلاً للأتمتة، بل دخلنا عصر أتمتة جانب من العمل الذهني نفسه.
نحن أمام ذكاء منتج.
ومن منظور ماركسي، تفرض هذه اللحظة أسئلة مختلفة: ما علاقات الإنتاج الجديدة؟ من يملك وسائل إنتاج الذكاء؟ وكيف يرى الإنسان نفسه عندما يتضاءل احتياج الاقتصاد إلى بعض وظائفه التقليدية؟ وما إمكاناته لمقاومة شكل جديد من الاغتراب؟
من يملك الذكاء؟
قد نقول إن الجميع يملك الذكاء الاصطناعي لأن الجميع يستطيع استخدامه. لكن الاستخدام شيء، وملكية البنية التحتية والبيانات والنماذج والقدرة على توظيفها اقتصادياً وسياسياً شيء آخر.
فالإنسان الذي يستخدم هذه المنصات لا يقف دائماً في موقع المستهلك التقليدي فقط، بل يدخل، عبر تفاعله وبياناته وأنماط استخدامه، في منظومة اقتصادية أوسع تتراكم داخلها كميات هائلة من المعلومات والقيمة.
ومن هنا يصبح وعينا بأنفسنا كمجرد «مستهلكين» للذكاء الاصطناعي وعياً ناقصاً.
فالسؤال الحقيقي يتعلق بمن يمتلك النماذج والبنى التحتية والقدرة الحاسوبية والبيانات، ومن يستطيع تحويلها إلى نفوذ اقتصادي أو صناعي أو سياسي.
وأمام هذا التحول، قد يجد الإنسان نفسه أكثر قلقاً حيال قيمته كمنتج. وهنا تنقلب، جزئياً، الصورة التي صاغ فيها ماركس نظريته: لم يعد السؤال فقط كيف يستعيد العامل قيمة ما ينتجه، بل ماذا يحدث عندما يصبح جزء متزايد من الإنتاج قادراً على الاستمرار بقدر أقل من العمل البشري؟
ولهذا يصعب أن يبقى التفكير في اليسار محصوراً في الصيغة الماركسية التقليدية وحدها.
فعندما تضعف القدرة على بناء التضامن السياسي حصراً حول المصلحة الطبقية، يمكن أن تتحول الهويات إلى مساحات بديلة للصراع، وأن يجد المهمشون أنفسهم في مواجهة مهمشين آخرين بدلاً من مواجهة البنى التي تنتج تهميشهم.
عالم الوفرة.. ولمن تكون السلطة؟
طرح إيلون ماسك في حديثه خلال مؤتمر VivaTech عام 2024 تصوراً لمستقبل قد يجعل فيه الذكاء الاصطناعي العمل اختيارياً، مع وفرة كبيرة في السلع والخدمات، وتحدث عن مفهوم «الدخل المرتفع الشامل» أكثر من حديثه عن الصيغة التقليدية للدخل الأساسي الشامل.
الفكرة مثيرة إذا تذكرنا أن تراكم رأس المال كان إحدى رافعات الرأسمالية. لكن أمام هذا التصور أسئلة يصعب تجاوزها.
فالوفرة غير المحدودة تفترض، في نهاية المطاف، موارد وقدرات إنتاجية هائلة. وحتى إذا تحققت وفرة غير مسبوقة، يبقى السؤال السياسي: لماذا سيوزع مالكو تقنيات الذكاء الاصطناعي والمستفيدون الأكبر منها الثروة الناتجة عنها على الجميع؟
ومن زاوية قريبة من ميشيل فوكو، يمكن النظر إلى المعرفة المتراكمة عن البشر بوصفها مصدراً غير مسبوق للقوة: قدرة على فهم الأفراد، والتنبؤ بسلوكهم، وربما التأثير في خياراتهم.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: إذا كان الذكاء الاصطناعي يؤدي مزيداً من عمليات التفكير والإنتاج بكفاءة متصاعدة، فعلى أي أساس نقيس قيمة الإنسان؟
بالتأكيد ستبقى مهام لا يؤديها إلا البشر، لكن هل نرضى بتعريف إنسانيتنا بهذه الطريقة: الإنسان ذو القيمة هو، حتى الآن، من يستطيع القيام بما لم تستطع الآلة القيام به بعد؟
زيارة إلى السينما
التقطت السينما جانباً من هذه الهواجس قبل أن تتحول إلى واقع يومي.
