سوريا - رأي
فجوة المهارات بين العرض والطلب: أين العطل في سوق العمل؟
حين يتكدّس الخريجون وتشكو الشركات نقص الكفاءات في آنٍ واحد، تكون المشكلة في المطابقة لا في العدد.. قراءةٌ في العطل الذي ورثه سوق العمل عن اقتصاد السيطرة
ش
شذا ابراهيم
نشر في: ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ٠٨:٣٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تُعلِن المشاريع الجديدة عن نفسها كلّ يومٍ بصخبٍ يبعث على الأمل، وترافقها شعاراتٌ رنانة عن خفض معدلات البطالة وتحريك عجلة الاقتصاد. 
الضباب الإحصائي والبناء على رمال متحركة
يبدأ العطب الحقيقي من الصعوبة في وضع تشخيص دقيق للداء. نحن نعيش حالة من "الضباب الإحصائي" تجعل صانع القرار يتخبط في الظلام؛ فالبيانات والأرقام الرسمية حول البطالة إما غائبة، أو متناقضة، أو تجميلية.
في الوقت الذي تخرج فيه تقديرات منظمة العمل الدولية ببطالة تحوم حول 13% إلى 14%، تؤكد التقديرات الميدانية الواقعية أن النسب الحقيقية تتجاوز 60% في بعض المناطق والمحافظات الأكثر تضرراً من الحرب التي استنزفت مقدرات البلاد. هذا التباين الشاسع يعكس انفصالاً بين الأرقام الرسمية المحبوسة في الأدراج وبين مأساة الشارع الاجتماعي.
إرث «اقتصاد السيطرة»
لم يكن التضخّم الأكاديميّ وفائض الخريجين في مجتمعاتنا مصادفةً، ولا قصوراً طارئاً في جامعاتٍ احتلّت يوماً مكانة في التصنيفات العالمية. إنّه نتاجٌ مباشر لإرث «اقتصاد السيطرة» الذي أرساه النظام البائد عقوداً طويلة.
فقد عجز ذلك النظام عن بناء اقتصادٍ إنتاجيّ قادرٍ على توليد فرص عملٍ حقيقية واستيعاب الطاقات، فاستخدم الجامعة والوظيفة الحكومية «صمّام أمانٍ سياسيّ».
التعليم حلقةٌ تُعيد الإنتاج
على هذا الإرث، تتحوّل المنظومة التعليمية إلى حلقةٍ تُعيد إنتاج آلاف حاملي الشهادات بالآلية ذاتها، بمعزلٍ عن التغيّرات الهيكلية في طبيعة الاقتصاد.
والمشكلة لم تعُد محصورةً في التخصّصات الإنسانية أو النظرية، إنما تجاوزتها لتبلغ ما كان يُعدّ إلى وقتٍ قريب «مضموناً».
القطاع الخاص بين استسهال الشكوى وغياب التثقيف المهني
على الضفة المقابلة، يقف أرباب العمل والشركات في حالة من التذمر الدائم من غياب الكفاءات، يتكبدون خلالها خسائر تشغيلية جراء الشغور المستمر في وظائف حيوية. لكن القطاع الخاص نفسه لا يعفى من المسؤولية في هذه الأزمة.
لا يمكن إعفاء القطاع الخاص من المأزق. فالخلل لا يتوقف عند حدود "نوعية العمالة المعروضة"، وحاجات السوق، لأنه يمتد إلى طبيعة النمو الاقتصادي المتوفر.
التفكك الاجتماعي وإهدار الطاقات
تتجاوز أبعاد هذه الفجوة حدود الأرقام والخسائر الاقتصادية لتصيب البنية الاجتماعية في العمق. فحالة الانسداد المهني تزرع في نفوس الشباب شعوراً عميقاً بالإحباط والغربة داخل مجتمعاتهم. فالشاب الذي قضى مطلع شبابه في تحصيل شهادة جامعية ليجد نفسه عاطلاً عن العمل أو مجبراً على ممارسة مهن هامشية، يفقد الثقة في قيمة العلم والعمل معاً، ويُدفع إلى البحث عن فرص خارج الحدود، مما يجعلنا نواجه خسارة مضاعفة لوقود عملية البناء.
