سوريا - سياسة
ماكرون في دمشق.. محطة معززة لمسار العلاقات السورية الفرنسية
ا
العين السورية
نشر في: ٥ يوليو ٢٠٢٦، ١٥:٠٨
3 دقيقة

تشهد العاصمة دمشق، غداً الإثنين، حدثاً دبلوماسياً بالغ الأهمية، يتمثل في زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والتي تعد الأولى من نوعها لرئيس غربي إلى سوريا منذ سقوط النظام البائد في كانون الأول 2024.
تأتي هذه الزيارة، التي يصل خلالها ماكرون على رأس وفد وزاري وكبير من رجال الأعمال، لتضع حداً لقطيعة دبلوماسية استمرت نحو عقدين من الزمن، منذ زيارة الرئيس نيكولا ساركوزي الأخيرة إلى دمشق عام 2008، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات بين باريس ودمشق.
تتويج لسلسلة من الخطوات المتبادلة
زيارة ماكرون المرتقبة إلى دمشق هي تتويج لسلسلة من الخطوات المتبادلة التي شهدها المسار السوري-الفرنسي خلال العامين الماضيين، ففي أيار 2025، كان الرئيس الفرنسي أول رئيس غربي يستقبل الرئيس الشرع في باريس، في زيارة اعتُبرت محطة فارقة في إعادة الانخراط الدبلوماسي مع دمشق، كما سبق ذلك إعادة فتح السفارة الفرنسية في دمشق، وسلسلة من الاتصالات الهاتفية بين الرئيسين بحثا خلالها تطورات الأوضاع في المنطقة وسبل تعزيز الاستقرار.
وتأتي الزيارة في سياق تحولات كبيرة وهامة شهدتها سوريا، بدأت مع جهود ترسيخ الاستقرار والانفتاح وتفكيك إرث النظام البائد، مروراً باتفاق وقف إطلاق النار ودمج "قوات سوريا الديمقراطية" في كانون الثاني 2026، ورفع العقوبات الأمريكية والغربية، وصولاً إلى بدء استقرار مؤسسات الدولة وانطلاق أعمال مجلس الشعب غداً، وهو ما يضفي على التوقيت أهمية استثنائية كونه يعكس اهتمام وتطلع البلدين إلى تعاون مشترك، يدفع بعجلة التعافي والنهوض الاقتصادية لسوريا، ويعيد لفرنسا خصوصيتها وتأثيرها في ملفات وقضايا المنطقة.
أبعاد ومسارات
ويرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور عبد الباسط أبو نبوت في حديثه لـ" العين السورية"، أن زيارة ماكرون إلى دمشق تحمل أبعاداً متعددة تنعكس مباشرة على طبيعة العلاقات السورية الفرنسية في المستقبل المنظور، حيث تمثل عودة استراتيجية فرنسية إلى الساحة السورية، تستفيد فيها باريس من التحولات الجيوبوليتيكية التي شهدتها المنطقة، وتحرص على استعادة دورها كلاعب مؤثر في المشرق العربي، مستندة إلى إرثها التاريخي وعلاقاتها التقليدية في المنطقة، وهي بذلك تضع حداً لقطيعة استمرت منذ اندلاع الحرب عام 2011، حين قطعت باريس علاقاتها بنظام الأسد.
كما أن الزيارة تحمل بعداً اقتصادياً، حيث يُرافق الرئيس الفرنسي وفد من ممثلي شركات فرنسية مهتمة بالمشاركة في عملية إعادة البناء في سوريا، مما يشير إلى أن باريس بدأت تنظر إلى دمشق باعتبارها فرصة اقتصادية واعدة، لاسيما وأن فرنسا تأمل أن تفتح هذه الزيارة الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي، ومنحها موقعاً مميزاً في مرحلة ما بعد الحرب.
ضمن هذا السياق، يتابع الدكتور أبو نبوت حديثه بالقول، إن من أبرز الملفات التي قد تتناولها المباحثات، دعم مسارات المرحلة الانتقالية، وحماية حقوق جميع المواطنين، وضمان استقرار المؤسسات السورية، كما من المتوقع أن يبحث الطرفان تنفيذ اتفاق 30 كانون الثاني 2026 المتعلق بدمج قوات قسد ضمن مؤسسات الدولة السورية، وهو ملف توليه فرنسا أهمية خاصة، إذ تعتبر أن هذا الاتفاق يمثل أفضل فرصة متاحة للطرفين.