في عام 1995، قدّم فيلم Batman Forever شخصية إدوارد نيغما التي تطور تقنية قادرة على الوصول إلى عقول مستخدميها واستخلاص معلوماتهم، ليحلم صاحبها بتجميع معارف الناس وأسرارهم داخل عقل واحد.
لم يكن الهدف سرقة ممتلكاتهم والسيطرة عليهم فحسب، بل تجاوز حدود الفرد عبر امتلاك معرفة جمعية.
وبصرف النظر عن المسافة بين الخيال السينمائي وتقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإن الفيلم يضعنا أمام سؤال شديد المعاصرة: ماذا يحدث عندما تصبح معرفة ملايين البشر وأنماط سلوكهم مادة يمكن تجميعها وتحليلها داخل منظومات تملكها جهات محددة؟
وما خطورة أن يتماهى مالكو التكنولوجيا مع القوة التي تمنحهم إياها، فيروا أنفسهم أصحاب حق في معرفة ما لا يعرفه الآخرون والتأثير فيهم بوسائل لا يمتلكونها؟
السؤال هنا يتعلق بمتانة الضوابط القانونية والأخلاقية التي تحكم أدوات هائلة القوة في عالم ملغم بالصراعات وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الديمقراطية.
من «ماتريكس» إلى الإنسان ذي المئتي عام
بدت تسعينيات القرن الماضي، والبشر يستعدون لعبور الألفية، كأنها عقد هواجس سينمائية تجاه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ففي عام 1999 ظهر The Matrix، الذي قدّم تصوراً جذرياً عن العلاقة بين المعرفة والسلطة: ماذا لو لم تعد السيطرة على الإنسان تحتاج إلى شرطة تراقبه، لأن الواقع الذي يدركه نفسه أصبح قابلاً للصناعة؟
وفي العام ذاته جاء Bicentennial Man – الرجل ذو المئتي عام ليطرح سؤالاً مختلفاً: ما القيمة المتبقية للإنسان أمام روبوت يزداد ذكاء وقدرة على الإبداع؟
يروي الفيلم قصة أندرو، الروبوت الذي يبدأ بتجاوز تنفيذ الأوامر إلى الإبداع وتأمل ذاته، ثم يكتشف حاجته إلى الاستقلال والتقدير والحب. ومع تطور رحلته، يسعى إلى الاقتراب أكثر فأكثر من الحالة البشرية.
لكن العائق الأخير يصبح الموت نفسه، حبيبته تشيخ وهو لا يشيخ، وتموت فيما يستطيع هو الاستمرار. وفي النهاية، يصبح قبول الفناء جزءاً من مطلبه للاعتراف بإنسانيته.
وهنا يقلب الفيلم السؤال: ربما لا تكمن فرادة الإنسان في قدرته على التخلص من النقص، بل في بعض ما اعتبره طويلاً نقصاً وهشاشة.
زيارة إلى علم النفس
لو قيل لنا إن ما يميز الإنسان عن الآلة الذكية هو «حاجاته»، فقد يبدو التعريف لأول وهلة غريباً. فنحن اعتدنا أن نبحث عن التفوق في تعريف الإنسان، فيما ترتبط الحاجة في وعينا بالنقص والهشاشة.
لكن ماذا لو كانت هذه الهشاشة نفسها جزءاً من جمال التجربة الإنسانية؟
تساعدنا نظريات أبراهام ماسلو في الاقتراب من هذا السؤال. فإلى جانب الحاجات الفيزيولوجية والأمان، وضع ماسلو حاجات الانتماء والحب والتقدير وتحقيق الذات ضمن تصوره للدافعية الإنسانية، ثم توسعت قراءات لاحقة في الحديث عن حاجات معرفية وجمالية وتجاوز الذات.
وهناك حاجات لا تُشبع نهائياً كما تُشبع الحاجة إلى الطعام؛ فتحقيق الذات والمعنى أقرب إلى مسار مفتوح يدفع الإنسان باستمرار إلى تجاوز صورته الراهنة.
ومن هنا يمكن قراءة إريك فروم، الذي ربط الصحة النفسية بقدرة الإنسان على تحقيق إمكاناته في مجتمع يتيح له الحب والحرية والإبداع والانتماء والمعنى.
فالاغتراب، وفق هذا المنظور، لا يعود مجرد انفصال العامل عن نتاج عمله، بل يصبح حرمان الإنسان من فرصة تحقيق أبعاد إنسانيته المختلفة.
