سوريا - اقتصاد
سوريا تفتح أبواب الاستثمار.. والمصارف أمام اختبار الجاهزية
مع عودة الاستثمارات والأموال المحتملة إلى سوريا، تواجه المصارف تحدي استعادة الثقة وتعزيز رأس المال والقدرة على تمويل الإنتاج وإعادة الإعمار.
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٩:٥٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

سوريا تفتح أبواب الاستثمار.. والمصارف أمام اختبار الجاهزية
مع دخول الاقتصاد السوري مرحلة جديدة عنوانها الانفتاح الاقتصادي والمالي، لم يعد السؤال مقتصراً على قدرة البلاد على جذب الاستثمارات ورؤوس الأموال، بل انتقل إلى سؤال أكثر جوهرية: هل المصارف السورية جاهزة لتحويل هذه الأموال إلى تمويل حقيقي للإنتاج والاستثمار وإعادة الإعمار؟
فالاقتصاد الذي يتطلع إلى التعافي يحتاج إلى قطاع مصرفي قادر على تعبئة المدخرات، وتوفير الائتمان، وتمويل المشاريع، وإدارة المدفوعات، وربط المستثمرين المحليين والخارجيين بالسوق السورية. لكن سنوات التضخم والتراجع الاقتصادي تركت آثاراً عميقة على المصارف، من ضعف الوساطة المالية والاعتماد الكبير على النقد، إلى تآكل رأس المال وتراكم مخاطر الائتمان وتقادم البنية التقنية.وفي ظل بدء برامج إصلاح للقطاع المالي، تبدو المصارف السورية أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول إلى محرك للنمو، أو يبقى الاقتصاد مضطراً للاعتماد على التمويل الذاتي ورؤوس الأموال الخارجية ومصادر التمويل غير المصرفية.
المصارف قادرة.. لكنها ليست جاهزة بعد
يرى الخبير المصرفي منير هارون، الرئيس التنفيذي لمصرف الوطنية للتمويل الأصغر، أن المصارف السورية قادرة من حيث المبدأ على الانتقال إلى تمويل الإنتاج والاستثمار، لكنها غير جاهزة بعد بالحجم المطلوب.
ويشير هارون في حديث مع "العين السورية" إلى مجموعة من نقاط القوة التي يمكن البناء عليها، أبرزها وجود طلب كبير على التمويل، وقاعدة واسعة محتملة من المدخرات داخل البلاد وخارجها، إضافة إلى وجود شبكة مصرفية قائمة يمكن إعادة تأهيلها بدلاً من بنائها من الصفر.
كما أن عودة التجارة والاستثمار والنشاط الاقتصادي ستؤدي، وفق رؤيته، إلى ظهور مشاريع قابلة للتمويل، في وقت يمكن أن يساهم فيه انخراط المؤسسات المالية الدولية في برامج إصلاح القطاع في تقليل مخاطر تنفيذ الإصلاح بصورة عشوائية.
لكن هذه الإمكانات تقابلها نقاط ضعف أكثر إلحاحاً، في مقدمتها ضعف الوساطة المالية، والاعتماد الكبير على النقد، وتقادم أنظمة الدفع، وعدم وضوح جودة محافظ القروض بعد سنوات من التضخم والتراجع الاقتصادي، فضلاً عن ضعف إدارة المخاطر والرقابة.
ويضيف هارون أن بعض المصارف تعاني أيضاً من محدودية رأس المال الحقيقي بعد تآكله بفعل التضخم، إلى جانب ضعف البنية الخاصة بالمعلومات الائتمانية والضمانات والتقنيات المستخدمة في تحليل البيانات والتنبؤ بالمخاطر.
التمويل طويل الأجل يحتاج إلى أموال طويلة الأجل
المشكلة لا تتعلق فقط بقدرة المصارف على منح القروض، وإنما بقدرتها على منح قروض طويلة الأجل من مصادر تمويل مناسبة.
ويشرح هارون أن المصرف لا يستطيع منح قرض لخمس أو عشر سنوات ما لم يمتلك تمويلاً مستقراً ورأس مال قادراً على تحمل الخسائر، إضافة إلى أدوات حقيقية لقياس مخاطر المشروع.
