سوريا - اقتصاد
صراع صاخب في دمشق.. بين العراقة والحداثة " ماصنع الحدّاد"
ا
العين السورية
نشر في: ١٧ أبريل ٢٠٢٦، ٠٩:٥٩عدل في: ١٧ أبريل ٢٠٢٦، ٠٩:٥٩
3 دقيقة
0

تتسارع الخطوات الإدارية في العاصمة دمشق نحو تغيير ملامح الأسواق التقليدية تحت مبررات خدمية وتنظيمية تثير جدلاً واسعاً.
فبينما كانت المطارق في سوق المناخلية تحاول الدفاع عن وجودها ضد إنذارات "الضجيج"، فُتحت جبهة جديدة في سوق باب سريجة العريق بذريعة "الروائح المزعجة".
هذا التوجه الرسمي نحو نقل النشاطات التجارية والصناعية يضع مئات العائلات أمام مصير مجهول، ويهدد بتفريغ دمشق القديمة ومحيطها من هويتها الحية التي صمدت لقرون طويلة أمام كافة التحولات.
مبررات إدارية
وفي بيان رسمي، أوضحت محافظة دمشق أن التحرك تجاه سوق المناخلية لا يستهدف الإخلاء الكلي للمحال، بل يركز على إخراج المعدات والآليات الثقيلة التي تخالف أصل التراخيص التجارية الممنوحة لأصحابها. وتستند الجهات صاحبة القرار.. في قراراتها إلى منصات الشكاوى الإلكترونية التي استقبلت عشرات الاعتراضات من القاطنين بخصوص الإزعاج الصادر عن الورش الصناعية. وترى المحافظة أن تنظيم المهن يتطلب فصل النشاط التجاري عن عمليات التصنيع الثقيلة لضمان سكينة المناطق السكنية المجاورة، معتبرة أن إزالة العدد الصناعية خلال مهلة الخمسة عشر يوماً هو إجراء قانوني لتصحيح وضع المحالات التي خرجت عن مسار ترخيصها الأولي.
جولة ميدانية
رصدت عدسة "العين السورية" في جولتها الميدانية حالة من الذهول المسيطر على أصحاب الورش؛ إذ يقول صاحب ورشة لتصنيع النحاس إن قرار منع "الطرق" يعني تحويله من حِرفي إلى بائع تحف صامت، مؤكداً أن روح المهنة تكمن في صناعتها أمام الزوار.
وفي زقاق مجاور، يشير أحد أصحاب ورش الحدادة اليدوية إلى أن المعدات التي تصنفها المحافظة على أنها "ثقيلة" هي أدوات بسيطة توارثها عن أجداده، معتبراً أن إخراجها من المحل هو رصاصة الرحمة على مهنة صمدت مئات السنين. هذه الشهادات الميدانية تعكس فجوة عميقة بين القوانين الورقية وبين واقع الحِرف التقليدية التي لا يمكن ممارستها في غرف مغلقة.
انتقلت حمى القرارات التنظيمية من ضجيج الحديد في المناخلية إلى روائح الأطعمة في سوق باب سريجة، إذ تلوح في الأفق وبحسب وسائل إعلام، بوادر قرار يقضي بنقل نشاط السوق خارج المدينة.. ويعبر تجار هذا السوق الشعبي الذي يعد شريان الغذاء الرئيسي لدمشق عن صدمتهم من مساواة الروائح المنبعثة من مهنهم التاريخية بالأزمات البيئية التي تستوجب الترحيل. ويؤكد أحد كبار تجار المواد الغذائية في السوق أن هذه الأسواق تشكل نسيجاً اقتصادياً متكاملاً لا يمكن تجزئته، معتبراً أن الحلول يجب أن تتجه نحو تحسين البنية التحتية ومنظومات النظافة بدلاً من الاقتلاع الكامل للنشاط التجاري الذي يخدم آلاف الأسر يومياً.
صراع الهوية
تحولت أزقة دمشق القديمة ومحيط سورها إلى ساحة صراع بين "التنظيم العمراني" الحديث وبين "العراقة المهنية" التي تعود إلى أكثر من ثمانية عشر قرناً. ويرى مراقبون أن ربط بقاء الحرف اليدوية والأسواق الغذائية بمدى إزعاجها للجوار السكني هو منطق يهدد بتحويل قلب العاصمة إلى منطقة صامتة تفتقر للحياة والإنتاج. فالمفارقة تكمن في أن هذه المهن هي التي منحت الأسواق أسماءها وهويتها التاريخية، ونقلها بعيداً بحجة "الضجيج" أو "الرائحة" يعني عملياً تحويل المعالم الأثرية إلى مجرد كتل حجرية صماء تخدم السياحة الشكلية فقط وتفتقر للروح البشرية التي بنتها.
بدائل مفقودة
في المحصلة، تظل المعضلة الأكبر في غياب البدائل اللوجستية والتعويضات العادلة التي يمكن أن تعوض الحرفيين والتجار عن خسارة مواقعهم الاستراتيجية في قلب العاصمة. ويقترح الحرفيون ومعهم تجار باب سريجة صياغة جداول زمنية تنظم أوقات العمل والإنتاج بدلاً من الترحيل القسري. إن الإصرار على نقل النشاط إلى خارج دمشق في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة وارتفاع تكاليف النقل والوقود سيؤدي حتماً إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع، مما يزيد من معاناة المستهلك الذي يجد في هذه الأسواق الشعبية ملاذه الأخير للهروب من غلاء المراكز التجارية الحديثة.