الإنسان ليس مشكلة تحتاج إلى حل
لم يكن فروم وماسلو وحدهما ممن انطلقوا من علم النفس نحو أسئلة اجتماعية أوسع. فعل ذلك أيضاً مفكرون ومعالجون من التيار الوجودي والإنساني، من بينهم رولو ماي وإرفين يالوم، إلى جانب تجارب أخرى ربطت علم النفس بالحرية والعدالة والتحرر.
وتتقاطع أجزاء من هذه الرؤى مع تيارات في اليسار الاجتماعي والليبرالي ترى أن العدالة الاجتماعية وحرية الفرد ونموه ليست مبادئ متعارضة بالضرورة، بل يمكن أن يعزز بعضها بعضاً.
ومن أبرز الأسماء في هذا السياق كارل روجرز، أحد مؤسسي الاتجاه الإنساني في علم النفس والعلاج المتمركز حول الشخص.
لم يبن روجرز نظريته على افتراض أن المعالج يعرف مسبقاً ما هو الخير للمراجع، بل أعطى مساحة مركزية للإصغاء والتعاطف والفهم والقبول غير المشروط، انطلاقاً من الثقة بامتلاك الإنسان إمكانات للنمو عندما تتوافر له البيئة المناسبة.
وتكمن إحدى الأفكار المهمة هنا في تحرير العلاقة العلاجية من جزء من سلطة «الخبير» الذي يحتكر معرفة ما يحتاجه الآخر.
وامتدت تطبيقات أفكار روجرز إلى التربية والعمل مع المجموعات وحل النزاعات، فيما طوّر مارشال روزنبرغ لاحقاً منهج التواصل اللاعنفي (NVC)، الذي يقوم على الإصغاء إلى الحاجات الكامنة خلف المواقف المتعارضة، والبحث عن استراتيجيات يمكنها الاستجابة لهذه الحاجات دون اللجوء إلى الإكراه والعنف.
والفكرة الأساسية هنا شديدة الأهمية سياسياً: قد لا يكون الصراع دائماً بين حاجات يستحيل التوفيق بينها، بل بين استراتيجيات مختلفة اختارها البشر لتلبية تلك الحاجات.
أي يسار في عصر الذكاء الاصطناعي؟
إذا كان هدف اليسار تحرير الإنسان من الاغتراب بمعناه الواسع، لا بمعناه الاقتصادي وحده، فقد يجد في علم النفس الإنساني والاجتماعي حليفاً مهماً لفهم الإنسان الذي عبر الثورة الصناعية ووصل اليوم إلى عصر الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا اليسار، وفق هذا التصور، لن يقوم حصراً على الصراع الطبقي، بل على صراع ديمقراطي وثقافي وقيمي حول معنى الحرية والعدالة والكرامة والقدرة على تحقيق الذات.
كما أنه لن يستطيع الاطمئنان إلى فكرة أن التاريخ يسير حتماً في صالحه. فالمستقبل ليس نتيجة مضمونة، وإنما مجموعة خيارات سياسية واجتماعية وأخلاقية يتخذها البشر.
وهذا التحول ضروري لأن القلق المتصاعد بشأن قيمة الإنسان الاقتصادية قد يدفع المجتمعات إلى صراعات نجاة جديدة، لا يكون طرفاها بالضرورة الفقراء والأغنياء أو العمال والمالكين، بل فئات مهمشة تتنافس مع فئات مهمشة أخرى على فرص تتصور أنها تتضاءل.
وعندها يمكن أن تتحول الهوية إلى قارب نجاة متخيّل في عالم تزداد فيه الريبة من الآخر.
وفي مثل هذا المناخ، قد تسقط دكتاتورية هنا أو هناك من دون أن يؤدي سقوطها تلقائياً إلى عقد اجتماعي سليم، لأن انهيار السلطة القديمة لا يلغي المخاوف الاجتماعية المتراكمة ولا يجيب وحده عن سؤال: كيف يمكن أن يعيش المختلفون معاً؟
من الصراع على الإنتاج إلى الصراع على الإنسان
يبقى السؤال: كيف يمكن للاستبصارات التي قدمتها مدارس علم النفس الإنساني والتحرري أن تتحول إلى أفكار قادرة على تحريك عمل سياسي جماعي؟
يمكن العثور بالفعل على تقاطعات بين بعض التيارات اليسارية المعاصرة ومفاهيم الحرية الفردية والمشاركة والعدالة الاجتماعية وتمكين الإنسان، لكن تحويل هذه التقاطعات إلى مشروع سياسي متماسك في عصر الذكاء الاصطناعي ما يزال مهمة مفتوحة.
