سوريا - اقتصاد
سوريا تخرج كلياً من عباءة العجز.. وزير المالية يُعلن المفاجأة
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١١ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٤١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بدأت سوريا تسلك بالفعل مسارات التعافي، بعد أكثر من عقد من التقهقر والانهيار الاقتصادي وتالياً الاجتماعي.
إذ أعلن وزير المالية محمد يسر برنية، في أحدث تصريحاته الإعلامية، أن الاقتصاد السوري يستهدف تحقيق نمو بنسبة 11.3% خلال عام 2026، مع توقعات بأن تتجاوز إيرادات الموازنة العامة حاجز 8 مليارات دولار ، على معطيات واقعية تظهر في مؤشرات الوزارة المعنية بإعداد ورصد الواقع الحقيقي للاقتصاد السوري وموارده، من الأرض إلى قوة العمل إلى العائدات الضريبية ثم الصادرات.
وتأتي هذه التوقعات في سياق تقييمات إيجابية من قبل صندوق النقد الدولي، الذي يتوقع أن يتجاوز النمو الاقتصادي 10% خلال العام الجاري ويستمر قوياً في 2027 .
أسس التعافي الاقتصادي
ويوافق خبراء تحدثوا لـ " العين السورية" على الرؤية المتفائلة التي عبّر عنها وزير المالية. ويُرجعونا إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين بعد التغيير السياسي الذي شهدته سوريا في نهاية 2024، وعودة نحو 1.5 مليون لاجئ سوري إلى بلادهم، فضلاً عن إعادة اندماج سوريا التدريجي في الاقتصادين الإقليمي والعالمي . ثم موسم الأمطار الوفيرة الذي ساعد في تعويض تأثير الجفاف الذي أصاب القطاع الزراعي في العامين الماضيين.
إذ يشير وزير المالية إلى أن تقديرات الحكومة تتوافق مع توقعات صندوق النقد الدولي، التي وضعت النمو الاقتصادي بأكثر من 10% لعام 2026، مضيفاً أن الحكومة تتوقع توسعاً بنسبة 11.3% هذا العام و9.7% في 2027، مقابل نمو بلغ نحو 4% في 2025 . ويعكس هذا التسارع تحسناً ملموساً في الأداء الاقتصادي.
قطاعات النمو الرئيسية
ويُعزي الخبراء، النمو المتوقع إلى انتعاش واسع في مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها قطاعا الخدمات والتجارة، وتحسن الإنتاج النفطي والغازي واستخراج المعادن . ويؤكد صندوق النقد الدولي في تقييمه أن هذه القطاعات كانت الأولى في الاستفادة من مرحلة التعافي والإصلاحات التي تهدف إلى فتح الاقتصاد أمام التجارة والاستثمار .
ويضاف إلى ذلك استمرار عودة اللاجئين وارتفاع ملحوظ في أعداد الزوار إلى سوريا، وهو ما عزز النشاط الاقتصادي بشكل عام. وتعتقد الحكومة أن عدة قطاعات قد تستعيد مستويات الإنتاج التي كانت عليها قبل عام 2011 بحلول عام 2030 .
الإيرادات والنفقات بين الطموح والواقع
في قراءة لواقع الخزينة العامة، يوضح الخبراء أن موازنة عام 2026 تتضمّن إيرادات بنحو 8.716 مليارات دولار، مقابل نفقات تبلغ حوالي 10.5 مليارات دولار، مما يترك عجزاً مقداره نحو 1.8 مليار دولار، أي ما يعادل حوالي 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع البالغ 33.7 مليار دولار . إذ تُشير البيانات إلى أن 60% من الإنفاق موجه للنفقات الجارية، و27% للاستثمار، و13% للدعم الاجتماعي والضمان الاجتماعي .
وتتوزع مصادر الإيرادات المتوقعة بواقع 50% من الضرائب والرسوم والجمارك، و28% من قطاع النفط والغاز، و22% من مصادر متنوعة أخرى . ويؤكد وزير المالية أن نحو 75% من الإيرادات المتوقعة لعام 2026 تأتي من مصادر مستدامة، مقابل 3.5 مليارات دولار فقط كانت مسجلة في عام 2025 .
إيرادات استثنائية لمشاريع التنمية
تتضمن الموازنة إيرادات استثنائية متأتية من مصادر كرسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور المحروقات، والتي سيتم توجيهها بشكل رئيسي إلى مشاريع استثمارية في المناطق المتضررة، إضافة إلى دعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الحديثة . ويتمثل أحد هذه المشاريع في إنشاء صندوق وطني لدعم رواد الأعمال وشركات التكنولوجيا الناشئة، بالتعاون مع وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، بتمويل جزئي من عوائد قطاع الاتصالات .
تحديات التضخم
على الرغم من التوقعات الإيجابية، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن التضخم ارتفع خلال عام 2026 بسبب عوامل خارجية، أبرزها ارتفاع أسعار الواردات ولا سيما المواد الغذائية والوقود، إلى جانب زيادة الطلب المحلي وارتفاع تكاليف بعض الخدمات العامة والإسكان، إضافة إلى زيادات الأجور في القطاع العام .
غير أن الصندوق يتوقع انخفاض التضخم خلال عام 2027 إذا استمرت السياسات المالية والنقدية السليمة وتراجعت الضغوط على أسعار الواردات .
ويثير تقرير الصندوق أيضاً مخاوف بشأن تفاوت التعافي بين المناطق المختلفة، واستمرار نسب الفقر المرتفعة رغم بعض الانخفاض، ما يستدعي استمرار جهود الحكومة في تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية .
الإصلاحات المالية والنقدية
يركز وزير المالية على أن الحكومة تعطي أولوية للانضباط المالي والشفافية والنزاهة، مع استمرار العمل على سياسة ضريبية جديدة تهدف إلى تبسيط الإجراءات وتخفيض معدلات الضرائب على الأفراد والشركات، وتقديم حوافز لتحسين تنافسية النظام الضريبي السوري وتحفيز القطاع الخاص . ومن المتوقع أن تقدم هذه الإصلاحات إلى البرلمان لدخولها حيز التنفيذ مطلع عام 2027 .
البنية المصرفية
ويلفت صندوق النقد الدولي أيضاً إلى ضرورة تسريع إعادة تأهيل القطاع المصرفي وتحديث إطاره التنظيمي وتعزيز أطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي إجراءات من شأنها دعم إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي وتعزيز فرص جذب الاستثمارات الأجنبية .
السياق الأوسع للتعافي
تأتي موازنة 2026 في سياق اقتصادي شديد التعقيد، إذ تشير تقديرات إلى أن الإنفاق العام في هذه الموازنة يزيد عن ثلاثة أضعاف مستويات عام 2025 . ومن المقرر أن يواصل الإنفاق ارتفاعه في موازنة 2027، خاصة لتمويل مشاريع التنمية وإعادة الإعمار وبرامج مكافحة الفقر .
ويرى الخبراء أن الأرقام التي تطرحها الحكومة السورية، مدعومة بتوقعات صندوق النقد الدولي، ترسم صورة للتعافي بدأت ملامحها تتضح، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات حقيقية تتمثل في استدامة الإيرادات، وتوسيع القاعدة الضريبية، ومعالجة التفاوت التنموي بين المناطق. ويبدو أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه التوقعات ستتحول إلى واقع ملموس أم ستظل طموحات تحتاج إلى مزيد من الوقت والإصلاحات لترى النور.


