سوريا - مجتمع
كي لا تصمت النواعير... حكاية حرفة تقاوم الاندثار في حماة
صناعة النواعير".. حرفة تُقاوم الاندثار بأصابع آخر حرفييها وتقنيات أجيالها الشابة
ر
رحاب محمد
نشر في: ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦، ٠٠:٠٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لا تبدو الأغنية الشعبية "سمعت عنين الناعورة وعنينها شغال بالي" مجرد أغنية تراثية ارتبطت بمدينة حماة، بل تختصر علاقة وجدانية عميقة بين أهل المدينة ونواعيرها، التي شكلت جزءاً من ذاكرتهم وهويتهم الثقافية.
فلا يزال كثير من الأهالي يجتمعون عند مجرى نهر العاصي لمشاهدة النواعير وهي تدور، والاستماع إلى صوتها الذي يتداخل مع خرير المياه، في مشهد يجمع بين عبق التراث وجمال الطبيعة.
ولا يقتصر الحفاظ على هذا الإرث على إبقاء النواعير دائرة في مجرى العاصي، بل يمتد إلى حماية الحرف المرتبطة بها، وفي مقدمتها صناعة مجسماتها اليدوية، التي تواجه خطر الاندثار مع تراجع عدد العاملين فيها وضعف مردودها الاقتصادي.
حرفة مهددة بالاندثار
تُعد النواعير جزءاً من التراث العريق لمدينة حماة، ويعمل الأهالي والجهات المعنية على صيانتها وحمايتها من الاندثار، لما تمثله من قيمة تاريخية وثقافية وسياحية.
ويوجد حالياً 15 ناعورة في مناطق مختلفة من مدينة حماة وأريافها، من أصل 26 ناعورة، دُمر بعضها وتضرر بعضها الآخر خلال السنوات الماضية، بحسب معلومات حصلت عليها "العين السورية".
ولم تقتصر جهود الحفاظ عليها على أعمال الصيانة والتشغيل، بل شملت إنشاء قسم في مجلس مدينة حماة، يتبع لقسم الحدائق، لتولي أعمال صيانتها، ولا سيما النواعير الكبيرة، ومن بينها الناعورتان الواقعتان وسط ساحة العاصي.
في المقابل، تراجع عدد الحرفيين العاملين في صناعة مجسمات النواعير، حتى بات يحيى الظاظا الحرفي الوحيد الذي يمارس هذه المهنة في المدينة. وقد كرمه اتحاد الحرفيين مؤخراً تقديراً لجهوده في الحفاظ عليها وضمان استمرارها رغم الصعوبات.
يحيى الظاظا... أربعة عقود مع النواعير
"العين السورية" التقت الحرفي يحيى الظاظا في محله بسوق الحرف اليدوية، ضمن سوق خان رستم باشا الأثري في حماة، حيث يصنع مجسمات النواعير يدوياً، مستفيداً من خبرة اكتسبها على مدى نحو أربعين عاماً.
ويأتي وجوده في السوق ضمن الإجراءات الحكومية الرامية إلى دعم الحرفيين والحفاظ على المهن التراثية، من خلال توفير محال تتيح لهم عرض منتجاتهم وتسويقها، بما يسهم في صون الحرف التقليدية التي تشكل شاهداً على تاريخ المدينة وتراثها.
ويروي الظاظا أنه تعلم صناعة النواعير على أيدي أصحاب المهنة قبل نحو أربعين عاماً، حين كان موظفاً في قسم النواعير. ومع مرور الوقت، تحولت الحرفة إلى جزء أساسي من حياته، وأصبح يتعامل معها بحب يشبه حبه لأبنائه.
وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي تتطلبه صناعة المجسمات يدوياً، وما تفرضه من أعباء جسدية ومادية، يقول الظاظا: "رؤية المجسم مكتملاً أمامه تنسيني التعب، حيث أشعر أن كل قطعة أصنعها جزءاً من روحي".
من العمل اليدوي إلى تقنيات الليزر
لم يقتصر دور الظاظا في الحفاظ على الحرفة على ممارستها بنفسه، بل امتد إلى تعليمها لأبنائه، مستفيداً من وجوده في سوق الحرف اليدوية الذي يساعده على عرض منتجاته ومواصلة العمل.