ومن المبكر، على الأرجح، توقع ولادة يسار إنساني جماهيري يمتلك أدواته كاملة. فالمجتمعات تعيش تحت ضغط اقتصادي وسياسي وإعلامي كبير، فيما تستطيع خوارزميات المنصات الرقمية مضاعفة الاستقطاب والقلق من الآخر.
لكن ربما تكون هناك مساحة لنمو يسار نقدي جديد؛ يسار يراقب استخدام الذكاء الاصطناعي في تشكيل خيارات البشر وتفضيلاتهم، وفي الوقت نفسه يستفيد من التكنولوجيا في زيادة التنظيم والتعاون وابتكار استراتيجيات جماعية جديدة.
يسار يتمركز حول الإنسان، لا حول التكنولوجيا بذاتها، ويبحث في كيفية توزيع القوة التي تنتجها الثورة التقنية بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن توزيع المال.
وقد يقود تراكم مثل هذه الأفكار إلى رؤية بديلة تجمع مزيداً من الحلفاء حولها، وربما إلى وعي جماعي قادر على المطالبة بشروط سياسية واقتصادية جديدة.
لكن لا شيء من ذلك حتمي، فلم يعد ممكناً الاتكال على حركة التاريخ كي تريحنا من عبء القرار.
السؤال في النهاية هو قرارنا نحن: هل نقبل عالماً يقوم على الاعتقاد بأن حاجات الإنسان لا يمكن تلبيتها إلا على حساب حاجات إنسان آخر؟ أم نستثمر من جديد في الإنسان نفسه، وفي قدرته على التعاطف والتعاون والإبداع وصناعة المعنى؟
ربما يكون السؤال الذي بدأ مع الذكاء الاصطناعي قد قادنا، في النهاية، إلى الإنسان.
فكلما أصبحت الآلة أذكى، لن يصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟
بل: أي بشر نريد أن نكون عندما تستطيع الآلة فعل المزيد؟
ومهما عزّينا أنفسنا بأن هذا الذكاء حصيلة خبرات البشر وتجاربهم ومعارفهم، فإن علاقتنا به تتخذ شكلاً مختلفاً عن علاقتنا بأدوات المعرفة السابقة. لسنا أمام موسوعة تجمع أفكارنا فحسب، بل أمام بنية تعالج المعلومات، وتستنتج، وتولّد إجابات لا نستطيع دائماً التنبؤ مسبقاً بالشكل الذي ستصل إليه.
ومن هنا لا يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً إنسانياً وسياسياً أكبر: إذا استطاعت الآلة أن تشارك الإنسان ما عدّه طويلاً ميزته الكبرى، أي التفكير والإنتاج، فما الذي يتبقى من تعريفنا للإنسان؟ وإذا كانت علاقات الإنتاج نفسها تتغير، فماذا يتبقى من اليسار الذي بنى جانباً كبيراً من تصوره للعالم على الإنسان العامل والمنتج؟
زيارة إلى الفلسفة
ليس مستغرباً أن يضعنا هذا التحول أمام قلق من نوع جديد. فنحن لسنا أمام إنسان يتجاوز حدوده نحو إمكانات أرحب، بل أمام إمكانات تتسع إلى درجة يبدو معها الإنسان نفسه محدوداً.
ولا تقتصر المسألة على احتمال زيادة البطالة أمام آلات ذكية تتقن أعمالاً كان يؤديها البشر، بل تمتد إلى نظرة الإنسان إلى نفسه وثقته بهويته.
كان «الذكاء» زمناً طويلاً إحدى السمات التي باهى بها الإنسان بقية الأنواع؛ أي القدرة على اختزان المعلومات واستقرائها، والتعرف إلى الأنماط المشتركة بينها، وتحليلها والوصول منها إلى نتائج. وبلغت الثقة بهذه الفرادة حدّ أن المخيلة البشرية كثيراً ما بحثت عن ند ذكي للإنسان في كوكب آخر.
