سوريا - اقتصاد
مع الانفتاح الاقتصادي والتدفق الاستثماري.. هل تواجه سوريا خطر غسل الأموال؟
من تجارة المخدرات والفساد إلى العقارات والتحويلات.. كيف تنتقل الأموال غير المشروعة من اقتصاد الظل إلى النشاط الرسمي؟
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٣:٥٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

قد تبدأ العملية بفواتير مضخمة في مطعم، أو شراء عقار باسم قريب، أو سلسلة تحويلات مالية تبدو منفصلة عن بعضها. لكن الهدف واحد: إخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة ومنحها مظهراً قانونياً يصعب معه تتبع مسارها.
غسل الأموال، وفق الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الحاري، لا يحدث في خطوة واحدة، بل يمر عادة بثلاث مراحل مترابطة: الإيداع أو التوظيف، ثم التغطية أو التمويه، وأخيراً الدمج، بحيث تنتقل الأموال في النهاية من دائرة الشبهة إلى الاقتصاد الرسمي بصورة تبدو مشروعة.
من أين تأتي الأموال المشبوهة؟
لا تأتي الأموال محل غسل الأموال من مصدر واحد. فقد تكون ناتجة عن أنشطة إجرامية مثل الاتجار غير المشروع، والفساد والرشوة، والاحتيال، والتهرب الضريبي أو غيرها من الجرائم التي تدر عوائد مالية. والمشكلة تبدأ عندما يحاول أصحاب هذه الأموال إخفاء مصدرها الحقيقي وإدخالها إلى الاقتصاد عبر أنشطة أو معاملات تمنحها مظهراً مشروعاً.
من المال غير المشروع إلى النشاط الظاهري
تبدأ العملية بما يعرف بمرحلة الإيداع أو التوظيف، وفيها يسعى صاحب الأموال غير المشروعة لإدخالها إلى الدورة الاقتصادية وخلطها بأموال ذات مصدر قانوني.
ويضرب الحاري مثالاً بصاحب مطعم يحقق مبيعات حقيقية بقيمة 10 آلاف دولار يومياً، لكنه يعلن عن مبيعات بقيمة 100 ألف دولار، ويصدر فواتير بالقيمة الوهمية. وبذلك يجري إدخال 90 ألف دولار من الأموال غير المشروعة إلى النشاط التجاري وإظهارها على أنها إيرادات مشروعة.
بعد ذلك تبدأ مرحلة التغطية أو التمويه، حيث تصبح الأولوية فصل الأموال عن مصدرها الأصلي من خلال عمليات مالية وتجارية متتابعة.
وقد يتم ذلك عبر تحويل الأموال بين حسابات متعددة، أو شراء عقارات وسلع مرتفعة القيمة، أو تسجيل بعض الأصول بأسماء أفراد آخرين، ثم إعادة بيعها. وكلما تعددت العمليات وتشابكت، أصبح تتبع المصدر الأصلي للأموال أكثر صعوبة.
التكنولوجيا تفتح مسارات جديدة
لم تعد عمليات غسل الأموال تعتمد فقط على الأدوات التقليدية. فالتطور التكنولوجي أضاف وسائل جديدة يمكن استخدامها لإخفاء حركة الأموال ونقلها عبر الحدود.
ويشير الحاري إلى أن العملات المشفرة أصبحت إحدى الأدوات التي يمكن أن تُستغل في هذا السياق، نظراً لقدرتها على نقل القيمة بين الأطراف وعبر الحدود بسرعة كبيرة، الأمر الذي يفرض على الجهات الرقابية تطوير أدواتها لمواكبة أساليب التمويه الجديدة.
لكن التكنولوجيا، في المقابل، لا تعني بالضرورة استحالة التتبع، إذ تتيح تقنيات تحليل المعاملات الرقمية للجهات المختصة في بعض الحالات تتبع حركة الأموال وكشف الروابط بين المحافظ والمعاملات.
المرحلة الأخطر.. عندما تبدو الأموال شرعية
تصل العملية إلى مرحلتها الثالثة، وهي الدمج، عندما تعود الأموال إلى الاقتصاد الرسمي بعد إخفاء مصدرها.
في هذه المرحلة يمكن أن تظهر الأموال على شكل استثمار عقاري، أو أرباح شركة، أو عوائد نشاط تجاري، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين الأموال المشروعة والأموال التي جرى غسلها.
وهنا تكمن خطورة الظاهرة، بحسب الحاري، إذ لا تقتصر آثارها على الجريمة المالية نفسها، وإنما قد تمتد إلى تشويه المنافسة وإرباك الأسواق وإضعاف الثقة بالنظام المالي.
المعرفة بمصدر المال هي خط الدفاع الأول
لمواجهة هذه العمليات، تبرز أهمية الإجراءات المصرفية والرقابية، وفي مقدمتها مبدأ "اعرف عميلك" (KYC)، الذي يهدف إلى التحقق من هوية العميل وطبيعة نشاطه ومصدر أمواله.