وبالتالي، فإن مطالبة المصارف بزيادة الإقراض، من دون معالجة مصادر التمويل، قد تخلق فجوات خطيرة في الاستحقاقات. فتمويل مشروع صناعي طويل الأجل من ودائع قصيرة الأجل قابلة للسحب في أي وقت، يمكن أن يضع المصرف أمام مخاطر سيولة كبيرة.
ومن هنا، يرى هارون أن القطاع يحتاج إلى ودائع مستقرة نسبياً، وخطوط تمويل متوسطة وطويلة الأجل من مؤسسات التنمية والصناديق العربية والدولية.
ولا يقتصر الأمر على التمويل، إذ تحتاج المصارف أيضاً إلى رفع فعلي لرؤوس أموالها بعد تقييم جودة الأصول، وليس مجرد رفع اسمي لرأس المال، إلى جانب بناء سجل ائتماني متطور ونظام فعال للضمانات المنقولة والعقارية وقواعد واضحة للإفلاس وإعادة الهيكلة.
السيولة وحدها لا تكفي
في المقابل، يؤكد هارون أن اختزال مشكلة المصارف السورية في نقص السيولة سيكون تبسيطاً للمشهد.
فحتى إذا دخلت إلى مصرف ما ودائع بمليار دولار، فإن ذلك لا يعني بالضرورة قدرته على إقراض المبلغ نفسه لمصانع ومشاريع لمدة عشر سنوات.
قبل الإقراض، يجب أن يعرف المصرف حجم القروض المتعثرة، وملاءة المقترضين، والقيمة الحقيقية للضمانات، وكفاية رأس المال، ومخاطر سعر الصرف.
ومن هنا يضع هارون ترتيباً للأولويات يبدأ بسلامة الميزانيات وجودة الأصول، ثم بناء الثقة والرسملة وتأمين التمويل طويل الأجل، بالتوازي مع تطوير البنية التكنولوجية والائتمانية، قبل التوسع الكبير في الإقراض.
❝الثقة ستكون عاملاً حاسماً في إعادة الأموال إلى النظام المصرفي السوري...❞
رأس المال والثقة شرطا الانطلاق
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين متحدثاً للعين السورية أن المصارف السورية تمتلك قاعدة فروع وخبرة تشغيلية وعلاقات قائمة مع العملاء، لكنها ليست جاهزة بعد لتمويل مرحلة استثمار وإعمار واسعة بالحجم المطلوب.
ويؤكد أن الانتقال من الوساطة المصرفية التقليدية إلى تمويل الصناعة والزراعة والمشاريع الاستثمارية يتطلب إعادة بناء القدرة الرأسمالية والائتمانية والرقابية، وليس مجرد زيادة حجم الودائع.
ويضع محي الدين رفع كفاية رأس المال في مقدمة الأولويات، مشيراً إلى أن رفع الحد الأدنى لرأس مال المصارف التقليدية إلى نحو 100 مليون دولار، والمصارف الإسلامية إلى 150 مليون دولار، يمكن أن يشكل قاعدة مناسبة لبناء مصارف أكثر قدرة على استيعاب الصدمات وتمويل المشاريع الكبرى.
كما يشدد على ضرورة تطوير إدارة المخاطر والتقييم الائتماني، والانتقال نحو تمويل يعتمد على التدفقات النقدية للمشروع وليس الضمانات وحدها، إلى جانب تطوير المنتجات المصرفية الرقمية والاستفادة من خبرات البنوك الأم والشراكات المصرفية الدولية.
الثقة.. الحلقة المفقودة بين المدخرات والمصارف
يتفق الخبيران على أن الثقة ستكون عاملاً حاسماً في إعادة الأموال إلى النظام المصرفي السوري.
ويشير هارون إلى أن سنوات التضخم وعدم الثقة والقيود المصرفية دفعت إلى نشوء كتلة مالية كامنة خارج النظام المصرفي، مع اعتماد واسع على النقد والاحتفاظ بالمدخرات خارج المصارف، لكن إعادة هذه الأموال لن تتحقق بمجرد فتح الحسابات.
فالمودع، بحسب هارون، يريد أن يطمئن إلى أن أمواله قابلة للسحب والتحويل عند الحاجة، وأن قيمتها لن تتآكل بسرعة، وأن التعامل المصرفي أكثر سهولة وأماناً من الاحتفاظ بالنقد.
