سوريا - تعليم
قبل أن تُغرَّم الأسرة: من يدفع كلفة عودة أطفال سورية إلى المدرسة؟
أطفالٌ وُلدوا مع بداية الحرب وأمضوا مرحلة التعليم الأساسي في ظلّها، يعود كثيرٌ منهم اليوم إلى مدارس مكتظة، في وقتٍ يتراجع فيه التمويل الدولي، ويعاقب القانون أُسراً قد لا تملك بديلاً عن عمل أطفالها. فما الذي يحتاج إليه إصلاح التعليم من المانحين ومن التشريع معاً؟
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ١ نوفمبر ٢٠٢٦، ١٣:٢٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يُكمل الطفل الذي وُلد في سورية ربيع عام 2011 هذا العام سنته الخامسة عشرة. وُلد في العام الذي واجه فيه نظام الأسد مطالب السوريين بالعنف، ومرّت عليه مرحلة التعليم الأساسي كلها، من الصف الأول إلى التاسع، بين القصف والنزوح.
وكثيرون من أبناء جيله تركوا المدرسة مبكراً ليعملوا ويعينوا أسرهم، أو لم يدخلوها أصلاً. ولو تغيّب أخوه الأصغر اليوم عن المدرسة ليعمل، لتعرّض وليّه، بحكم القانون، لغرامة مالية بعد إنذاره. وبين طفل فاته التعليم وأسرة قد تُغرَّم، يقع السؤال عمّا يحتاج إليه التعليم في سورية اليوم، من العالم ومن التشريع معاً.
في زيارتها سورية بين أواخر أيلول ومطلع تشرين الأول، دعت المديرة التنفيذية لليونيسف إلى أن يكون الأطفال في صلب التعافي، والأرقام المتاحة توضح حجم المهمة. فنحو 6.9 مليون طفل سوري يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، وقرابة ثمانية آلاف مدرسة خارج الخدمة، بعضها متضرر وبعضها مستخدم مراكز إيواء.
ويزيد الضغطَ أن البلاد تستقبل موجة عودة واسعة. فقد عاد منذ كانون الأول 2024 نحو 1.67 مليون لاجئ من دول الجوار، ونحو 1.9 مليون نازح إلى مناطقهم.
ولتأخر هؤلاء كلفة يصعب قياسها بعدد المدارس المرمّمة. فالبنك الدولي يسمّي «فقراً تعليمياً» أن يبلغ الطفل العاشرة وهو لا يستطيع قراءة نص بسيط وفهمه.
ويأتي ذلك في وقت يتراجع فيه التمويل الدولي. فحتى منتصف تشرين الأول لم يصل إلى خطة الاستجابة الإنسانية في سورية لهذا العام سوى نحو ثلث المطلوب. ويتزامن هذا التراجع مع انفتاح باب العودة، أي مع اللحظة التي صار فيها نقل الإنفاق من الاستجابة الطارئة إلى بناء ما يدوم ممكناً.
والطلب الأوضح من المجتمع الدولي اليوم أن يتبع التمويلُ الأطفال. فقد موّل المانحون طوال عقد تعليم الأطفال السوريين في دول اللجوء، وخصص الاتحاد الأوروبي وحده مبالغ ضخمة لبرامج التعليم في تركيا.
ولهذا الطلب سند في القانون الدولي. فاتفاقية حقوق الطفل، التي صادقت عليها سورية وكل دول العالم تقريباً، تنص في مادتها الثامنة والعشرين على أن تقوم الدول الأطراف «بتعزيز وتشجيع التعاون الدولي في الأمور المتعلقة بالتعليم»، وأن «تراعى بصفة خاصة احتياجات البلدان النامية». ويضع هذا النص دعم التعليم في بلد خارج من حرب طويلة ضمن التزام عام قبلته الدول الأطراف، وإن لم يحدد لأيٍّ منها مبلغاً بعينه.
ويقع العبء الأكبر من ذلك كله على المعلم، فهو من يستقبل في صف واحد أطفالاً عائدين ومنقطعين على تفاوت أعمارهم ومستوياتهم، ويحتاج إلى تدريب يعينه على ذلك. غير أن راتبه لا يكفي معيشته في الغالب، فيلجأ كثير من المعلمين إلى الدروس الخصوصية ليسدّوا حاجاتهم، وقد غادر عدد كبير منهم المهنة بالهجرة أو بفعل الحرب. ويعني ذلك أن تحتل الأجور والتدريب مكاناً ثابتاً في خطط تأهيل المدارس، إلى جانب كلفة البناء.
والشريك الأول في هذا الجهد هو الدولة السورية نفسها، وهي تعيد اليوم بناء منظومة تعليمية تركها النظام السابق منهكة، بمدارس مدمّرة وقوانين وُضعت لزمن آخر. وأول ما يحتاج إلى مراجعة هو الإطار القانوني.
