العالم - اقتصاد
سوق تحت وطأة الجغرافيا السياسية.. أسعار النفط تضطرب مجدداً
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٤ أغسطس ٢٠٢٦، ١٤:٣٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تشهد أسواق النفط العالمية واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخها الحديث، حيث يتشابك صعود الأسعار مع حالة من الضبابية السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط لم يسبق لها مثيل. ففي غضون أشهر قليلة، تحولت المنطقة من حالة من الهدوء النسبي إلى مسرح لتوترات تهدد بإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، وسط سيناريوهات متضاربة تراوح بين التفاؤل الحذر والتوقعات الكارثية.
من الهدوء إلى العاصفة
شهدت أسعار النفط قفزات متتالية، حيث تجاوز خام برنت حاجز المئة دولار للبرميل في تموز 2026 للمرة الأولى منذ أيار، مسجلاً أعلى إغلاق له عند 100.69 دولار، بارتفاع 7% في جلسة واحدة . هذا الصعود لم يكن وليد الصدفة، وفق محللين، بل جاء نتيجة تصعيد عسكري غير مسبوق، حيث ارتفعت الأسعار بنحو 40% منذ بداية الحرب مع إيران في فبراير الماضي .
مصادر تهديد متعددة
ما يميز هذه الموجة الصاعدة هو تنوع مصادر التهديد. فلم تعد المخاطر مقتصرة على مضيق هرمز الذي يمر عبره حوالي 20% من الاستهلاك العالمي للنفط يومياً، بل امتدت لتشمل مضيق باب المندب، حيث أعلن الحوثيون، حلفاء إيران، فرض حصار بحري على السعودية، مستهدفين ناقلات النفط في البحر الأحمر . هذا التهديد المزدوج يعني أن نحو ربع إمدادات النفط العالمية أصبحت عرضة للخطر في وقت واحد .
ضبابية المشهد
يكمن جوهر الأزمة في حالة الضبابية التي تخيم على المنطقة. ففي الوقت الذي أشارت فيه بعض التصريحات إلى إمكانية المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، سرعان ما تناقضت التطورات الميدانية مع تلك الآمال. فقد أكدت طهران عدم وجود مفاوضات جارية، بينما يستمر الحرس الثوري الإيراني في التهديد بإغلاق المضيق بشكل كامل، محذراً من أن "هذا الممر لن يكون آمناً لعبور المنتجات البتروكيماوية، ولا حتى قطرة واحدة من النفط والغاز" .
هذه التناقضات تضع الأسواق في حالة ترقب دائم. فكل يوم يحمل إمكانية التصعيد أو التراجع، وهو ما ينعكس في التقلبات الحادة للأسعار. ففي أغسطس 2026، تراجعت الأسعار 7% في جلسة واحدة بعد تصريحات عن تأجيل الضربات الأمريكية، لتعاود الارتفاع في الجلسة التالية مع تلاشي آمال الاختراق الدبلوماسي . هذه التقلبات تجسد جوهر الضبابية: غياب مسار واضح للأحداث.
سيناريوهات محتملة
في خضم هذه الضبابية، تتكاثر السيناريوهات والتقديرات التي ترسم مستقبلاً متشعباً للأسعار والاقتصاد العالمي..
أول سيناريو يتعلق بإعادة فتح المضيق، إذ يتوقع خبراء تحدثوا لـ " العين السورية"،عودة حركة الشحن إلى مستويات ما قبل الحرب خلال 6-8 أسابيع، مع بقاء الأسعار بين 80-90 دولاراً للبرميل مع استمرار الطلب على إعادة بناء المخزونات . هذا السيناريو الأكثر تفاؤلاً لا يخلو من تداعيات تضخمية، لكنها ستكون محدودة نسبياً.
والسيناريو الثاني، هو الإغلاق الممتد وينطوي على تداعيات أكثر خطورة، حيث تتوقع جيه بي مورغان أن يدفع كل شهر إضافي من الاضطراب الأسعار نحو الارتفاع بمقدار 7-8 دولارات للبرميل . وإذا استمر الإغلاق ثلاثة أشهر، فقد يتجاوز متوسط سعر برنت 114 دولاراً. وقد حذر بنك غولدمان ساكس من وصول السعر إلى 120 دولاراً إذا استمرت الاضطرابات.
أما السيناريو الثالث والأخطر، فهو التصعيد العسكري الشامل .. أي الأكثر قتامة، حيث تتضمن تقديرات المفوضية الأوروبية سيناريو يصل فيه سعر النفط إلى 180 دولاراً للبرميل في أواخر 2026، مع تراجع الناتج العالمي بنحو 0.5% وارتفاع التضخم العالمي 0.9% . هذا السيناريو يفترض أضراراً طويلة الأمد في البنية التحتية للنفط والغاز، قد تستمر سنوات .
تحديات إضافية
لا تقتصر أزمة النفط على مضيق هرمز وباب المندب فقط، بل تتفاقم بسبب عوامل مركبة. فمكامن الضعف في قطاع التكرير العالمية تزيد الأزمة تعقيداً، حيث تعاني المصافي من هوامش ربح قياسية مع مخزونات منخفضة من البنزين والديزل . كما أن الهجمات على المصافي الروسية، وخفض الصين لصادرات المنتجات المكررة، يساهمان في تضييق السوق بشكل أكبر . وإذا كان النفط الخام هو شريان الاقتصاد، فإن المنتجات المكررة هي الأوكسجين الذي يغذي عجلاته.
سوق في مهب الريح
يبقى مستقبل أسعار النفط مرهوناً بحل سياسي بعيد المنال في الشرق الأوسط. فبين قيود العرض الجيوسياسية، وارتفاع الطلب، وتراجع المخزونات، تبدو الأسواق وكأنها تسير على حبل مشدود فوق هاوية من عدم اليقين. الضبابية ليست مجرد حالة عابرة، بل هي سمة أساسية للمشهد، حيث تتشابك الحسابات العسكرية والسياسية لتخلق بيئة يغيب فيها الخط الفاصل بين التفاؤل والتشاؤم، وبين الأزمة والكارثة. إن ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط ليس مجرد صدمة عرضية، بل هو اختبار حقيقي لقدرة النظام الاقتصادي العالمي على استيعاب هزات عنيفة في مركز إمدادات الطاقة الأكثر حساسية في العالم.

