سوريا - اقتصاد
هل تمهد رقمنة تسجيل الشركات لانطلاقة استثمارية في سوريا؟
خبير اقتصادي: تحويل الإجراءات المعقدة إلى معاملات إلكترونية لن يحل المشكلة دون إصلاح التشريعات وتبسيط الموافقات.
م
منير الرفاعي
نشر في: ٤ نوفمبر ٢٠٢٦، ١٣:٠٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتجه سوريا نحو رقمنة إجراءات تسجيل الشركات وتحديث السجلات التجارية، في خطوة تستهدف تبسيط المعاملات الإدارية وتخفيف الأعباء عن المستثمرين، ضمن مساعٍ أوسع لتحديث الإدارة الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال.
ويكتسب المشروع أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تنشيط الاستثمار وتوسيع دور القطاع الخاص، إذ يمكن لتقليص الوقت والتكاليف المرتبطة بتأسيس الشركات أن يشجع رواد الأعمال على إطلاق مشروعات جديدة، ويساعد المنشآت غير المسجلة على الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي.
لكن نجاح التحول الرقمي لا يرتبط فقط بمدى قدرة الجهات المعنية على تحويل الوثائق والمعاملات إلى صيغ إلكترونية، بل بقدرته على معالجة التعقيدات الإدارية والتشريعية التي تواجه المستثمرين، وتوفير بيئة تتيح للشركات العمل والنمو بعد تأسيسها.
ويرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي في حديثه إلى "العين السورية" أن رقمنة إجراءات تسجيل الشركات تمثل خطوة مهمة نحو تحديث الإدارة الاقتصادية وتحسين بيئة الأعمال، ولا سيما في ظل حاجة الاقتصاد السوري إلى استعادة النشاط الاستثماري وتشجيع تأسيس المشروعات الجديدة.
هل تكفي الرقمنة لتسهيل تأسيس الشركات؟
يشكل طول إجراءات تأسيس الشركات وارتفاع تكاليفها أحد العوائق أمام المبادرات الاستثمارية، خصوصاً المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك إمكانات مالية وإدارية كبيرة لتحمل أعباء المعاملات المتعددة والمراجعات المتكررة.
وفي هذا السياق، يمكن للمنظومة الرقمية أن تقلص مدة إنجاز المعاملات، وتحد من تكاليف التنقل والمراجعات، وتخفف الاحتكاك المباشر بين المستثمر والموظف، بما يقلل فرص الفساد الإداري ويجعل إجراءات التأسيس أكثر وضوحاً وقابلية للمتابعة.
ويشير قوشجي إلى أن تبسيط التسجيل قد يشجع أصحاب المبادرات على الانتقال من النشاط غير المنظم إلى الاقتصاد الرسمي، لكنه يحذر من المبالغة في تقدير نتائج هذه الخطوة، إذ إن سهولة تأسيس الشركة لا تضمن نجاحها أو استمرارها ما لم تتوافر مقومات التمويل والإنتاج والتسويق.
وبذلك، فإن الأثر الاقتصادي المتوقع لا يتوقف عند زيادة عدد الشركات المسجلة، بل يرتبط بقدرة هذه الشركات على بدء نشاطها الفعلي والاستمرار فيه.
البيروقراطية.. التحدي الذي لا تحله الشاشات
تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات في أن العقبات التي تواجه تأسيس الشركات في سوريا لا ترتبط بالمعاملات الورقية وحدها، بل تشمل تعدد الموافقات والاشتراطات، وتداخل صلاحيات الجهات الحكومية، وتعقيد بعض القوانين والأنظمة.
ويؤكد قوشجي أن رقمنة الإجراءات المعقدة دون مراجعتها لن تؤدي إلى حل المشكلة، بل قد تنقل البيروقراطية من المكاتب إلى الشاشات، من دون تغيير جوهري في تجربة المستثمر.
لذلك، يرى أن نجاح المشروع يستدعي بالتوازي مراجعة التشريعات، وإلغاء الموافقات غير الضرورية، وتوحيد الوثائق المطلوبة، وتحديد مدد زمنية ملزمة لإنجاز المعاملات، إلى جانب إنشاء نافذة واحدة حقيقية تتيح تأسيس الشركات ومتابعة معاملاتها من مكان واحد.
وهذا يعني أن التحول الرقمي ينبغي أن يكون جزءاً من إصلاح إداري وتشريعي أوسع، لا مجرد تحديث للأدوات المستخدمة في تنفيذ الإجراءات القائمة.