هذا الاختلال يخلق بيئة طاردة للشباب، ويدفع العقول القادرة الراغبة في التعلم والتطور إلى الهجرة، في حين تظل السوق المحلية تعاني من الدوران في حلقات مفرغة من تدني الإنتاجية وسوء إدارة الموارد البشرية.
الجراحة الهيكلية المطلوبة
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب تجاوز المسكنات الشكلية كمعارض التوظيف الترويجية أو التباكي على "قلة شغف وخبرة الشباب".
لكن بمجرد الهبوط من سماء البيانات الصحفية إلى أرض الواقع الميداني، تتلاشى تلك الوعود أمام حقيقةٍ صلبة، فالشركات والمصانع تشكو شحّ الكفاءات ونقص العمالة الماهرة، والشباب المنهك يحمل شهاداته ويتنقل بين المكاتب باحثاً عن فرص لقمة العيش دون جدوى.
إننا لسنا أمام مجرد أزمة توظيف عابرة، بل أمام مشهد يقف فيه طرفان يبحث كل منهما عن الآخر في الحلبة ذاتها دون أن يمتلكا لغةً مشتركةً للالتقاء.
إننا لسنا أمام مجرد أزمة توظيف عابرة، بل أمام مشهد يقف فيه طرفان يبحث كل منهما عن الآخر في الحلبة ذاتها دون أن يمتلكا لغةً مشتركةً للالتقاء.
مفارقةٌ موجعة تتجلّى في التناقض بين الارتفاع المتزايد في بطالة الخريجين والنقص الحادّ والمُزمن في المهارات المطلوبة لتشغيل المشروعات.
لكنّ الخطاب السائد يسارع فوراً إلى اختزال المشكلة في الخريج نفسه، فتكثر الأقاويل عن الشباب الذين اختاروا التخصص الخطأ، أو الخريجين غير المؤهلين، والأشدّ إيلاماً القول إنّ الشباب يفتقرون للشغف.
هذا الطرح ليس إلا آليّة أيديولوجية مارستها البُنية لتبرئة نفسها؛ إذ جرى نقل اللوم من نظام اقتصادي فشل في خلق بيئة إنتاجية حقيقية، ليُلقى بوزره كاملاً على كاهل الفرد. إن تحويل الفشل البنيوي إلى "قصور فردي في الخيارات" هو استراتيجية استخدمها النظام البائد لتنظيف يده الاقتصادية والتعليمية من المسؤولية، وتجريد الشباب من حقهم في التساؤل عن أصل الخلل.
هذا الطرح ليس إلا آليّة أيديولوجية مارستها البُنية لتبرئة نفسها؛ إذ جرى نقل اللوم من نظام اقتصادي فشل في خلق بيئة إنتاجية حقيقية، ليُلقى بوزره كاملاً على كاهل الفرد. إن تحويل الفشل البنيوي إلى "قصور فردي في الخيارات" هو استراتيجية استخدمها النظام البائد لتنظيف يده الاقتصادية والتعليمية من المسؤولية، وتجريد الشباب من حقهم في التساؤل عن أصل الخلل.

الضباب الإحصائي والبناء على رمال متحركة
يبدأ العطب الحقيقي من الصعوبة في وضع تشخيص دقيق للداء. نحن نعيش حالة من "الضباب الإحصائي" تجعل صانع القرار يتخبط في الظلام؛ فالبيانات والأرقام الرسمية حول البطالة إما غائبة، أو متناقضة، أو تجميلية.
في الوقت الذي تخرج فيه تقديرات منظمة العمل الدولية ببطالة تحوم حول 13% إلى 14%، تؤكد التقديرات الميدانية الواقعية أن النسب الحقيقية تتجاوز 60% في بعض المناطق والمحافظات الأكثر تضرراً من الحرب التي استنزفت مقدرات البلاد. هذا التباين الشاسع يعكس انفصالاً بين الأرقام الرسمية المحبوسة في الأدراج وبين مأساة الشارع الاجتماعي.