وأمام الحكومة والمانحين سؤالٌ يستحق جواباً واضحاً: هل سيُموَّل التعليم بوصفه جزءاً من الإعمار، أم سيبقى بنداً إغاثياً ينتظر ما يتبقى من الميزانيات؟ وفي الأرقام نفسها ما يشجع على جواب جيد.
في زيارتها سورية بين أواخر أيلول ومطلع تشرين الأول، دعت المديرة التنفيذية لليونيسف إلى أن يكون الأطفال في صلب التعافي، والأرقام المتاحة توضح حجم المهمة. فنحو 6.9 مليون طفل سوري يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، وقرابة ثمانية آلاف مدرسة خارج الخدمة، بعضها متضرر وبعضها مستخدم مراكز إيواء.

وارتفع عدد المسجلين في المدارس من نحو 4.1 مليون تلميذ العام الماضي إلى نحو 5.3 مليون هذا العام، وهو رقم يعكس إقبال الأسر على التعليم وحجم الضغط على الصفوف في آن.
ويزيد الضغطَ أن البلاد تستقبل موجة عودة واسعة. فقد عاد منذ كانون الأول 2024 نحو 1.67 مليون لاجئ من دول الجوار، ونحو 1.9 مليون نازح إلى مناطقهم.
ودرس بعض أطفالهم بلغة أخرى ومنهاج آخر، وانقطع بعضهم عن الدراسة في الطريق، ويحتاجون إلى اختبار يحدد مستواهم قبل توزيعهم على الصفوف، وإلى دروس تعينهم على اللحاق بأقرانهم.
ولتأخر هؤلاء كلفة يصعب قياسها بعدد المدارس المرمّمة. فالبنك الدولي يسمّي «فقراً تعليمياً» أن يبلغ الطفل العاشرة وهو لا يستطيع قراءة نص بسيط وفهمه.
وكثير من الأطفال الذين أمضوا أعوام دراستهم الأولى في الورش أو في قطاف المواسم كبروا وهم يحملون مسؤوليات تفوق أعمارهم، دون أن يتعلموا القراءة والحساب اللذين يحتاجون إليهما في أي عمل يتطلب مهارة. ولذلك تحتاج أعداد الملتحقين إلى أن تُقرأ إلى جانب ما يتعلمه هؤلاء فعلاً في صفوفهم.
ويأتي ذلك في وقت يتراجع فيه التمويل الدولي. فحتى منتصف تشرين الأول لم يصل إلى خطة الاستجابة الإنسانية في سورية لهذا العام سوى نحو ثلث المطلوب. ويتزامن هذا التراجع مع انفتاح باب العودة، أي مع اللحظة التي صار فيها نقل الإنفاق من الاستجابة الطارئة إلى بناء ما يدوم ممكناً.
فالمدارس أحوج ما تكون إلى معلمين يتقاضون أجورهم بانتظام، وإلى برامج تمتد أعواماً، وهو ما لا توفّره مساعدات تُقرّ عاماً بعام. وإذا توقف برنامج في منتصفه لنفاد تمويله، عاد الأطفال الذين شملهم إلى نقطة البداية، وخسرت عائلاتهم ثقتها بالمدرسة خياراً يُعتمد عليه.
والطلب الأوضح من المجتمع الدولي اليوم أن يتبع التمويلُ الأطفال. فقد موّل المانحون طوال عقد تعليم الأطفال السوريين في دول اللجوء، وخصص الاتحاد الأوروبي وحده مبالغ ضخمة لبرامج التعليم في تركيا.
ومع عودة كثير من هؤلاء الأطفال، يبدو منطقياً أن ينتقل هذا الدعم معهم إلى مدارسهم في بلدهم، وأن يشمل رواتب المعلمين وتدريبهم ضمن التزام يمتد ثلاثة أعوام على الأقل، تُعلن مؤشراته ويتابعها المانحون ووزارة التربية معاً، كعدد العائدين إلى الدراسة ونسبة من يتقنون القراءة في نهاية كل عام.
ولهذا الطلب سند في القانون الدولي. فاتفاقية حقوق الطفل، التي صادقت عليها سورية وكل دول العالم تقريباً، تنص في مادتها الثامنة والعشرين على أن تقوم الدول الأطراف «بتعزيز وتشجيع التعاون الدولي في الأمور المتعلقة بالتعليم»، وأن «تراعى بصفة خاصة احتياجات البلدان النامية». ويضع هذا النص دعم التعليم في بلد خارج من حرب طويلة ضمن التزام عام قبلته الدول الأطراف، وإن لم يحدد لأيٍّ منها مبلغاً بعينه.