وهذا يتطلب تطوير الحسابات والمنتجات الادخارية، والمدفوعات الإلكترونية، والتحويلات السريعة، والعوائد المنطقية على الودائع، وحماية البيانات، وترتيبات موثوقة لحماية الودائع.
أما محي الدين، فيضع الثقة بالليرة والمصرف والإطار الرقابي والمؤسساتي في قلب عملية استعادة المدخرات.
ويؤكد أن انتقال الأموال من النقد إلى الودائع يحتاج إلى حماية القيمة الحقيقية للمدخرات، ومنتجات ادخارية واقعية، وشفافية وسهولة في الوصول إلى الخدمات المصرفية.
أموال المغتربين.. فرصة كبيرة
تبدو مدخرات السوريين في الخارج وتحويلاتهم إحدى أهم الفرص أمام الاقتصاد السوري، لكنها في الوقت نفسه قد تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة القطاع المصرفي على استيعاب التدفقات المالية.
ويعتقد هارون أن المصارف تستطيع استيعاب هذه الأموال، لكن ذلك يتطلب أولاً عودة العلاقات المصرفية المراسلة بصورة طبيعية، وتعزيز أنظمة الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتحقق من المستفيد الحقيقي من الأموال.
ولا يرى هارون أن جذب الأموال يمثل الهدف النهائي، بل يجب إيجاد قنوات منظمة لتوظيفها في الاقتصاد، مثل الودائع لأجل، والسندات والصكوك، وصناديق الاستثمار، وتمويل المشاريع والصناعة والتصدير، إضافة إلى التمويل المشترك مع المؤسسات الخارجية.
أما محي الدين فيحذر من أن دخول أموال كبيرة إلى نظام مصرفي غير قادر على استيعابها وتوظيفها بكفاءة قد يحول الفرصة إلى مشكلة، ولذلك يدعو إلى تعزيز رؤوس الأموال وإدارة السيولة والمخاطر وتحديث أنظمة الدفع والمقاصة والرقابة قبل استقطاب الأموال على نطاق واسع.
❝محي الدين: دخول أموال كبيرة إلى نظام مصرفي غير قادر على استيعابها وتوظيفها بكفاءة قد يحول الفرصة إلى مشكلة...❞
هل تستطيع المصارف السورية تمويل إعادة الإعمار؟
هنا يتفق الخبيران بوضوح: لا يمكن للمصارف السورية وحدها تمويل إعادة إعمار البلاد.
ويشير هارون إلى أن تقديرات احتياجات إعادة بناء الأصول المادية تصل إلى نحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق محتمل بين 140 و345 مليار دولار، وهو حجم يفوق بكثير قدرة الجهاز المصرفي المحلي على التمويل منفرداً، لكن ذلك لا يعني أن دور المصارف سيكون هامشياً.
فالمصارف تستطيع تمويل رأس المال العامل للمقاولين، والمصانع والموردين، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والإسكان، وإصدار الضمانات والاعتمادات، والمشاركة في القروض المشتركة وإدارة المدفوعات.
أما مشاريع الكهرباء والمياه والنقل والبنية التحتية الكبرى، فتحتاج إلى مزيج من التمويل الدولي والعربي، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتمويل الصادرات، والصناديق الاستثمارية، والصكوك والسندات.
ويؤكد محي الدين بدوره أن المطلوب هو بناء منظومة تمويل متعددة المصادر تجمع المصارف السورية مع مؤسسات التمويل الدولية والبنوك الأجنبية وخطوط الائتمان الخارجية وضمانات الاستثمار وسوق رأس المال.
إعادة هيكلة المصارف قبل التوسع في الإقراض
بالنسبة إلى هارون، فإن الإصلاح الأكثر إلحاحاً يبدأ من مراجعة جودة أصول كل مصرف، وتحديد القروض المتعثرة والخسائر الحقيقية، وتقييم الضمانات وقياس فجوة رأس المال.
وبعد ذلك، يمكن تحديد مصير كل مصرف وفق وضعه المالي: إعادة رسملة، أو إعادة هيكلة، أو دمج، أو معالجة الأصول المتعثرة.