مما يجعل راسم السياسات أو المستثمر عاجزاً عن أن يبني خططاً للتنمية أو يسد فجوة المهارات، لأن الأدوات القياسية نفسها تفتقر للحد الأدنى من الدقة والموضوعية.
ويجسّد هذا التباين الكبير شكلاً من أشكال الحكم والسيطرة. فما لا تُحصيه الدولة لا تُساءَل عنه، والمشكلة غير المرئية في الأرقام تبقى مشكلة غير مُدارة ولا تترتب عليها التزامات سياساتية. غياب مرصد وطني شفاف لسوق العمل كان خياراً بنيويّاً يضمن إبقاء الفجوة خارج مساحة المحاسبة؛ فمن لا يُدرَس إحصائياً، يُحرم بالضرورة من أن يُنصف اقتصادياً واجتماعياً.
ويجسّد هذا التباين الكبير شكلاً من أشكال الحكم والسيطرة. فما لا تُحصيه الدولة لا تُساءَل عنه، والمشكلة غير المرئية في الأرقام تبقى مشكلة غير مُدارة ولا تترتب عليها التزامات سياساتية. غياب مرصد وطني شفاف لسوق العمل كان خياراً بنيويّاً يضمن إبقاء الفجوة خارج مساحة المحاسبة؛ فمن لا يُدرَس إحصائياً، يُحرم بالضرورة من أن يُنصف اقتصادياً واجتماعياً.
إرث «اقتصاد السيطرة»
لم يكن التضخّم الأكاديميّ وفائض الخريجين في مجتمعاتنا مصادفةً، ولا قصوراً طارئاً في جامعاتٍ احتلّت يوماً مكانة في التصنيفات العالمية. إنّه نتاجٌ مباشر لإرث «اقتصاد السيطرة» الذي أرساه النظام البائد عقوداً طويلة.
فقد عجز ذلك النظام عن بناء اقتصادٍ إنتاجيّ قادرٍ على توليد فرص عملٍ حقيقية واستيعاب الطاقات، فاستخدم الجامعة والوظيفة الحكومية «صمّام أمانٍ سياسيّ».
كان الهدف امتصاص الكتلة الشبابية الحرجة داخل مساراتٍ أكاديمية ممتدّة، ثمّ حشرَ قسمٍ كبير منها في الجهاز الإداريّ للدولة تحت مسمّى «البطالة المقنّعة»، لتحييد البطالة بوصفها تهديداً سياسيّاً ومصدراً للقلق الأمنيّ.
وهكذا تحوّلت الشهادة الجامعية من أداة معرفةٍ وكفاءة إلى بديلٍ عن العمل، وتحوّلت الوظيفة من أداة إنتاجٍ إلى وسيلةٍ لشراء الولاء وتدجين المجتمع. هذا الإرث لم يبقَ في الماضي، بل ما زال يعمل اليوم عبر منظومةٍ تعليمية تُكرّر إنتاج الشهادة بلا بوصلة.
وهكذا تحوّلت الشهادة الجامعية من أداة معرفةٍ وكفاءة إلى بديلٍ عن العمل، وتحوّلت الوظيفة من أداة إنتاجٍ إلى وسيلةٍ لشراء الولاء وتدجين المجتمع. هذا الإرث لم يبقَ في الماضي، بل ما زال يعمل اليوم عبر منظومةٍ تعليمية تُكرّر إنتاج الشهادة بلا بوصلة.
التعليم حلقةٌ تُعيد الإنتاج
على هذا الإرث، تتحوّل المنظومة التعليمية إلى حلقةٍ تُعيد إنتاج آلاف حاملي الشهادات بالآلية ذاتها، بمعزلٍ عن التغيّرات الهيكلية في طبيعة الاقتصاد.
والمشكلة لم تعُد محصورةً في التخصّصات الإنسانية أو النظرية، إنما تجاوزتها لتبلغ ما كان يُعدّ إلى وقتٍ قريب «مضموناً».
ففي نيسان 2026، ارتفعت أصوات نقابات أطباء الأسنان للمطالبة بتخفيض القبول في الكليات، نتيجة الفائض الهائل، وتدنّي الأجور إلى مستوياتٍ لا تغطّي تكاليف المعيشة، وانتشار البطالة المقنّعة بين الخريجين الجدد الذين يجدون أنفسهم بلا عياداتٍ ولا فرص عملٍ حقيقية.
