سوريا - ثقافة
"شهرزاد" .. حكايا الملوك والأمل والأحلام
س
سمر شمه
نشر في: ٢٢ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:١٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

عُرض على خشبة مسرح الحمراء بدمشق مسرحية "شهرزاد"، تأليف وإخراج: د. عجاج سليم، مستوحاة من نص "حكايا الملوك" للأديب والمسرحي الراحل ممدوح عدوان، وهي مشروع تخرج الدفعة الثالثة من طلاب قسم الفنون المسرحية والإخراج السينمائي في الجامعة العربية الدولية.
الحكاية والأمل والتحدي
قدم العرض قراءة معاصرة لشخصية "شهرزاد" المعروفة في "حكايا ألف ليلة وليلة" الشعبية الخيالية المشوقة التي جُمعت وتُرجمت إلى العربية خلال العصر الذهبي للإسلام، واستطاع أن يوقظ التفكير في معنى القصة والحكاية وقدرتها على حماية الإنسان من قسوة الواقع، ودفعه للأمل والتحدي كلما بدا العالم أكثر ضيقاً ووحشة.
وقد عمل المؤلف فيه على صياغة المشاهد من جديد لتقارب التجربة السورية خلال سنوات الحرب، وسلّط الضوء على العلاقة بين الحاكم والمحكوم وما شهدته سوريا من تحولات سياسية واجتماعية قبل التحرير، معتمداً على معالجة درامية استندت إلى الرمزية دون أن تبتعد عن الواقع.
السيّر والحكايات الشعبية
بدأت المسرحية بضجيج وصخب الحياة اليومية، وظهور "الحكواتي" مستعيداً سيرة "عنترة بن شداد" الشهيرة، وقامت شخصياتها بمساءلة الرواية ومعاني البطولة والذاكرة الشعبية، ثم تقدمت الشخصية المحورية "شهرزاد" لتقود السرد مبتعدة عن النمطية التي اعتدنا عليها في رواية الحكايات، ولتعيد تشكيل تفاصيل الأحداث وتدفع المتلقي إلى طرح الأسئلة التي تتعلق بواقعه وحياته وأحلامه. كما اعتمد العرض على استحضار عدد من الحكايات الشعبية الأخرى منها "سيرة الزير سالم" التي تحدثت عن أسطورة الثأر التي خلدها التاريخ في حرب البسوس أطول الحروب في التاريخ وأشدها مرارة وفتكاً، إضافة إلى "حكايا الملوك" للراحل عدوان.
تواجه "شهرزاد" في سردياتها العنف بالحكمة والتأمل، والظلام بالخيال والبحث المستمر عن النور، والخوف بالإيمان بدور الكلمة الصادقة على هزيمة السيف وكسره، وهنا تصبح الحكاية فعلاً من أفعال المقاومة الإنسانية، وليست وسيلة للمتعة والفُرجة فقط، ويصبح الحلم والأمل بغدٍ أفضل هو محور العرض الأساسي.
الكتابة على الخشبة
جمعت هذه المسرحية بين الحكاية الشرقية الكلاسيكية والرؤية المعاصرة، وأكدت أن المسرح السوري لا يزال قادراً على تجديد أدواته وصناعة مستقبل واعد بأيدٍ شابة شغوفة بهذا الفن. كما اعتمدت على ما يُعرف بـ "الكتابة على الخشبة" حيث بدأ صنّاعها من الفكرة ثم اشتغلوا على الارتجال، ومن خلاله وُلدت الجمل والحركات والإشارات، وكان الممثل شريكاً في إعداد العرض وإتمامه، وليس منفذاً فقط، وقد تم ذلك بما يتناسب مع المسرح المعاصر رغم الحفاظ على جوهر مقولات ورؤية الراحل ممدوح عدوان.
العناصر البصرية والأداء
جسد الممثلون الشخصيات والحكايات كما نراها في أحلامنا وليست كما هي في الواقع، وكانوا يتنقلون باستمرار بين الحكاية والواقع وأدوار متعددة على الخشبة في أداء حيوي وبانسجام واضح فيما بينهم، وسط إيقاع متوازن وتوظيف دقيق للعناصر البصرية خدمة للبناء الدرامي مما جعل التفاعل كبيراً من الحضور. وكان أسلوب المسرح داخل المسرح هو الذي سيطر على العرض، فهناك مجموعة ضمن مقهى تستمع إلى السير الشعبية وتتعلق بها، وأفرادها منقسمون في الرأي حول ما يسمعون، وهذا الصراع هو أساس الدراما.
أما على المستوى الفني فقد تم توظيف عناصر بصرية معاصرة وإضاءة ومؤثرات موسيقية ساهمت في تشكيل الفضاء المسرحي ودعمت الانتقال بين مستويات الحكاية والواقع، في رحلة فنية ودرامية مستوحاة من أجواء الحكايات الشرقية.
الخيال يُجسد الحلم
عن العرض قال د. عجاج سليم: "مغامرات العقل البشري بدأت اسطورة. وكانت الحكاية قبل مئات السنين أو أكثر من خلال الخيال تجسد الحلم الذي تحول إلى حقيقة. حتى الثورات التي جرت في العالم كانت في البداية حلماً ضد الطغيان و هذا ما سترونه واضحاً". وأكد أنهم أخذوا روح النص الأصلي لا شكله، لأن المسرح فن التكثيف وكان عليهم أن يعيدوا بناء الحكاية بما يخدم العرض والممثلين.
حكايا الملوك
تجدر الإشارة إلى أن النص الأصلي لهذا العرض اعتمد على تعدد الشخصيات والرموز، ورسم المجتمع بكل شرائحه وطبقاته، وجاءت "شهرزاد" فيه لتحكي عن ملوك خانوا شعوبهم، وعن جشع السلطة وظلمها، وركز أيضاً على قضايا اجتماعية ودينية، وقدم الخليفة هارون الرشيد خامس الخلفاء العباسيين كنموذج للسلطة المطلقة المستبدة التي تنقاد لأهوائها، وتتّسم بالبطش والقمع عكس ما قدمه المؤرخون الذين وصفوه بالحاكم الذي يجمع بين القوة والتقوى والعلم و مساعدة الفقراء والذي بنى عصراً ذهبياً ازدهرت فيه البلاد والتجارة والعمران.


