سوريا - محليات
رغم التطمينات والتراجع… مازالت أزمة المحروقات مستمرة.. تفاؤل بنهاية قريبة
ا
العين السورية - نورا حربا
نشر في: ٩ يوليو ٢٠٢٦، ١٠:٥٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

تتواصل أزمة الوقود في أغلب المحافظات السورية، مع عودة إغلاق معظم محطات الوقود بعد يوم واحد فقط من إعادة فتح عدد منها، وسط ازدحامات خانقة أمام المحطات التي لا تزال تعمل، في وقت تؤكد فيه وزارة الطاقة عدم وجود نقص في المشتقات النفطية، مرجعة الأزمة إلى ارتفاع الطلب على المادة.
خلل بآلية التسعير
لا تزال الجهات المعنية مستمرة في تزويد محطات الوقود بكميات البنزين بشكل متواصل ومنتظم، غير أن أسباب هذه الأزمة هي ما يدعو إلى القلق، سيما وأن هناك مخاوف من وجود حالة خلل في آلية التسعير المتبعة حالياً، والأهم من ذلك آلية الرقابة على عمل محطات الوقود، الأمر الذي يفسر – ربما – حالة الاختناق التي نشهدها حالياً، غير المبررة وغير الواضحة الأسباب والمعالم.
بداية الحكاية
وبحسب أصحاب محطات الوقود، فإن الأزمة بدأت عقب إعلان اللجنة المختصة بتحديد أسعار المشتقات النفطية عن الأسعار الجديدة للمحروقات، والتي تضمنت تخفيض الأسعار وتثبيتها بالليرة السورية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الطلب على البنزين.
وأوضح أصحاب المحطات أن الكميات الموردة حالياً لا تكفي لتلبية احتياجات السوق، مشيرين إلى وجود ضغط على عمليات التوريد من مصفاة حمص، وهو ما انعكس على قدرة المحطات على الاستمرار في تلبية الطلب المتزايد.
سبب غير ظاهر
ثمة سبب أساسي ورئيسي لم يتحدث عنه أصحاب المحطات الذين التقيناهم، ويعتبر السبب الأساسي لما نشهده حالياً، تمثل في أن أغلب المحطات – وقبل صدور التسعيرة التي خفضت أسعار المشتقات النفطية بنحو ٣٠٪ – كانت قد استلمت كمياتها المخصصة حسب الطلب وفق التسعيرة القديمة، أي قبل التخفيض، لتصبح أمام واقع البيع بخسارة، سيما وأنها دفعت ثمن الكميات التي استلمتها وفق التسعيرة السابقة، وطُلب منها البيع بالتسعيرة الجديدة دون أي تعويض من شركة "محروقات"، مما دفع الكثيرين إلى إغلاق محطاتهم والتوقف عن البيع تجنباً لتحمل الخسارة. وقد تزامن ذلك مع إقبال كبير من أصحاب المركبات بعد إحجام سابق، في وقت كانت فيه أسعار المحروقات مرتفعة، ليصبح هناك أزمة غير مبررة تضخمت ككرة الثلج.
لا يوجد نقص
في المقابل، نفى مصدر في وزارة الطاقة وجود أي نقص في المشتقات النفطية، مؤكداً أن عمليات التوزيع تسير بشكل تدريجي ومنتظم، وأن ما تشهده الأسواق يعود إلى الإقبال الكبير من المواطنين على شراء الوقود بعد تعديل الأسعار، وليس إلى تراجع الكميات المتوافرة.
أكثر تعقيداً
وبينما سارع كثيرون إلى تفسير الأزمة بأنها نتيجة نقص في الإمدادات، تشير المعطيات الرسمية وآراء خبراء الاقتصاد إلى أن الأسباب الحقيقية تبدو أكثر تعقيداً، وترتبط بآليات التسعير وسلوك السوق والتوقعات المستقبلية للأسعار، أكثر من ارتباطها بتوافر الوقود نفسه.
توريد مستمر
أكدت وزارة الطاقة أن منظومة التوريد والإنتاج استمرت بالعمل بصورة طبيعية، وأن ما حدث يعود إلى ارتفاع استثنائي في الطلب بالتزامن مع التخفيضات السعرية، مشيرة إلى استمرار ضخ أكثر من 7.3 ملايين لتر من البنزين يومياً عبر مئات طلبات التوزيع المنطلقة من مصفاتي بانياس وحمص لتلبية احتياجات مختلف المحافظات، في وقت شددت فيه على أن الكميات المتوافرة تكفي احتياجات السوق ولا يوجد انقطاع في الإمدادات.
في الثامن والعشرين من حزيران الماضي، أعلنت الحكومة الانتقالية تخفيضاً جديداً في أسعار المحروقات (أرشيفية). كما أوضحت أن مراجعة الأسعار أصبحت تتم وفق لجنة دائمة تعتمد مؤشرات فنية واقتصادية مرتبطة بحركة الأسواق العالمية وسعر الصرف، بهدف تحقيق قدر أكبر من الشفافية والاستدامة.