وينطبق هذا على آلاف الخريجين من كليّات الحقوق والإعلام والهندسة بمختلف فروعها، إذ يُلقى بالشابّ إلى السوق بتأهيلٍ أكاديميّ مجرّد، يفتقر إلى الجانب التطبيقيّ والمهارات التقنية واللغوية والسلوكية التي تتطلّبها قطاعات الإنتاج الحديثة.
وينطبق هذا على آلاف الخريجين من كليّات الحقوق والإعلام والهندسة بمختلف فروعها، إذ يُلقى بالشابّ إلى السوق بتأهيلٍ أكاديميّ مجرّد، يفتقر إلى الجانب التطبيقيّ والمهارات التقنية واللغوية والسلوكية التي تتطلّبها قطاعات الإنتاج الحديثة.
وتتواصل المنظومة في تلقين المناهج ذاتها، وتوزيع الشهادات استحقاقاً منهجيّاً، ليكتشف الشابّ فور تخرّجه أنّه يحمل وثيقةً لا تمنحه ميزةً تنافسية في سوقٍ لا تعترف إلا بالكفاءة الميدانية والخبرة العملية.
القطاع الخاص بين استسهال الشكوى وغياب التثقيف المهني
على الضفة المقابلة، يقف أرباب العمل والشركات في حالة من التذمر الدائم من غياب الكفاءات، يتكبدون خلالها خسائر تشغيلية جراء الشغور المستمر في وظائف حيوية. لكن القطاع الخاص نفسه لا يعفى من المسؤولية في هذه الأزمة.
لا يمكن إعفاء القطاع الخاص من المأزق. فالخلل لا يتوقف عند حدود "نوعية العمالة المعروضة"، وحاجات السوق، لأنه يمتد إلى طبيعة النمو الاقتصادي المتوفر.
حيث تشهد البيئة الاستثمارية انزياحاً واضحاً نحو القطاعات الاستهلاكية والخدمية ذات القيمة المضافة المنخفضة (كالتجارة السريعة، والمطاعم، والخدمات الهامشية) على حساب ضمور قطاعات الإنتاج الحقيقية كالصناعة والزراعة المتقدمة والتكنولوجيا.
هذا النمط الهش من النمو يطلب إما عمالة منخفضة المهارة والأجر، أو يطلب شواغر محدودة جداً باشتراطات صعبة يريد فيها خريجاً "مكتمل التأهيل" دون أن يتحمل القطاع الخاص مسؤولية استثمار مبلغٍ صغير في تدريبه أو رعاية نموه المهني.
هذا النمط الهش من النمو يطلب إما عمالة منخفضة المهارة والأجر، أو يطلب شواغر محدودة جداً باشتراطات صعبة يريد فيها خريجاً "مكتمل التأهيل" دون أن يتحمل القطاع الخاص مسؤولية استثمار مبلغٍ صغير في تدريبه أو رعاية نموه المهني.
إن التفاوت الإيقاعي بين بطء المؤسسات الحكومية والتعليمية في التطوير وبين تسارع حركة السوق والتكنولوجيا يجعل الفجوة تتسع يومياً، لتتحول الشراكة بين التنمية والتأهيل إلى مجرد شعارات بروتوكولية.
التفكك الاجتماعي وإهدار الطاقات
تتجاوز أبعاد هذه الفجوة حدود الأرقام والخسائر الاقتصادية لتصيب البنية الاجتماعية في العمق. فحالة الانسداد المهني تزرع في نفوس الشباب شعوراً عميقاً بالإحباط والغربة داخل مجتمعاتهم. فالشاب الذي قضى مطلع شبابه في تحصيل شهادة جامعية ليجد نفسه عاطلاً عن العمل أو مجبراً على ممارسة مهن هامشية، يفقد الثقة في قيمة العلم والعمل معاً، ويُدفع إلى البحث عن فرص خارج الحدود، مما يجعلنا نواجه خسارة مضاعفة لوقود عملية البناء.