ويقع العبء الأكبر من ذلك كله على المعلم، فهو من يستقبل في صف واحد أطفالاً عائدين ومنقطعين على تفاوت أعمارهم ومستوياتهم، ويحتاج إلى تدريب يعينه على ذلك. غير أن راتبه لا يكفي معيشته في الغالب، فيلجأ كثير من المعلمين إلى الدروس الخصوصية ليسدّوا حاجاتهم، وقد غادر عدد كبير منهم المهنة بالهجرة أو بفعل الحرب. ويعني ذلك أن تحتل الأجور والتدريب مكاناً ثابتاً في خطط تأهيل المدارس، إلى جانب كلفة البناء.والشريك الأول في هذا الجهد هو الدولة السورية نفسها، وهي تعيد اليوم بناء منظومة تعليمية تركها النظام السابق منهكة، بمدارس مدمّرة وقوانين وُضعت لزمن آخر. وأول ما يحتاج إلى مراجعة هو الإطار القانوني.
فالإعلان الدستوري يكفل للأطفال حقهم في التعليم، وقانون حقوق الطفل رقم 21 لعام 2021 يجعل التعليم في المدارس العامة مجانياً، وإلزامياً في مرحلة التعليم الأساسي، ويعاقب بالغرامة ولي الطفل أو المسؤول عنه قانوناً إذا امتنع عن إرساله إلى المدرسة بعد إنذاره بعشرة أيام.
والإلزام في ذاته مشروع، فاتفاقية حقوق الطفل تطلب جعل التعليم الابتدائي إلزامياً، وقانون العمل يحظر تشغيل الأطفال دون سن محددة. غير أن الإنذار والغرامة يفترضان أن للأسرة خياراً، وهو ما تفتقده أسر كثيرة تعيش على أجر أطفالها.
والاتفاقية نفسها تطلب من الدول «اتخاذ تدابير لتشجيع الحضور المنتظم في المدارس والتقليل من معدلات ترك الدراسة»، أي أنها تقرن الإلزام بواجب التشجيع. ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة ترتيب الإلزام في القانون، بحيث لا تُفرض الغرامة قبل أن تُعرض على الأسرة بدائل حقيقية: مقعد في صف يلائم مستوى طفلها، ومعونة تعوّضها عن أجره. وإلا فقد تضيف الغرامة إلى فقرها عبئاً جديداً دون أن تعيد الطفل إلى صفه.
ولدى الحكومة ما تبدأ منه. فوزارة التربية تعتمد منذ أعوام، بدعم من اليونيسف، منهاجاً للتعليم المسرّع يُعرف بـ«الفئة ب»، يُنهي فيه الطالب المنقطع سنتين دراسيتين في سنة واحدة، وقد أعادت إطلاقه في نهاية 2025 للعائدين إلى الدراسة.
ولا تتوفر حتى اليوم بيانات منشورة عن نتائجه: كم أتقن الملتحقون به ما تعلّموه، وكم انتقل منهم إلى التعليم النظامي وواصل فيه. ولذلك يحتاج البرنامج، قبل توسيعه ليشمل اليافعين الذين تجاوزوا سن المدرسة، إلى تقييم مستقل تُعلن نتائجه.
وقد اعتمدت رواندا بعد الإبادة برنامجاً مماثلاً استمر حتى 2015، ثم أطلقت أواخر 2025 برنامجاً جديداً لمن تركوا التعليم الثانوي، في إشارة إلى أن معالجة الانقطاع عن التعليم عمل يمتد عقوداً. ويمكن للحكومة كذلك أن تربط بعض برامج المعونة النقدية بدوام الأطفال، على نحو ما فعلت البرازيل في برنامج «بولسا فاميليا»، كي لا يصير ما يكسبه الطفل من العمل بديلاً عن دوامه.
وأمام الحكومة والمانحين سؤالٌ يستحق جواباً واضحاً: هل سيُموَّل التعليم بوصفه جزءاً من الإعمار، أم سيبقى بنداً إغاثياً ينتظر ما يتبقى من الميزانيات؟ وفي الأرقام نفسها ما يشجع على جواب جيد.
فقد التحق بالمدارس هذا العام أكثر من مليون تلميذ إضافي، وعادت أسر كثيرة إلى بيوتها وهي تبحث لأطفالها عن مقعد قبل أي شيء آخر، ولدى وزارة التربية برنامج قائم يمكن تقييمه وتوسيعه، ولدى المانحين خبرة عقد كامل في تعليم الأطفال السوريين خارج بلدهم. وإذا التقى ذلك كله في خطة واحدة تمتد أعواماً، فقد يكون الطفل الذي وُلد مع الحرب، بعد سنوات قليلة، هو من يدرّس الجيل الجديد في صفٍّ يتسع للجميع.