سوريا - اقتصاد
سوريا تكسر عقدة الثقة.. الاستثمار من المكاتب العميقة إلى واجهات الاقتصاد
ا
العين السورية
نشر في: ١٢ فبراير ٢٠٢٦، ١٥:١٤عدل في: ١٢ فبراير ٢٠٢٦، ١٥:١٤
3 دقيقة
2

العين السورية:
خرجت سوريا من دوامة التردد والتحفظات في التعاطي مع رأس المال الوافد للاستثمار، وأعلنت عن أفق جديد من التصالح مع مطلق فكرة استثمار، وبشكل أوضح مع الاستثمار الممول برساميل غير سورية
وانطوى القانون الجديد للاستثمار الصادر خلال العام 2025 "بعد أشهر من التحرير" على إضافات صريحة أزالت حواجز طالما أعاقت تدفق الاستثمارات الخارجية إلى سورية، وتتعلق بحقوق المستثمرين الأجانب ومنحهم ضمانات وحوافز تصل إلى إلغاء الضرائب بشكل كلي في بعض القطاعات.
تملّك 100 %
إلا أن العنوان العريض للتحول اللافت في هذا المضمار، هو أنه يحق للمستثمر الأجنبي تملك استثماره في سوريا بنسبة 100%، دون الحاجة إلى شريك محلي.
ولم يخل القانون من التطمينات الموثّقة تشريعياً، فثمة نص واضح في التشريع الجديد يمنع وضع اليد على أي مشروع استثماري من قبل الحكومة، سواء كان مملوكًا لمستثمر سوري أو أجنبي، كما يتيح للمستثمر غير السوري استقدام ما لا يقل عن 40% من العمالة غير السورية.
ذلك إلى جانب إعفاءات ضريبية كاملة لقطاعي الزراعة والصحة، إضافة إلى حوافز مدروسة لقطاع الصناعة، من خلال إقرار خصم نحو 80% من الضرائب في حال تم تصدير 50% من الإنتاج الصناعي إلى الخارج، وهو أحد أهم أدوات دعم الصناعات التصديرية وتعزيز تدفقات الإنتاج السوري إلى الأسواق العالمية.
تخبّط
لتجربة سوريا مع قطاع الاستثمار وتشريعاته سيرة مليئة بالتخبّط والارتجال، كانت حصيلتها مشهد هزيل لحضور رأس المال الأجنبي في البلاد، إضافة إلى تموضع عشوائي لاستثمارات رأس المال المحلّي، في قطاع الصناعة التحويلية بمخرجاتها الهشّة " غير الإستراتيجية" .. التي طغى عليها الطابع الاستهلاكي السريع غير القابل للتصدير" الصناعات الغذائية غير المنافسة..ومثلها المنظفات..وصناعة تجميع معدات منزلية، لم تصمد بجودتها المتواضعة، أمام نظيراتها الداخلة تهريباً أو بشكل قانوني ".
وأخفقت المعالجات طويلة الأمد في توطين صناعات إستراتيجية، تليق بأن تحمل شعار " صنع في سوريا" إلى الأسواق العالمية. فكانت الأسواق " الزبونة" للمنتج السورية مقتصرة على قائمة فقيرة العدد من أسواق المقصد، يتقدمها السوق العراقي بالدرجة الأولى " العراق بعد الحرب بلد منتج وغير مستهلك.. وعندما تفتح الحكومة العراقية الباب لمنتجات الدول الأخرى المنافسة كتركيا مثلاً..كانت السلع السورية تتنحى جانباً".
وتظهر هشاشة مخرجات قطاع الاستثمار السوري، من خلال رصد تفاصيل قوام لوائح الصادرات السورية، التي طالما طغت عليها المنتجات الزراعية، بحكم الميزات النسبية والمطلقة التي يحظى بها المنتج الزراعي السوري" نباتي – حيواني "، وهذا عطاء الطبيعة وليس بفضل " إبداع الحكومات السورية المتعاقبة".
تجريب وفشل
بعد طول قرارات حظر ومنع وإجراءات من وحي إملاءات " النظام الاشتراكي"..أعلنت سورية النيّة لفكّ الخناق عن نفسها بإصدار قانون جديد للاستثمار في العام 1991 وحمل الرقم 10 ، وأشرع الأبواب حينها أمام تأسيس استثمارات في مختلف القطاعات مع إعفاءات ضريبية عشوائية وميزات واسعة الطيف. وكانت النتيجة أن الميزات كانت استثماراً بحد ذاتها، وباتت مقصودة لذاتها لأنها مجزية أكثر بكثير من العمل على الأرض. وأخفق القانون حينها في تحقيق أية إضافات تنموية حقيقية، فتم تعديله بالمرسوم رقم 8 للعام 2007 الذي كان محاولة لتلافي ثغرات قانون الاستثمار السابق، لكن أيضاً دون أن يفضي ذلك إلى تحول نوعي في بنية الاقتصاد والاستثمار في سورية.