ويعلم الظاظا اثنين من أبنائه هذه الحرفة، ويعملان في قسم النواعير للمساهمة في أعمال صيانتها وترميمها في المدينة. وقد اتجه ابنه مصطفى، وهو في العشرينيات من عمره، إلى تعلم تقنيات التصميم بالليزر، سعياً إلى تطوير صناعة المجسمات وتخفيف الأعباء التي يحتاجها إنتاجها يدوياً.
ويشير الظاظا الابن إلى أن أسعار بعض المجسمات التقليدية تتجاوز 200 دولار، ما يجعل شراءها صعباً بالنسبة إلى كثير من الأهالي، ليقتصر اقتناءها غالباً على الأثرياء والسياح والمغتربين. في المقابل، لا يتجاوز سعر بعض المجسمات المصممة بتقنية الليزر 15 دولاراً، ما يتيح لشريحة أوسع من الناس اقتناءها وتزيين منازلهم بها.
ويقول مصطفى الظاظا: زرع والدي حب صناعة النواعير في نفسي، وقد رغبت في تعلمها عند رؤيتي عشقه لهذه الصنعة، التي يعتمد على العمل اليدوي في التصنيع، ما يحمّله أعباء جسدية ومادية كبيرة، لكنه يواصل العمل بصبر وحب.
ويتابع مصطفى: "فكرت منذ بداية تعلمي هذه الحرفة في تطويرها وإدخال التكنولوجيا إليها، بالتوازي مع محاولة إيجاد مصدر دخل مناسب من هذه الصناعة، التي لا تعد مجدية اقتصادياً".
ويضيف: بناء على طلب والدي بدأت تعلم التصميم باستخدام الليزر، وتمكنت من إنتاج مجسمات عصرية تجمع بين التراث والحداثة.
وأسهم هذا التطوير، بحسب مصطفى، في توفير مجسمات بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية لشريحة أوسع من أهالي حماة، بما يساعد على إبقاء النواعير حاضرة في منازلهم، ويمنح الحرفة فرصة للاستمرار والتطور.
تعليم أجيال جديدة
وبهدف الحفاظ على صناعة النواعير وحمايتها، حرص الحرفي الظاظا على تدريب الراغبين في تعلمها ونقل خبرته إلى أجيال جديدة، حيث ينظم دورات تدريبية بين الحين والآخر، وكانت أحدثها دورة استمرت شهرين، شارك فيها عدد من الشباب الذين يقصدون محله بصورة مستمرة للحصول على مزيد من المعرفة والخبرة.
ويرى الظاظا أن إدراج صناعة النواعير ضمن مناهج مدارس التعليم المهني يمكن أن يشكل خطوة مهمة للحفاظ عليها، من خلال تعريف الطلاب بهذه الحرفة التراثية وإتاحة الفرصة أمامهم لتعلمها بصورة منهجية.
دعم الحرفيين ضرورة
وعن متطلبات حماية صناعة النواعير من الاندثار، يؤكد الظاظا أهمية توفير الدعم للحرفيين بمختلف أشكاله، على غرار ما تقوم به دول كثيرة للحفاظ على تراثها وهويتها الثقافية.
ويرى أن العاملين في المهن التراثية يحتاجون إلى فرص أوسع للمشاركة في المعارض والمهرجانات الداخلية والخارجية، بما يسهم في الترويج لمنتجاتهم وفتح أسواق جديدة أمامها، إلى جانب تقديم الدعم المادي اللازم لمساعدتهم على مواصلة العمل.
ويفضل الظاظا التركيز على الترويج والتسويق، انطلاقاً من المثل القائل: "لا تعطني كل يوم سمكة، وإنما علّمني الصيد"، معتبراً أن تمكين الحرفي من تسويق منتجاته بنفسه يساعده على تحقيق دخل مستدام.
ومع ذلك، يؤكد أهمية الدعم المادي، ولا سيما في ظل ارتفاع تكاليف صناعة النواعير وصعوبة تأمين مستلزماتها. كما يلتمس الظاظا للجهات المعنية بعض الأعذار، في ضوء الظروف الاقتصادية الصعبة والمسؤوليات الملقاة على عاتقها.
ويشير إلى أن صناعة النواعير تمثل، من الناحية التجارية، مشروعاً خاسراً في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والجهد الكبير المبذول، لكنه يعدّها مشروعاً ناجحاً من منظور الحفاظ على تراث المدينة وهويتها.
ويشدد على ضرورة تقديم أشكال الدعم الممكنة للحرفيين، بما يتيح لهم مواصلة أعمالهم وتأمين دخل مقبول يساعدهم على تلبية متطلبات حياتهم المعيشية.
وعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة، يؤكد تمسكه بالحرفة، فالحرفي يجب أن يكون عنيد اتجاه مهنته، فالظروف لا ينبغي أن تكون سبباً للتخلي عن المهن التي تحمل قيمة تراثية وثقافية.
وعن رؤيته لمستقبل صناعة النواعير، ولا سيما في ظل ضعف مردودها الاقتصادي وعزوف الشباب عن العمل فيها، يقول الظاظا: "طالما هناك أمهات ينجبن، ستبقى صناعة النواعير"، معرباً عن ثقته بأن وجود حرفيين ومسؤولين يعشقون حماة وتراثها سيضمن استمرار هذه الصناعة وعدم اندثارها.
جهود لدعم الصناعة التراثية
وفي إطار متابعة واقع الحرفة والجهود المبذولة للحفاظ عليها، تواصلت "العين السورية" مع رئيس اتحاد الحرفيين، عبد الوهاب درويش، لمعرفة أشكال الدعم المقدمة للعاملين في صناعة النواعير
وأكد درويش العمل على تأمين مستلزمات العمل للحرفيين والترويج لمنتجاتهم من خلال إقامة معارض داخلية وخارجية، إلى جانب تسليط الضوء إعلامياً على أهمية صناعة النواعير من الناحيتين السياحية والتراثية.
وأشار درويش إلى تقديم بعض أشكال الدعم المادي لعدد من الحرفيين، لافتاً إلى وجود مساعٍ لتدريس هذه الحرفة في المعاهد المهنية، مبيناً أن الاتحاد يعمل على تنظيم دورات تدريبية في مراكز التدريب التابعة له في حماة، بهدف نقل الخبرات المهنية وتعزيز فرص استمرار الحرف التقليدية.
وفي سياق تقدير جهود العاملين في المهن التراثية والكلام لرئيس اتحاد الحرفيين، نظم الاتحاد فعالية لتكريم عدد من الحرفيين، كان من بينهم يحيى الظاظا، الذي يُعد الحرفي الوحيد في مدينة حماة الذي يمارس صناعة مجسمات النواعير.
وبين تمسك الحرفي بمهنته، وسعي ابنه إلى تطويرها باستخدام التكنولوجيا، والجهود المعلنة لدعم الحرف التقليدية، تبقى صناعة مجسمات النواعير أمام تحد أساسي يتمثل في تحويل الاهتمام بتراث المدينة إلى فرص عمل مستدامة، تضمن استمرار الحرفة وانتقالها إلى الأجيال المقبلة.
ولا يقتصر الحفاظ على هذا الإرث على إبقاء النواعير دائرة في مجرى العاصي، بل يمتد إلى حماية الحرف المرتبطة بها، وفي مقدمتها صناعة مجسماتها اليدوية، التي تواجه خطر الاندثار مع تراجع عدد العاملين فيها وضعف مردودها الاقتصادي.
حرفة مهددة بالاندثار
تُعد النواعير جزءاً من التراث العريق لمدينة حماة، ويعمل الأهالي والجهات المعنية على صيانتها وحمايتها من الاندثار، لما تمثله من قيمة تاريخية وثقافية وسياحية.
ويوجد حالياً 15 ناعورة في مناطق مختلفة من مدينة حماة وأريافها، من أصل 26 ناعورة، دُمر بعضها وتضرر بعضها الآخر خلال السنوات الماضية، بحسب معلومات حصلت عليها "العين السورية".
ولم تقتصر جهود الحفاظ عليها على أعمال الصيانة والتشغيل، بل شملت إنشاء قسم في مجلس مدينة حماة، يتبع لقسم الحدائق، لتولي أعمال صيانتها، ولا سيما النواعير الكبيرة، ومن بينها الناعورتان الواقعتان وسط ساحة العاصي.

في المقابل، تراجع عدد الحرفيين العاملين في صناعة مجسمات النواعير، حتى بات يحيى الظاظا الحرفي الوحيد الذي يمارس هذه المهنة في المدينة. وقد كرمه اتحاد الحرفيين مؤخراً تقديراً لجهوده في الحفاظ عليها وضمان استمرارها رغم الصعوبات.