هذا الاختلال يخلق بيئة طاردة للشباب، ويدفع العقول القادرة الراغبة في التعلم والتطور إلى الهجرة، في حين تظل السوق المحلية تعاني من الدوران في حلقات مفرغة من تدني الإنتاجية وسوء إدارة الموارد البشرية.
الجراحة الهيكلية المطلوبة
إن الخروج من هذه الحلقة المفرغة يتطلب تجاوز المسكنات الشكلية كمعارض التوظيف الترويجية أو التباكي على "قلة شغف وخبرة الشباب".
البداية تبدأ من التأسيس لمعرفة إحصائية جادة تعتبر القياس أداة للعدالة الاجتماعية لا وسيلة للتعمية، وتتيح قراءة خريطة الاحتياجات الحقيقية بشفافية.
يلي ذلك جرأة في تفكيك إرث السيطرة التعليمي عبر إعادة هيكلة سياسات القبول الجامعي وربط الطاقة الاستيعابية بالكفاءة التنافسية وبمتطلبات الاقتصاد الحيوي، بالتوازي مع التوسع الحقيقي في التعليم الفني والتقني الحديث وتطوير المناهج لتصبح قائمة على التفكير الميداني والمهارة المكتسبة.
أخيراً، ينبغي إعطاء القطاع الخاص دوره المسؤول عبر تحفيز البيئة المشجعة للصناعات والمشاريع ذات القيمة المضافة العالية، وفرض التزامات هيكلية على مؤسسات الأعمال لتأسيس حاضنات تدريبية وشراكات إنتاجية مع المؤسسات التعليمية.
دون هذه الجراحة الهيكلية التي تعيد بناء الاقتصاد على قاعدة الإنتاج لا السيطرة، ستبقى المشاريع المعلنة مجرد لافتات ملونة، وسيبقى الشباب والشركات أسرى مفارقة مؤلمة: سوق يضج بالشهادات وتخنقها البطالة، واقتصاد يشكو العجز وهو واقف على أرض غنية بالطاقات.
لا ينقصنا اليوم جامعاتٌ ولا خريجون بقدر ما تنقصنا البوصلة التي توجّههم. واستعادتها تبدأ حين نقيس الطاقات ونوجّهها قبل أن نكدّسها بلا وجهة، وحين نسأل السوق ماذا يحتاج قبل أن نُغرقه بما لا يحتاجه.
يلي ذلك جرأة في تفكيك إرث السيطرة التعليمي عبر إعادة هيكلة سياسات القبول الجامعي وربط الطاقة الاستيعابية بالكفاءة التنافسية وبمتطلبات الاقتصاد الحيوي، بالتوازي مع التوسع الحقيقي في التعليم الفني والتقني الحديث وتطوير المناهج لتصبح قائمة على التفكير الميداني والمهارة المكتسبة.
أخيراً، ينبغي إعطاء القطاع الخاص دوره المسؤول عبر تحفيز البيئة المشجعة للصناعات والمشاريع ذات القيمة المضافة العالية، وفرض التزامات هيكلية على مؤسسات الأعمال لتأسيس حاضنات تدريبية وشراكات إنتاجية مع المؤسسات التعليمية.
دون هذه الجراحة الهيكلية التي تعيد بناء الاقتصاد على قاعدة الإنتاج لا السيطرة، ستبقى المشاريع المعلنة مجرد لافتات ملونة، وسيبقى الشباب والشركات أسرى مفارقة مؤلمة: سوق يضج بالشهادات وتخنقها البطالة، واقتصاد يشكو العجز وهو واقف على أرض غنية بالطاقات.
لا ينقصنا اليوم جامعاتٌ ولا خريجون بقدر ما تنقصنا البوصلة التي توجّههم. واستعادتها تبدأ حين نقيس الطاقات ونوجّهها قبل أن نكدّسها بلا وجهة، وحين نسأل السوق ماذا يحتاج قبل أن نُغرقه بما لا يحتاجه.
فالشابّ الذي يطوف اليوم بين المكاتب حاملًا شهادته، يبحث عن مكان يليق بما تعلّمه. وحين نجد له ذلك المكان، نكون قد وجدنا بوصلتنا، لا بوصلته وحده.