ويشير الحاري إلى أهمية مراقبة العمليات غير المعتادة، خصوصاً الإيداعات والتحويلات الكبيرة، والعمليات التي لا تتناسب مع طبيعة النشاط الاقتصادي للعميل، إضافة إلى تطبيق إجراءات العناية الواجبة والمعززة عند ارتفاع مستوى المخاطر.
ولا يتعلق الأمر بحجم العملية وحده، بل بمدى انسجامها مع الدخل والنشاط المعروفين للعميل، وبالقدرة على تفسير مصدر الأموال والغرض من استخدامها.
سوريا أمام اختبار جديد
في سوريا، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية مع الحديث عن توسع النشاط الاستثماري وعودة حركة رأس المال والمشاريع الجديدة.
فدخول أموال جديدة إلى الاقتصاد يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في التعافي والنمو، لكنه يتطلب في الوقت نفسه أطراً واضحة للتحقق من مصادر التمويل، خصوصاً في القطاعات التي تتعامل مع مبالغ كبيرة مثل العقارات والتجارة والاستثمار.
وهنا لا تتمثل المعادلة في تشديد الرقابة إلى درجة تعطيل الاستثمار، ولا في فتح الباب أمام حركة الأموال دون ضوابط، وإنما في بناء نظام قادر على التفريق بين رأس المال المشروع والأموال ذات المصدر غير المشروع.
إرث النظام البائد واقتصاد الحرب
خلال سنوات حكم النظام السابق والحرب، لم تقتصر المشكلة على ضعف الرقابة والاقتصاد غير الرسمي، بل تورطت جهات مرتبطة بالنظام في أنشطة اقتصادية غير مشروعة، وفي مقدمتها تجارة المخدرات. وتشير تقارير رسمية أميركية إلى أن شبكات مرتبطة بالنظام حققت عائدات كبيرة من تجارة الكبتاغون، وأن هذه الأموال شكلت أحد مصادر تمويله.
ومع اتساع اقتصاد الحرب وتعدد قنوات التجارة والتحويلات، أصبحت عملية تتبع مصدر الأموال أكثر تعقيداً، وازدادت مخاطر انتقال العائدات غير المشروعة إلى الاقتصاد الرسمي وإعادة تقديمها في صورة تبدو مشروعة.
اختبار الاندماج المالي
مع سعي سوريا إلى الاندماج تدريجياً في النظام المالي العالمي وفتح قنوات أوسع أمام الاستثمار والتجارة والتحويلات المالية، تزداد أهمية مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة. فتعزيز الثقة بالنظام المالي السوري لا يرتبط فقط بتسهيل حركة الأموال، وإنما أيضاً بقدرة المصارف والمؤسسات المالية على تطبيق معايير الامتثال والتحقق من مصادر الأموال ورصد العمليات المشبوهة.
وفي هذا السياق، تبدو مكافحة غسل الأموال جزءاً أساسياً من مسار إعادة بناء القطاع المالي السوري وربطه بالمؤسسات والأسواق العالمية، إذ إن أي انفتاح مالي مستدام يحتاج إلى منظومة رقابية قادرة على حماية النظام المصرفي وتعزيز ثقة البنوك والمؤسسات المالية الدولية بالتعامل مع سوريا.
وفي هذا السياق، بدأت سوريا سلسلة من الدورات والبرامج التدريبية المتخصصة في معايير مجموعة العمل المالي (FATF)، بالتعاون بين هيئة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، وبمشاركة الجهات الوطنية المعنية.
وتركز هذه البرامج على رفع جاهزية المؤسسات السورية للتقييم الوطني للمخاطر والتقييم المتبادل، وتعزيز الالتزام الفني والفعالية، وتطوير التنسيق بين الجهات المعنية، بما يدعم جهود سوريا في تحديث منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومواءمتها مع المعايير الدولية.
اقتصاد أكثر انفتاحاً.. ورقابة أكثر تطوراً
لا يمكن مكافحة غسل الأموال بالقوانين وحدها. ففعالية المواجهة تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل المصارف والمؤسسات المالية والجهات الرقابية والقضاء، إلى جانب أنظمة إلكترونية قادرة على رصد الأنماط غير الطبيعية للمعاملات.
ومع انتقال الاقتصاد السوري نحو نموذج أكثر انفتاحاً على الاستثمار والقطاع الخاص، تصبح حماية النظام المالي جزءاً أساسياً من بناء بيئة استثمارية موثوقة.
فالمستثمر الجاد يحتاج إلى سوق مفتوحة، لكنه يحتاج أيضاً إلى سوق نظيفة وقواعد واضحة. وكلما كانت قدرة المؤسسات على معرفة مصدر الأموال وتتبع حركتها أكبر، كانت قدرة الاقتصاد على جذب رأس المال المشروع وحماية نفسه من الأموال غير المشروعة أقوى.
غسل الأموال ليس مجرد جريمة مالية، بل محاولة لإعادة تقديم المال المشبوه باعتباره جزءاً طبيعياً من الاقتصاد. وفي سوريا، حيث تسعى البلاد إلى إعادة بناء نظامها المالي والانفتاح على الاستثمار، يبدأ التصدي لهذه المخاطر من سؤال يبدو بسيطاً، لكنه حاسم: من أين جاء المال؟