رأى ديكارت نفسه «شيئاً يفكر»، ونحن نتعرف إلى الآخر، في جانب أساسي، من خلال تفاعله الفكري واللغوي معنا. فهل نستطيع، بصورة موازية، القول إن الذكاء الاصطناعي «يفكر» ما دام يحلل المعلومات ويعالجها ويستجيب منطقياً لأسئلتنا؟
وهل هو عاقل؟ هل هو «آخر»؟ والأهم: ما الذي يميز الذات الإنسانية إذا استطاع الذكاء الاصطناعي، وهو ما يزال في مراحل تطوره الأولى، أن يؤدي بعض المهام الذهنية التي احتكرها الإنسان طويلاً، وربما يؤدي بعضها بصورة أفضل؟
من الإنسان المفكر إلى الإنسان المنتج
ليست صورة الإنسان بوصفه مفكراً وحدها التي تدخل أزمة أمام الذكاء الاصطناعي، بل صورته بوصفه عاملاً ومنتجاً أيضاً.
في التصور الماركسي، يحتل الإنتاج موقعاً مركزياً في فهم الإنسان وعلاقته بالعالم. ويحقق الإنسان جانباً من ذاته من خلال العمل عندما يستطيع رؤية إنتاجه جزءاً من نموه ووجوده، فيما يتحول العمل إلى مصدر اغتراب عندما تنفصل ثماره عنه.
كما يتشكل وعي الإنسان، في هذا التصور، في ارتباط وثيق بعلاقات الإنتاج السائدة. فوعي الفلاح بذاته داخل نظام إقطاعي يختلف عن وعيه في سوق تتغير فيها موازين القوة الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق راهن ماركس على العمال باعتبارهم قوة الإنتاج الأساسية في النظام الرأسمالي، ورأى تناقضاً بين الطابع الجماعي للعمل والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، متوقعاً أن يقود هذا التناقض إلى علاقات إنتاج جديدة.
شكّل ذلك قلباً أساسياً في التفكير الماركسي، وألهم تيارات وحركات سياسية واسعة خلال القرن العشرين وتجارب متعددة حاولت تطبيق الاشتراكية بصيغ مختلفة.
لكن العالم الذي نعيش فيه اليوم مختلف جذرياً.
فقد استطاعت الاقتصادات الرأسمالية، بدرجات متفاوتة، تحسين شروط العمل ورفع مستويات الأجور وتوسيع الاستهلاك، بالتوازي مع اعتماد متزايد على الآلة. ولم يعد العامل دائماً الطرف الذي يحتاج إليه رأس المال بالشكل الذي تصوره القرن الصناعي الأول، بل أصبح الحصول على فرصة العمل نفسه موضع منافسة.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف تحولاً أشد عمقاً: لم يعد جهد الإنسان العضلي وحده قابلاً للأتمتة، بل دخلنا عصر أتمتة جانب من العمل الذهني نفسه.
نحن أمام ذكاء منتج.
ومن منظور ماركسي، تفرض هذه اللحظة أسئلة مختلفة: ما علاقات الإنتاج الجديدة؟ من يملك وسائل إنتاج الذكاء؟ وكيف يرى الإنسان نفسه عندما يتضاءل احتياج الاقتصاد إلى بعض وظائفه التقليدية؟ وما إمكاناته لمقاومة شكل جديد من الاغتراب؟
من يملك الذكاء؟
قد نقول إن الجميع يملك الذكاء الاصطناعي لأن الجميع يستطيع استخدامه. لكن الاستخدام شيء، وملكية البنية التحتية والبيانات والنماذج والقدرة على توظيفها اقتصادياً وسياسياً شيء آخر.
فالإنسان الذي يستخدم هذه المنصات لا يقف دائماً في موقع المستهلك التقليدي فقط، بل يدخل، عبر تفاعله وبياناته وأنماط استخدامه، في منظومة اقتصادية أوسع تتراكم داخلها كميات هائلة من المعلومات والقيمة.
ومن هنا يصبح وعينا بأنفسنا كمجرد «مستهلكين» للذكاء الاصطناعي وعياً ناقصاً.
فالسؤال الحقيقي يتعلق بمن يمتلك النماذج والبنى التحتية والقدرة الحاسوبية والبيانات، ومن يستطيع تحويلها إلى نفوذ اقتصادي أو صناعي أو سياسي.
وأمام هذا التحول، قد يجد الإنسان نفسه أكثر قلقاً حيال قيمته كمنتج. وهنا تنقلب، جزئياً، الصورة التي صاغ فيها ماركس نظريته: لم يعد السؤال فقط كيف يستعيد العامل قيمة ما ينتجه، بل ماذا يحدث عندما يصبح جزء متزايد من الإنتاج قادراً على الاستمرار بقدر أقل من العمل البشري؟
ولهذا يصعب أن يبقى التفكير في اليسار محصوراً في الصيغة الماركسية التقليدية وحدها.