كما يمثل البعد الاقتصادي، بحسب أبو نبوت، أهمية قصوى في هذه الزيارة، حيث من المتوقع أن تتركز المباحثات حول فرص الاستثمار والمشاركة في إعادة الإعمار في قطاعات البنية التحتية والطاقة والصحة والتعليم والخدمات، كما يتوقع أن تتناول المحادثات سبل فتح آفاق للتعافي المبكر ومشاريع التنمية المستدامة، كما أن الملف الأمني لن يغيب المحادثات المرتقبة، حيث تتطلع فرنسا إلى تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب ومنع عودة تنظيم داعش الإرهابي، كما ستتناول المباحثات استقرار الحدود ومنع التصعيد في جنوب سوريا.
تحول في الرؤية الفرنسية
كذلك، يشكل الملف اللبناني أحد أهم محددات السياسة الفرنسية في المشرق، فباريس تنظر إلى استقرار لبنان بوصفه جزءاً من أمن شرق المتوسط، وقد تشكل الزيارة فرصة لتبادل وجهات النظر حول مستقبل العلاقات السورية-اللبنانية وآليات تعزيز الأمن والاستقرار على جانبي الحدود، كما ستتضمن المباحثات علاقات سوريا مع جوارها، خصوصاً لبنان وإسرائيل، حيث تطالب فرنسا باحترام الجوار السوري-اللبناني وانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية.
ثمة أيضاً ملفات إنسانية تهم الجانبين، منها وجود جالية سورية كبيرة في فرنسا تضم أطباء ومهندسين وكفاءات، حيث يشكل رفض بعضهم العودة إلى سوريا تحدياً للاقتصاد والمجتمع الفرنسي.
وختم الباحث في العلاقات الدولية الدكتور عبد الباسط أبو نبوت حديثه لـ" العين السورية"، بالتأكيد على أن زيارة الرئيس ماكرون إلى دمشق، تمثل محطة تاريخية تعيد فرنسا إلى قلب المشهد السوري والشرق أوسطي، فهي ليست مجرد زيارة بروتوكولية، وإنما خطوة استراتيجية تعكس تحولاً في الرؤية الفرنسية تجاه سوريا، من مقاربة قائمة على العزلة إلى مقاربة تقوم على الانخراط والدعم، ومع تنوع الملفات المطروحة على طاولة المباحثات – من السياسي والاقتصادي إلى الأمني والإقليمي – فإن نجاح هذه الزيارة في تحقيق أهدافها سيرتبط بقدرة الطرفين على بناء ثقة متبادلة، وتجاوز إرث السنوات الماضية، والعمل معاً من أجل سوريا مستقرة وآمنة تعود إلى محيطها العربي والدولي.
بين السياسة والاقتصاد
وفي وقت سابق اليوم، أفادت مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية العربية السورية، بأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيجري زيارة مرتقبة إلى سوريا، لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
وأوضح مديرية الإعلام أن الرئيس الفرنسي يرافقه وفد يضم مستثمرين وممثلين عن شركات فرنسية، في مؤشر إلى توجه الجانبين لتعزيز التعاون الاقتصادي إلى جانب الملفات السياسية.
وبيّن المصدر أن الرئيسين أحمد الشرع والفرنسي إيمانويل ماكرون سيجريان جلسة حوار مستديرة مع الوفدين.
وأضاف المصدر: إن المباحثات ستتناول تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، وآفاق التعاون الثنائي في مختلف المجالات، في إطار الحرص المشترك على مواصلة الحوار السياسي وتعزيز العلاقات بين البلدين.
وكان الرئيس أحمد الشرع زار الجمهورية الفرنسية العام الماضي تلبيةً لدعوة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، حيث عقد الجانبان مباحثات في قصر الإليزيه تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع التعاون في مختلف المجالات.
وأكد الجانبان خلال تلك المباحثات أهمية احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وتعزيز الحوار والتعاون بما يخدم مصالح الشعبين الصديقين، ودعم جهود التعافي وإعادة الإعمار، وتوسيع مجالات التعاون.
وتندرج الزيارة المرتقبة في إطار مسار متواصل من الاتصالات والمشاورات السياسية بين دمشق وباريس، بما يعكس توجهاً مشتركاً نحو تطوير العلاقات السورية-الفرنسية وتعزيز التنسيق حيال القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتوسيع التعاون الثنائي في مختلف المجالات.

