سوريا - سياسة
غوتيريش في دمشق .. سوريا تعيد تموضعها داخل النظام الدولي
ا
العين السورية ـ خاص
نشر في: ٢٥ يوليو ٢٠٢٦، ٢٠:١١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لا يمكن النظر إلى زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق بوصفها زيارة بروتوكولية أو لقاءً دبلوماسياً عادياً، دون وضعها في سياقها وامتدادها السياسي الصحيح على أنها تمثل حدثاً سياسياً وتاريخياً يحمل أبعاداً تتجاوز إطار العلاقة بين الأمم المتحدة وسوريا، ليعكس تحولات أوسع تشهدها المنطقة والنظام الدولي.
الزيارة هي الأولى لأمين عام الأمم المتحدة إلى سوريا منذ عام 2009، أي بعد أكثر من سبعة عشر عاماً، شهدت خلالها البلاد واحدة من أعقد التحولات السياسية والأمنية والإنسانية في العالم، لاسيما وأن سوريا تحولت خلال هذه الفترة إلى محور للصراعات الإقليمية والدولية، وأصبحت ساحة لتقاطع المصالح والنفوذ بين قوى متعددة، الأمر الذي جعل أي زيارة بهذا المستوى تحمل رسائل سياسية تتجاوز مضمونها البروتوكولي.
خاصيّة التوقيت
تنطوي أهمية زيارة الأمين العام للأمم المتحدة في الاعتبار المتعلق بالتوقيت، وفق مايرى الباحث في العلاقات الدولية الدكتور عبد الباسط ابو نبوت في حديثه لـ"العين السورية، حيث تشهد سوريا متغيرات وانتقالات سياسية عديدة، بالتوازي مع انفتاح عربي ودولي متدرج، وتنامي القناعة لدى المجتمع الدولي بأن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن تحقيقه دون استقرار سوريا، وأن استمرار الأزمات السورية ينعكس بصورة مباشرة على الأمن الإقليمي والدولي، سواء من خلال قضايا الإرهاب، أو اللجوء، أو أمن الحدود، أو تجارة المخدرات، أو اضطرابات سلاسل التجارة والطاقة.
محور إستراتيجي
ويؤكد الدكتور أبو نبوت، أن حقائق التاريخ ومعطيات الجغرافيا، تعززان فرضية إستراتيجية، مفادها أن سوريا ليست دولة هامشية في الإقليم، بل تمثل نقطة التقاء بين آسيا وأوروبا والعالم العربي، وتشكل عقدة محورية تربط الخليج العربي بتركيا، وشرق المتوسط بالعراق والأردن ولبنان وفلسطين، ولهذا فإن استقرار سوريا لا يعني فقط استقرار الداخل السوري، و إنما ينعكس على مجمل معادلات الأمن الإقليمي، خصوصاً وأن الدولة السورية تمثل عنصراً أساسياً في مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، وتأمين طرق التجارة والطاقة، وتعزيز الأمن المائي والغذائي، فضلاً عن دورها التاريخي في التوازنات السياسية في المشرق العربي.
التعافي ومقدمات الاستقرار الإقليمي
يُلفت أبو نبوت، إلى أن أي تقدم تحققه سوريا في مسار التعافي السياسي أو الاقتصادي، ستكون له انعكاسات مباشرة على استقرار المنطقة بأكملها، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المتزايد بإعادة دمج سوريا في محيطها العربي والدولي، خاصة وأن القوى الدولية والإقليمية باتت تدرك جيداً أن سياسة إدارة الأزمة لم تعد كافية، وأن المطلوب هو الانتقال إلى مرحلة بناء الاستقرار المستدام، وهو ما يجعل سوريا جزءاً أساسياً من أي رؤية مستقبلية لأمن المنطقة.
رسالة دعم أممية لدمشق
ضمن هذا السياق، وبحسب الباحث السياسي، فإن زيارة غوتيريش إلى سوريا، تأتي باعتبارها رسالة بأن الأمم المتحدة تسعى إلى مواكبة هذه التحولات، وأنها ترغب في الانتقال من إدارة الملف الإنساني فقط إلى المشاركة في دعم الحلول السياسية والتنموية والمؤسساتية، مضيفاً أن الزيارة تكتسب أهمية إضافية كونها تأتي في ظل تجربة انتقالية تسعى من خلالها سوريا إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، واستعادة حضورها الدبلوماسي، والانفتاح على المجتمع الدولي.
شراكات فاعلة
وأشار أبو نبوت إلى أن الحوار المباشر بين القيادة السورية والأمين العام للأمم المتحدة يفتح الباب أمام بناء شراكة جديدة تقوم على المصالح المشتركة، وتعزيز التعاون في المجالات الإنسانية والتنموية والاقتصادية والمؤسساتية، كما أن هذه الزيارة تمنح رسالة إيجابية للمجتمع الدولي والمؤسسات المالية والجهات المانحة بأن سوريا تسير نحو مرحلة أكثر استقراراً، وهو ما يعد عاملاً أساسياً لاستقطاب الدعم والاستثمار مستقبلاً.
وعن دور الأمم المتحدة، بين أبو نبوت، أن الفرصة تبدو اليوم متاحة للانتقال إلى مرحلة جديدة يكون فيها دور الأمم المتحدة أكثر شمولاً، بحيث يشمل دعم إعادة بناء المؤسسات، وتعزيز الحوكمة، والمساعدة في التخطيط التنموي، ودعم الاقتصاد المحلي، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، كما يمكن للأمم المتحدة أن تؤدي دوراً محورياً في تنسيق جهود المانحين، وربط التمويل الدولي بالمشروعات التنموية، وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وفق المعايير الدولية، كما يتصدر ملف اللاجئين والنازحين جدول الاعمال والمباحثات كونه أحد الملفات الأكثر تعقيداً في المرحلة المقبلة.
تعزيز مبدأ السيادة
وأشار الدكتور أبو نبوت إلى ان الزيارة تحمل أيضاً دلالة قانونية وسياسية مهمة من خلال تأكيد الأمم المتحدة على احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، وهي مبادئ راسخة في ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.
وختم الباحث السياسي حديثه بالقول، إن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى دمشق تمثل أكثر من مجرد حدث دبلوماسي، فهي مؤشر على تحولات عميقة في مقاربة المجتمع الدولي للملف السوري، ورسالة بأن سوريا تعود تدريجياً إلى موقعها الطبيعي في النظامين العربي والدولي.