يحيى الظاظا... أربعة عقود مع النواعير
"العين السورية" التقت الحرفي يحيى الظاظا في محله بسوق الحرف اليدوية، ضمن سوق خان رستم باشا الأثري في حماة، حيث يصنع مجسمات النواعير يدوياً، مستفيداً من خبرة اكتسبها على مدى نحو أربعين عاماً.
ويأتي وجوده في السوق ضمن الإجراءات الحكومية الرامية إلى دعم الحرفيين والحفاظ على المهن التراثية، من خلال توفير محال تتيح لهم عرض منتجاتهم وتسويقها، بما يسهم في صون الحرف التقليدية التي تشكل شاهداً على تاريخ المدينة وتراثها.
ويروي الظاظا أنه تعلم صناعة النواعير على أيدي أصحاب المهنة قبل نحو أربعين عاماً، حين كان موظفاً في قسم النواعير. ومع مرور الوقت، تحولت الحرفة إلى جزء أساسي من حياته، وأصبح يتعامل معها بحب يشبه حبه لأبنائه.
وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي تتطلبه صناعة المجسمات يدوياً، وما تفرضه من أعباء جسدية ومادية، يقول الظاظا: "رؤية المجسم مكتملاً أمامه تنسيني التعب، حيث أشعر أن كل قطعة أصنعها جزءاً من روحي".
من العمل اليدوي إلى تقنيات الليزر
لم يقتصر دور الظاظا في الحفاظ على الحرفة على ممارستها بنفسه، بل امتد إلى تعليمها لأبنائه، مستفيداً من وجوده في سوق الحرف اليدوية الذي يساعده على عرض منتجاته ومواصلة العمل.
ويعلم الظاظا اثنين من أبنائه هذه الحرفة، ويعملان في قسم النواعير للمساهمة في أعمال صيانتها وترميمها في المدينة. وقد اتجه ابنه مصطفى، وهو في العشرينيات من عمره، إلى تعلم تقنيات التصميم بالليزر، سعياً إلى تطوير صناعة المجسمات وتخفيف الأعباء التي يحتاجها إنتاجها يدوياً.
ويشير الظاظا الابن إلى أن أسعار بعض المجسمات التقليدية تتجاوز 200 دولار، ما يجعل شراءها صعباً بالنسبة إلى كثير من الأهالي، ليقتصر اقتناءها غالباً على الأثرياء والسياح والمغتربين. في المقابل، لا يتجاوز سعر بعض المجسمات المصممة بتقنية الليزر 15 دولاراً، ما يتيح لشريحة أوسع من الناس اقتناءها وتزيين منازلهم بها.
ويقول مصطفى الظاظا: زرع والدي حب صناعة النواعير في نفسي، وقد رغبت في تعلمها عند رؤيتي عشقه لهذه الصنعة، التي يعتمد على العمل اليدوي في التصنيع، ما يحمّله أعباء جسدية ومادية كبيرة، لكنه يواصل العمل بصبر وحب.

ويتابع مصطفى: "فكرت منذ بداية تعلمي هذه الحرفة في تطويرها وإدخال التكنولوجيا إليها، بالتوازي مع محاولة إيجاد مصدر دخل مناسب من هذه الصناعة، التي لا تعد مجدية اقتصادياً".
ويضيف: بناء على طلب والدي بدأت تعلم التصميم باستخدام الليزر، وتمكنت من إنتاج مجسمات عصرية تجمع بين التراث والحداثة.
وأسهم هذا التطوير، بحسب مصطفى، في توفير مجسمات بأسعار تتناسب مع القدرة الشرائية لشريحة أوسع من أهالي حماة، بما يساعد على إبقاء النواعير حاضرة في منازلهم، ويمنح الحرفة فرصة للاستمرار والتطور.
تعليم أجيال جديدة
وبهدف الحفاظ على صناعة النواعير وحمايتها، حرص الحرفي الظاظا على تدريب الراغبين في تعلمها ونقل خبرته إلى أجيال جديدة، حيث ينظم دورات تدريبية بين الحين والآخر، وكانت أحدثها دورة استمرت شهرين، شارك فيها عدد من الشباب الذين يقصدون محله بصورة مستمرة للحصول على مزيد من المعرفة والخبرة.
ويرى الظاظا أن إدراج صناعة النواعير ضمن مناهج مدارس التعليم المهني يمكن أن يشكل خطوة مهمة للحفاظ عليها، من خلال تعريف الطلاب بهذه الحرفة التراثية وإتاحة الفرصة أمامهم لتعلمها بصورة منهجية.