فعندما تضعف القدرة على بناء التضامن السياسي حصراً حول المصلحة الطبقية، يمكن أن تتحول الهويات إلى مساحات بديلة للصراع، وأن يجد المهمشون أنفسهم في مواجهة مهمشين آخرين بدلاً من مواجهة البنى التي تنتج تهميشهم.
عالم الوفرة.. ولمن تكون السلطة؟
طرح إيلون ماسك في حديثه خلال مؤتمر VivaTech عام 2024 تصوراً لمستقبل قد يجعل فيه الذكاء الاصطناعي العمل اختيارياً، مع وفرة كبيرة في السلع والخدمات، وتحدث عن مفهوم «الدخل المرتفع الشامل» أكثر من حديثه عن الصيغة التقليدية للدخل الأساسي الشامل.
الفكرة مثيرة إذا تذكرنا أن تراكم رأس المال كان إحدى رافعات الرأسمالية. لكن أمام هذا التصور أسئلة يصعب تجاوزها.
فالوفرة غير المحدودة تفترض، في نهاية المطاف، موارد وقدرات إنتاجية هائلة. وحتى إذا تحققت وفرة غير مسبوقة، يبقى السؤال السياسي: لماذا سيوزع مالكو تقنيات الذكاء الاصطناعي والمستفيدون الأكبر منها الثروة الناتجة عنها على الجميع؟
❝فالثروة ليست مالاً فقط؛ إنها سلطة أيضاً.❞
ومن زاوية قريبة من ميشيل فوكو، يمكن النظر إلى المعرفة المتراكمة عن البشر بوصفها مصدراً غير مسبوق للقوة: قدرة على فهم الأفراد، والتنبؤ بسلوكهم، وربما التأثير في خياراتهم.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: إذا كان الذكاء الاصطناعي يؤدي مزيداً من عمليات التفكير والإنتاج بكفاءة متصاعدة، فعلى أي أساس نقيس قيمة الإنسان؟
بالتأكيد ستبقى مهام لا يؤديها إلا البشر، لكن هل نرضى بتعريف إنسانيتنا بهذه الطريقة: الإنسان ذو القيمة هو، حتى الآن، من يستطيع القيام بما لم تستطع الآلة القيام به بعد؟
زيارة إلى السينما
التقطت السينما جانباً من هذه الهواجس قبل أن تتحول إلى واقع يومي.
في عام 1995، قدّم فيلم Batman Forever شخصية إدوارد نيغما التي تطور تقنية قادرة على الوصول إلى عقول مستخدميها واستخلاص معلوماتهم، ليحلم صاحبها بتجميع معارف الناس وأسرارهم داخل عقل واحد.
لم يكن الهدف سرقة ممتلكاتهم والسيطرة عليهم فحسب، بل تجاوز حدود الفرد عبر امتلاك معرفة جمعية.
وبصرف النظر عن المسافة بين الخيال السينمائي وتقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية، فإن الفيلم يضعنا أمام سؤال شديد المعاصرة: ماذا يحدث عندما تصبح معرفة ملايين البشر وأنماط سلوكهم مادة يمكن تجميعها وتحليلها داخل منظومات تملكها جهات محددة؟
وما خطورة أن يتماهى مالكو التكنولوجيا مع القوة التي تمنحهم إياها، فيروا أنفسهم أصحاب حق في معرفة ما لا يعرفه الآخرون والتأثير فيهم بوسائل لا يمتلكونها؟
السؤال هنا يتعلق بمتانة الضوابط القانونية والأخلاقية التي تحكم أدوات هائلة القوة في عالم ملغم بالصراعات وتتراجع فيه الثقة بالمؤسسات الديمقراطية.
من «ماتريكس» إلى الإنسان ذي المئتي عام
بدت تسعينيات القرن الماضي، والبشر يستعدون لعبور الألفية، كأنها عقد هواجس سينمائية تجاه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ففي عام 1999 ظهر The Matrix، الذي قدّم تصوراً جذرياً عن العلاقة بين المعرفة والسلطة: ماذا لو لم تعد السيطرة على الإنسان تحتاج إلى شرطة تراقبه، لأن الواقع الذي يدركه نفسه أصبح قابلاً للصناعة؟
وفي العام ذاته جاء Bicentennial Man – الرجل ذو المئتي عام ليطرح سؤالاً مختلفاً: ما القيمة المتبقية للإنسان أمام روبوت يزداد ذكاء وقدرة على الإبداع؟
يروي الفيلم قصة أندرو، الروبوت الذي يبدأ بتجاوز تنفيذ الأوامر إلى الإبداع وتأمل ذاته، ثم يكتشف حاجته إلى الاستقلال والتقدير والحب. ومع تطور رحلته، يسعى إلى الاقتراب أكثر فأكثر من الحالة البشرية.