أما محي الدين، فيرى أن الإصلاح يجب أن يكون شاملاً، يبدأ برفع رأس المال وإجراء اختبارات جهد للمصارف، ثم دمج أو إعادة هيكلة المؤسسات التي تثبت عدم قدرتها على الاستمرار.
ويترافق ذلك مع تطوير الحوكمة والشفافية والإفصاح، ومعالجة الديون المتعثرة، ورفع كفاءة المصرف المركزي، وتفعيل أدوات السياسة النقدية، وتحديث التكنولوجيا وأنظمة الدفع والمقاصة والرقابة.
ماذا لو تأخر الإصلاح المصرفي؟
السيناريو الأكثر خطورة، وفق هارون، ليس بالضرورة انهيار المصارف، وإنما تهميشها.
فقد يتعافى الاقتصاد وتدخل الاستثمارات الخارجية وتبدأ المشاريع، بينما تبقى المصارف السورية مجرد قنوات للرواتب والتحويلات والاعتمادات والعمليات قصيرة الأجل.
وفي هذه الحالة، سيمول المستثمرون الكبار أنفسهم من الخارج، وستعتمد الشركات على التمويل الذاتي والموردين والمغتربين، بينما تبقى المشاريع الصغيرة أكثر اعتماداً على السوق غير الرسمية.
ويحذر هارون من أن ينمو الاقتصاد "حول المصارف بدلاً من النمو من خلالها"، بحيث تستحوذ المؤسسات المالية الأجنبية وصناديق التنمية والمستثمرون الخارجيون على الجزء الأكبر من تمويل المشاريع، بينما تبقى المصارف المحلية في الأنشطة التقليدية والأقل قيمة.
أما محي الدين، فيرى أن تأخر الإصلاح قد يبقي المصارف خلال السنوات المقبلة مؤسسات محدودة الدور، تركز على الخدمات والتمويل قصير الأجل، في وقت يظل فيه تمويل الاستثمار وإعادة الإعمار معتمداً بدرجة أكبر على رأس المال الخاص والخارجي ومصادر التمويل غير المصرفية.
❝يحذر هارون من أن ينمو الاقتصاد "حول المصارف بدلاً من النمو من خلالها"❞
المصارف أمام فرصة تاريخية
تكشف آراء الخبيرين أن الانفتاح الاقتصادي لا يعني تلقائياً أن المصارف السورية أصبحت جاهزة لتمويل الاقتصاد.
فالفرصة موجودة: طلب كبير على التمويل، ومدخرات محتملة داخل البلاد وخارجها، وعودة تدريجية للنشاط الاقتصادي، وإمكانية الحصول على دعم وخطوط تمويل دولية.
لكن تحويل هذه الفرصة إلى ائتمان واستثمار يتطلب معالجة مجموعة من الملفات المتشابكة: جودة الأصول، ورأس المال، والديون المتعثرة، وإدارة المخاطر، والضمانات، والثقة، والرقمنة، والربط المالي الدولي.
والتحدي الحقيقي أمام القطاع المصرفي السوري خلال المرحلة المقبلة لن يكون كمية الأموال التي تدخل المصارف فقط، بل قدرة هذه المصارف على تحويلها إلى تمويل منتج وآمن وطويل الأجل.
فإذا نجح الإصلاح، يمكن للمصارف أن تنتقل من دور محدود في إدارة الودائع والمدفوعات إلى رافعة للادخار والاستثمار والإنتاج وإعادة الإعمار.
أما إذا تأخر الإصلاح، فقد تدخل رؤوس الأموال إلى سوريا، ويبدأ الاقتصاد بالتعافي، لكن من دون أن يكون القطاع المصرفي المحلي هو القناة الرئيسية لهذا التعافي.
وبين السيناريوهين يقف عامل واحد يتفق عليه الخبيران تقريباً: الثقة.
فالثقة بالمصرف، وبالعملة، وبالنظام الرقابي، وبقدرة الدولة على حماية الحقوق، هي التي ستحدد في النهاية ما إذا كانت الأموال ستبقى خارج النظام المصرفي، أم ستعود إليه لتتحول من مدخرات خاملة إلى استثمارات وفرص عمل ونمو اقتصادي.