واللافت أن المرسوم 8 تضمن تطمينات لرأس المال الأجنبي لجهة حقوق المستثمر وتحويل الأرباح واستقدام الآلات والعمالة، إلا أن المزاج العام للمتمول الخارجي ونظرته لجانب الأمان الاستثماري في سوريا كانت محفوفة بالريبة وعدم الثقة، بالتالي لم يكن المرسوم فاعلاً في الاستقطاب.
وفي العام 2021 تم إصدار قانون استثمار " حالم" حمل الرقم 18.. ولاحقاً تم تعديله بحيث أُلحق الاستثمار السياحي والاستثمار العقاري بهيئة الاستثمار بعد أن كانا بعهدة جهات أخرى.
مكاتب الامتياز العميقة
بعد كل هذه السلسة الطويلة من المحاولات، لم تحظ البيئة السورية بما تستحقه من استقطاب استثماري حقيقي.. وهنا ثمة حقيقة لابد من التطرق إليها وهي أن كافة محاولة الاستثمار الخارجي المشدودة بالميزات والجواذب المعلن عنها " كثيفة من حيث الشكل" اصطدمت بالممر الإجباري لها عبر المكاتب " العميقة" صاحبة الصلاحية في منح الامتياز. أي تم إبطال مفعول كافة التسهيلات الجاذبة والميزات السخية، بفرض سطوة الامتياز البغيضة بكل معنى الكلمة.
أبعد من النص القانوني
في هذا السياق يرى الخبير المالي والقانوني أنس الفيومي، أن الملكية الكاملة..هي رسالة انفتاح مهمة تعكس توجه الدولة نحو تحسين بيئة الأعمال، وكسر القيود التي طالما شكلت عائقاً أمام رؤوس الأموال الأجنبية، وسعيها نحو جذب الاستثمارات الخارجية.
لكن الفيومي يلفت في حديثه لـ " العين السورية" أن أهم ما يمكن تقديمه هو ضمانات الملكية الكاملة وعدم نزعها، وهذا النهج اتبعته بعض الدول لمنح الضمان القانوني للمستثمر، فالإمارات مثلا عندما سمحت بالتملك بنسبة 100% .. يوجد لديها بالمقابل قضاء تجاري سريع وتحكيم دولي معترف به وحرية في تحويل الأرباح و استقرار تشريعي .
اي أنه وبكل وضوح الضمان المطلوب للمستثمر قد يتجاوز حدود النص القانوني ، لأن المطلوب البيئة القانونية السليمة وسلاسة ووضوح إجراءات الترخيص، وتوفر نظام فعلي للتحكيم وحل النزاعات، وفصل الإدارة عن التدخلات غير الاقتصادية، ويفضل وجود شراكات مع مؤسسات دولية لضمان الثقة .
جاهزية البيئة
يعتير الخبير الفيومي ..أن ضعف هيكلة المصارف لدى سوريا عائق إضافي، فرغم رفع العقوبات الاقتصادية على سوريا مازال هناك بعض التحفظ على تدفق الأموال من الخارج .
فرغم أن القانون قدم حوافز إضافية مثل الإعفاءات الضريبية و تشجيعات حسب قطاعات العمل وتسهيلات للاستثمار واستقدام العمالة لكن المستثمر عادة لا يعتمد فقط على الحقوق القانونية بل ينظر إلى الاستقرار العام والمناخ السياسي والبنية التحتية وقدرة المستثمر على تحويل الأموال للخارج .
دخول آمن وخروج سلس
في المحصلة يجزم الخبير المالي والقانوني أن الملكية الكاملة تصبح ضماناً فعليًا فقط عندما يشعر المستثمر أن خروجه من السوق أسهل من دخوله، إذا رأى مسارا إصلاحيا واضح، فالضمان الحقيقي هو النظام المالي لا القانون وحده .
وأضاف: ما ذكرناه سابقاً هو متطلب فعلي كي لا تفشل التجربة السورية فهناك بعض الدول التي اتاحت قوانينها الملكية الكاملة لكن لم تنجح. العراق مثلاً لديه استثمارات محدودة أغلبها في قطاع النفط نتيجة ضعف تنفيذ الأحكام وتعقيدات الإدارية، أي أن المطلوب لدينا منظومة مؤسساتية كاملة تدعم المستثمر مع تشريعات قانونية وإجراءات إدارية داعمة .
في المحصلة يجزم الخبير المالي والقانوني أن الملكية الكاملة تصبح ضماناً فعليًا فقط عندما يشعر المستثمر أن خروجه من السوق أسهل من دخوله، إذا رأى مسارا إصلاحيا واضح، فالضمان الحقيقي هو النظام المالي لا القانون وحده .
وأضاف: ما ذكرناه سابقاً هو متطلب فعلي كي لا تفشل التجربة السورية فهناك بعض الدول التي اتاحت قوانينها الملكية الكاملة لكن لم تنجح. العراق مثلاً لديه استثمارات محدودة أغلبها في قطاع النفط نتيجة ضعف تنفيذ الأحكام وتعقيدات الإدارية، أي أن المطلوب لدينا منظومة مؤسساتية كاملة تدعم المستثمر مع تشريعات قانونية وإجراءات إدارية داعمة .