لكن العائق الأخير يصبح الموت نفسه، حبيبته تشيخ وهو لا يشيخ، وتموت فيما يستطيع هو الاستمرار. وفي النهاية، يصبح قبول الفناء جزءاً من مطلبه للاعتراف بإنسانيته.
وهنا يقلب الفيلم السؤال: ربما لا تكمن فرادة الإنسان في قدرته على التخلص من النقص، بل في بعض ما اعتبره طويلاً نقصاً وهشاشة.
زيارة إلى علم النفس
لو قيل لنا إن ما يميز الإنسان عن الآلة الذكية هو «حاجاته»، فقد يبدو التعريف لأول وهلة غريباً. فنحن اعتدنا أن نبحث عن التفوق في تعريف الإنسان، فيما ترتبط الحاجة في وعينا بالنقص والهشاشة.
لكن ماذا لو كانت هذه الهشاشة نفسها جزءاً من جمال التجربة الإنسانية؟
تساعدنا نظريات أبراهام ماسلو في الاقتراب من هذا السؤال. فإلى جانب الحاجات الفيزيولوجية والأمان، وضع ماسلو حاجات الانتماء والحب والتقدير وتحقيق الذات ضمن تصوره للدافعية الإنسانية، ثم توسعت قراءات لاحقة في الحديث عن حاجات معرفية وجمالية وتجاوز الذات.
وهناك حاجات لا تُشبع نهائياً كما تُشبع الحاجة إلى الطعام؛ فتحقيق الذات والمعنى أقرب إلى مسار مفتوح يدفع الإنسان باستمرار إلى تجاوز صورته الراهنة.
ومن هنا يمكن قراءة إريك فروم، الذي ربط الصحة النفسية بقدرة الإنسان على تحقيق إمكاناته في مجتمع يتيح له الحب والحرية والإبداع والانتماء والمعنى.
فالاغتراب، وفق هذا المنظور، لا يعود مجرد انفصال العامل عن نتاج عمله، بل يصبح حرمان الإنسان من فرصة تحقيق أبعاد إنسانيته المختلفة.
الإنسان ليس مشكلة تحتاج إلى حل
لم يكن فروم وماسلو وحدهما ممن انطلقوا من علم النفس نحو أسئلة اجتماعية أوسع. فعل ذلك أيضاً مفكرون ومعالجون من التيار الوجودي والإنساني، من بينهم رولو ماي وإرفين يالوم، إلى جانب تجارب أخرى ربطت علم النفس بالحرية والعدالة والتحرر.
وتتقاطع أجزاء من هذه الرؤى مع تيارات في اليسار الاجتماعي والليبرالي ترى أن العدالة الاجتماعية وحرية الفرد ونموه ليست مبادئ متعارضة بالضرورة، بل يمكن أن يعزز بعضها بعضاً.
ومن أبرز الأسماء في هذا السياق كارل روجرز، أحد مؤسسي الاتجاه الإنساني في علم النفس والعلاج المتمركز حول الشخص.
لم يبن روجرز نظريته على افتراض أن المعالج يعرف مسبقاً ما هو الخير للمراجع، بل أعطى مساحة مركزية للإصغاء والتعاطف والفهم والقبول غير المشروط، انطلاقاً من الثقة بامتلاك الإنسان إمكانات للنمو عندما تتوافر له البيئة المناسبة.
وتكمن إحدى الأفكار المهمة هنا في تحرير العلاقة العلاجية من جزء من سلطة «الخبير» الذي يحتكر معرفة ما يحتاجه الآخر.
وامتدت تطبيقات أفكار روجرز إلى التربية والعمل مع المجموعات وحل النزاعات، فيما طوّر مارشال روزنبرغ لاحقاً منهج التواصل اللاعنفي (NVC)، الذي يقوم على الإصغاء إلى الحاجات الكامنة خلف المواقف المتعارضة، والبحث عن استراتيجيات يمكنها الاستجابة لهذه الحاجات دون اللجوء إلى الإكراه والعنف.
والفكرة الأساسية هنا شديدة الأهمية سياسياً: قد لا يكون الصراع دائماً بين حاجات يستحيل التوفيق بينها، بل بين استراتيجيات مختلفة اختارها البشر لتلبية تلك الحاجات.