عدم يقين
يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر، في حديثه لـ"العين السورية"، أن تفسير الأزمة بنقص الوقود لا يعكس الواقع، مؤكداً أن جوهر المشكلة يكمن في سياسة التحرير الكامل لأسعار المشتقات النفطية في اقتصاد ما يزال يعاني هشاشة مالية وتقلبات حادة في سعر الصرف.
ويؤكد أن ربط الأسعار بالتغيرات شبه اليومية في الأسواق العالمية وسعر صرف الليرة السورية خلق حالة من عدم اليقين لدى جميع الأطراف، بدءاً من المستوردين وصولاً إلى أصحاب محطات الوقود، الذين أصبحوا يخشون شراء كميات كبيرة ثم تكبد خسائر مباشرة إذا صدر قرار جديد بخفض الأسعار بعد أيام قليلة.
سيولة مرتفعة
ومع استمرار تذبذب سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار – والكلام للدكتور عمر – أصبحت تكلفة استيراد الوقود وأسعار بيعه المحلية تتغير بوتيرة متسارعة، الأمر الذي دفع عدداً من أصحاب المحطات إلى تأجيل طلب مخصصاتهم ترقباً لانخفاضات إضافية في الأسعار. كما أن الاقتصاد السوري لم يصل بعد إلى المرحلة التي تسمح بتطبيق نموذج التحرير الكامل لأسعار المحروقات، لأن هذا النموذج يحتاج إلى سوق مستقرة، وسيولة مرتفعة، وآليات تمويل قادرة على امتصاص تقلبات الأسعار العالمية، مقترحاً اعتماد نموذج التحرير الجزئي، بحيث يتم تثبيت أسعار البنزين والمازوت والغاز المنزلي لمدة شهر كامل قبل إعادة مراجعتها، بما يوفر رؤية واضحة للمستهلكين ولأصحاب المحطات والمستوردين، ويحد من التقلبات اليومية التي تربك السوق وتفتح الباب أمام المضاربات.
الإحجام هو السبب
من جانبه، يؤكد الخبير في التخطيط الاقتصادي الدكتور خالد الحمدي، في حديثه لـ"العين السورية"، أن الاحتياجات اليومية لسوريا تتراوح بين 3.8 و4.5 ملايين لتر من البنزين، وبين 7.1 و7.8 ملايين لتر من المازوت، وهي كميات ضخمة تجعل انتظام التوريد أمراً أساسياً لاستقرار السوق.
لكنه يلفت إلى أن الأزمة الأخيرة لم تبدأ بسبب تراجع الواردات، وإنما نتيجة إحجام عدد من أصحاب محطات الوقود عن طلب مخصصاتهم المعتادة بعد الإعلان عن تشكيل لجنة لإعادة تسعير المشتقات النفطية، حيث فضلت بعض المحطات الانتظار يومين أو ثلاثة أيام لتجنب شراء الوقود بالسعر القديم قبل صدور تخفيضات جديدة.
مخاوف زادت الأزمة
ويشير إلى أن هذا السلوك أدى إلى انخفاض الكميات المعروضة مؤقتاً في بعض المحطات، مما أثار مخاوف المواطنين ودفعهم إلى التهافت على التزود بالوقود، لتُنشأ حلقة متسارعة من الطلب الاستثنائي والازدحام، رغم استمرار التوريد بصورة اعتيادية، مؤكداً أن مثل هذه الظواهر معروفة اقتصادياً عندما تتغير توقعات الأسعار، إذ يصبح السلوك النفسي للمتعاملين عاملاً لا يقل تأثيراً عن حجم الإمدادات الفعلية.
عودة السوق السوداء
كما يكشف الحمدي عن جانب آخر من الأزمة يتمثل في اتساع نشاط السوق السوداء، حيث استغل بعض المتعاملين حالة القلق بين المواطنين، فقاموا بشراء الوقود بالسعر الرسمي ثم إعادة بيعه بأسعار أعلى خارج المحطات، محققين أرباحاً سريعة على حساب المستهلكين.
ويشير إلى أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على شبكات منظمة كما كان يحدث في سنوات سابقة، بل تحولت إلى ممارسة فردية يغذيها الفارق بين السعر النظامي والسعر غير الرسمي في أوقات الاختناقات.
رفع مستوى الشفافية
يضيف الحمدي أن استمرار الرقابة وإغلاق المحطات المخالفة وتشديد العقوبات على المحتكرين، إلى جانب رفع مستوى الشفافية في سياسة التسعير، يمثل عناصر ضرورية لاستعادة الثقة ومنع تكرار الأزمات.
تسعير أكثر استقراراً
يبدو أن استقرار سوق المحروقات في سوريا لن يتحقق عبر زيادة الكميات وحدها، بل يحتاج إلى سياسة تسعير أكثر استقراراً وشفافية، وآليات رقابية أكثر فاعلية، وإشارات واضحة تبني الثقة بين الدولة والمستوردين وأصحاب المحطات والمستهلكين، بما يحول دون تحول كل تعديل سعري إلى موجة جديدة من الطوابير والقلق في الشارع السوري.