دعم الحرفيين ضرورة
وعن متطلبات حماية صناعة النواعير من الاندثار، يؤكد الظاظا أهمية توفير الدعم للحرفيين بمختلف أشكاله، على غرار ما تقوم به دول كثيرة للحفاظ على تراثها وهويتها الثقافية.
ويرى أن العاملين في المهن التراثية يحتاجون إلى فرص أوسع للمشاركة في المعارض والمهرجانات الداخلية والخارجية، بما يسهم في الترويج لمنتجاتهم وفتح أسواق جديدة أمامها، إلى جانب تقديم الدعم المادي اللازم لمساعدتهم على مواصلة العمل.
ويفضل الظاظا التركيز على الترويج والتسويق، انطلاقاً من المثل القائل: "لا تعطني كل يوم سمكة، وإنما علّمني الصيد"، معتبراً أن تمكين الحرفي من تسويق منتجاته بنفسه يساعده على تحقيق دخل مستدام.
ومع ذلك، يؤكد أهمية الدعم المادي، ولا سيما في ظل ارتفاع تكاليف صناعة النواعير وصعوبة تأمين مستلزماتها. كما يلتمس الظاظا للجهات المعنية بعض الأعذار، في ضوء الظروف الاقتصادية الصعبة والمسؤوليات الملقاة على عاتقها.
ويشير إلى أن صناعة النواعير تمثل، من الناحية التجارية، مشروعاً خاسراً في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والجهد الكبير المبذول، لكنه يعدّها مشروعاً ناجحاً من منظور الحفاظ على تراث المدينة وهويتها.
ويشدد على ضرورة تقديم أشكال الدعم الممكنة للحرفيين، بما يتيح لهم مواصلة أعمالهم وتأمين دخل مقبول يساعدهم على تلبية متطلبات حياتهم المعيشية.
وعلى الرغم من الصعوبات الكثيرة، يؤكد تمسكه بالحرفة، فالحرفي يجب أن يكون عنيد اتجاه مهنته، فالظروف لا ينبغي أن تكون سبباً للتخلي عن المهن التي تحمل قيمة تراثية وثقافية.
وعن رؤيته لمستقبل صناعة النواعير، ولا سيما في ظل ضعف مردودها الاقتصادي وعزوف الشباب عن العمل فيها، يقول الظاظا: "طالما هناك أمهات ينجبن، ستبقى صناعة النواعير"، معرباً عن ثقته بأن وجود حرفيين ومسؤولين يعشقون حماة وتراثها سيضمن استمرار هذه الصناعة وعدم اندثارها.
جهود لدعم الصناعة التراثية
وفي إطار متابعة واقع الحرفة والجهود المبذولة للحفاظ عليها، تواصلت "العين السورية" مع رئيس اتحاد الحرفيين، عبد الوهاب درويش، لمعرفة أشكال الدعم المقدمة للعاملين في صناعة النواعير
وأكد درويش العمل على تأمين مستلزمات العمل للحرفيين والترويج لمنتجاتهم من خلال إقامة معارض داخلية وخارجية، إلى جانب تسليط الضوء إعلامياً على أهمية صناعة النواعير من الناحيتين السياحية والتراثية.
وأشار درويش إلى تقديم بعض أشكال الدعم المادي لعدد من الحرفيين، لافتاً إلى وجود مساعٍ لتدريس هذه الحرفة في المعاهد المهنية، مبيناً أن الاتحاد يعمل على تنظيم دورات تدريبية في مراكز التدريب التابعة له في حماة، بهدف نقل الخبرات المهنية وتعزيز فرص استمرار الحرف التقليدية.
وفي سياق تقدير جهود العاملين في المهن التراثية والكلام لرئيس اتحاد الحرفيين، نظم الاتحاد فعالية لتكريم عدد من الحرفيين، كان من بينهم يحيى الظاظا، الذي يُعد الحرفي الوحيد في مدينة حماة الذي يمارس صناعة مجسمات النواعير.
وبين تمسك الحرفي بمهنته، وسعي ابنه إلى تطويرها باستخدام التكنولوجيا، والجهود المعلنة لدعم الحرف التقليدية، تبقى صناعة مجسمات النواعير أمام تحد أساسي يتمثل في تحويل الاهتمام بتراث المدينة إلى فرص عمل مستدامة، تضمن استمرار الحرفة وانتقالها إلى الأجيال المقبلة.