أي يسار في عصر الذكاء الاصطناعي؟
إذا كان هدف اليسار تحرير الإنسان من الاغتراب بمعناه الواسع، لا بمعناه الاقتصادي وحده، فقد يجد في علم النفس الإنساني والاجتماعي حليفاً مهماً لفهم الإنسان الذي عبر الثورة الصناعية ووصل اليوم إلى عصر الذكاء الاصطناعي.
لكن هذا اليسار، وفق هذا التصور، لن يقوم حصراً على الصراع الطبقي، بل على صراع ديمقراطي وثقافي وقيمي حول معنى الحرية والعدالة والكرامة والقدرة على تحقيق الذات.
كما أنه لن يستطيع الاطمئنان إلى فكرة أن التاريخ يسير حتماً في صالحه. فالمستقبل ليس نتيجة مضمونة، وإنما مجموعة خيارات سياسية واجتماعية وأخلاقية يتخذها البشر.
وهذا التحول ضروري لأن القلق المتصاعد بشأن قيمة الإنسان الاقتصادية قد يدفع المجتمعات إلى صراعات نجاة جديدة، لا يكون طرفاها بالضرورة الفقراء والأغنياء أو العمال والمالكين، بل فئات مهمشة تتنافس مع فئات مهمشة أخرى على فرص تتصور أنها تتضاءل.
وعندها يمكن أن تتحول الهوية إلى قارب نجاة متخيّل في عالم تزداد فيه الريبة من الآخر.
وفي مثل هذا المناخ، قد تسقط دكتاتورية هنا أو هناك من دون أن يؤدي سقوطها تلقائياً إلى عقد اجتماعي سليم، لأن انهيار السلطة القديمة لا يلغي المخاوف الاجتماعية المتراكمة ولا يجيب وحده عن سؤال: كيف يمكن أن يعيش المختلفون معاً؟
من الصراع على الإنتاج إلى الصراع على الإنسان
يبقى السؤال: كيف يمكن للاستبصارات التي قدمتها مدارس علم النفس الإنساني والتحرري أن تتحول إلى أفكار قادرة على تحريك عمل سياسي جماعي؟
يمكن العثور بالفعل على تقاطعات بين بعض التيارات اليسارية المعاصرة ومفاهيم الحرية الفردية والمشاركة والعدالة الاجتماعية وتمكين الإنسان، لكن تحويل هذه التقاطعات إلى مشروع سياسي متماسك في عصر الذكاء الاصطناعي ما يزال مهمة مفتوحة.
ومن المبكر، على الأرجح، توقع ولادة يسار إنساني جماهيري يمتلك أدواته كاملة. فالمجتمعات تعيش تحت ضغط اقتصادي وسياسي وإعلامي كبير، فيما تستطيع خوارزميات المنصات الرقمية مضاعفة الاستقطاب والقلق من الآخر.
لكن ربما تكون هناك مساحة لنمو يسار نقدي جديد؛ يسار يراقب استخدام الذكاء الاصطناعي في تشكيل خيارات البشر وتفضيلاتهم، وفي الوقت نفسه يستفيد من التكنولوجيا في زيادة التنظيم والتعاون وابتكار استراتيجيات جماعية جديدة.
يسار يتمركز حول الإنسان، لا حول التكنولوجيا بذاتها، ويبحث في كيفية توزيع القوة التي تنتجها الثورة التقنية بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن توزيع المال.
وقد يقود تراكم مثل هذه الأفكار إلى رؤية بديلة تجمع مزيداً من الحلفاء حولها، وربما إلى وعي جماعي قادر على المطالبة بشروط سياسية واقتصادية جديدة.
لكن لا شيء من ذلك حتمي، فلم يعد ممكناً الاتكال على حركة التاريخ كي تريحنا من عبء القرار.
السؤال في النهاية هو قرارنا نحن: هل نقبل عالماً يقوم على الاعتقاد بأن حاجات الإنسان لا يمكن تلبيتها إلا على حساب حاجات إنسان آخر؟ أم نستثمر من جديد في الإنسان نفسه، وفي قدرته على التعاطف والتعاون والإبداع وصناعة المعنى؟
ربما يكون السؤال الذي بدأ مع الذكاء الاصطناعي قد قادنا، في النهاية، إلى الإنسان.
فكلما أصبحت الآلة أذكى، لن يصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟
بل: أي بشر نريد أن نكون عندما تستطيع الآلة فعل المزيد؟