المستثمرون في الخارج.. التسجيل عن بُعد
يمكن أن تفتح المنظومة الرقمية المجال أمام المستثمرين السوريين في الخارج والأجانب لإنجاز معاملات تأسيس الشركات ومتابعتها دون الحاجة إلى الحضور الشخصي، بما يخفف العقبات الجغرافية والإدارية أمام دخول رؤوس الأموال إلى السوق السورية.
لكن تحقيق ذلك يتطلب بنية قانونية وتقنية متكاملة، تشمل اعتماد التوقيع الإلكتروني، والتحقق الرقمي من الهوية، وإتاحة الدفع الإلكتروني، والاعتراف بالوثائق والوكالات القانونية الموثقة، فضلاً عن توفير الخدمات باللغتين العربية والإنجليزية.
ويشدد قوشجي على أن المستثمر لا يبحث عن سهولة تسجيل الشركة فحسب، بل يحتاج أيضاً إلى وضوح القوانين، وحماية حقوق الملكية، وضمان تنفيذ العقود، واستقرار السياسات الضريبية والاستثمارية.
ومن ثم، فإن قدرة المنظومة على استقطاب المستثمرين من الخارج ستظل مرتبطة بمدى تكامل الخدمات الرقمية مع الضمانات القانونية والاقتصادية التي تحكم عمل الشركات.
الأرشفة الإلكترونية.. قاعدة بيانات للاقتصاد
لا تقتصر أهمية المشروع على تسريع المعاملات، إذ يمكن أن يشكل تحديث السجلات التجارية وأرشفة الوثائق إلكترونياً وربط قواعد بيانات الشركات أساساً لبناء قاعدة معلومات اقتصادية وطنية أكثر دقة.
ووفق قوشجي، فإن هذه الخطوة تساعد على الحد من التلاعب والازدواجية في السجلات، وتعزز الرقابة والشفافية، كما تتيح توفير بيانات موثوقة عن المنشآت وتوزيعها الجغرافي والقطاعي، بما يدعم اتخاذ القرارات الاقتصادية استناداً إلى معلومات فعلية.
كذلك، يمكن أن تسهم الإجراءات المبسطة في تشجيع المنشآت غير المسجلة على دخول الاقتصاد الرسمي، لكن ذلك يتطلب ألا تتحول عملية التسجيل والالتزام القانوني إلى عبء مالي وإداري إضافي على أصحابها.
تحديات التنفيذ وقياس النتائج
في المقابل، يواجه المشروع تحديات تتعلق بضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق، وتفاوت الإمكانات التقنية، والحاجة إلى تحديث السجلات القديمة وتدقيقها، فضلاً عن تأهيل الموظفين وضمان حماية البيانات والأمن السيبراني.
ويحذر قوشجي من أن استدامة المشروع تتطلب توفير التمويل اللازم للصيانة والتحديث والتدريب، حتى لا تتوقف المنظومة أو تتراجع كفاءتها بعد انتهاء مرحلة التنفيذ.
أما قياس النجاح، فلا ينبغي أن يقتصر على عدد الوثائق المؤرشفة أو المعاملات المنجزة إلكترونياً، بل يجب أن يشمل انخفاض مدة وتكلفة تأسيس الشركات، وزيادة المشروعات الجديدة، وارتفاع نسبة المعاملات المنجزة رقمياً بالكامل، فضلاً عن نمو الاستثمارات المحلية والأجنبية وانتقال المنشآت غير المسجلة إلى الاقتصاد الرسمي.
كما تبرز مؤشرات أخرى أكثر ارتباطاً بالأثر الاقتصادي، مثل فرص العمل الجديدة وحجم النشاط الإنتاجي الذي تولده الشركات التي استفادت من المنظومة.
وفي المحصلة، تمثل رقمنة تسجيل الشركات خطوة مهمة لتحديث الإدارة الاقتصادية السورية، لكنها لا تكفي بمفردها لتحسين جاذبية الاستثمار، ما لم تترافق مع إصلاح قوانين الاستثمار والشركات والضرائب والتراخيص، وتطوير القطاع المصرفي وتسهيل التمويل وخفض تكاليف الإنتاج وتعزيز حماية حقوق المستثمرين.
ويختصر قوشجي هذه المعادلة بالقول إن الاستثمار لا يحتاج إلى تسهيل تسجيل الشركات فقط، بل إلى تسهيل عملها وإنتاجها وتوسعها. فالمعيار الحقيقي لنجاح المشروع ليس عدد الشركات التي سُجلت إلكترونياً، بل عدد المشروعات التي بدأت الإنتاج فعلياً، وحجم الاستثمارات التي دخلت الاقتصاد، وفرص العمل التي استطاعت توليدها.


