سوريا - اقتصاد
دليل أمريكي لإحداثيات الاستثمار في سوريا.. خارطة فُرص وتحفيز مباشر
ا
العين السورية
نشر في: ٢٣ مايو ٢٠٢٦، ١٢:٥٠
3 دقيقة
3

أطلقت الولايات المتحدة، أمس دليلاً للمستثمرين وأدلة قطاعية موجهة للشركات الأميركية الراغبة في استكشاف الفرص في القطاعات الاقتصادية الرئيسة في سوريا.
ويتضمن الدليل، تقييماً للفرص التجارية والقيود واستراتيجيات إدارة المخاطر، إضافة إلى قائمة بالجهات المعنية وصناع القرار في كل قطاع، فضلاً عن اعتبارات عملية تتعلق بدخول السوق والامتثال التنظيمي، كما يتضمن الإصدار دليلاً عاماً للمستثمرين، إلى جانب ستة أدلة قطاعية تشمل، قطاعات النفط، والغاز، والكهرباء، والخدمات المصرفية والمالية، والاتصالات والتكنولوجيا، والعقارات.
تحول في المقاربة الأميركية

وترى الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح الأستاذة في كلية الاقتصاد بدرعا في حديثها لـ"العين السورية"، أن إطلاق الولايات المتحدة دليلاً للمستثمرين وأدلة قطاعية مخصصة للشركات الأميركية الراغبة في دخول السوق السورية، يُعد تحولاً لافتاً في المقاربة الأميركية تجاه سوريا، لا سيما على المستوى الاقتصادي، فالخطوة التي بدت للوهلة الأولى تقنية أو تنظيمية، تحمل في جوهرها رسائل عميقة تتعلق بمستقبل الاقتصاد السوري، وبطبيعة الدور الذي تريد واشنطن أن تلعبه في مرحلة ما بعد الحرب والعقوبات والعزلة الطويلة.
إعادة التموضع اقتصادياً
يأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية، مع تزايد الحديث عن فرص إعادة الإعمار وعودة النشاط الاقتصادي تدريجياً إلى سوريا، في وقت تتنافس فيه قوى إقليمية ودولية على تثبيت مواقع نفوذها داخل السوق السورية، لذلك فإن إصدار أدلة استثمارية أميركية لا يمكن فصله عن محاولة واشنطن إعادة التموضع اقتصادياً داخل سوريا بعد سنوات من سياسة الضغط والعقوبات.
ضمن هذا السياق، ترى الدكتورة الشياح، أن الحكومات الكبرى لا تقدم عادة على إعداد أدلة استثمارية خاصة بدولة ما إلا عندما ترى أن هناك فرصاً اقتصادية حقيقية تستحق الدراسة والمتابعة. وهذه الأدلة لا تقتصر وظيفتها على تقديم معلومات عامة، بل تهدف إلى طمأنة المستثمرين وتقليل حالة الغموض المحيطة بالأسواق الجديدة، عبر شرح البيئة القانونية والتنظيمية والقطاعات الواعدة والمخاطر المحتملة وآليات العمل داخل السوق المستهدفة.
رسالة طمأنة
وبحسب الباحثة الاقتصادية، فإن الخطوة الأميركية يمكن فهمها باعتبارها رسالة غير مباشرة إلى الشركات الأميركية مفادها أن السوق السورية أصبحت مطروحة، ولو تدريجياً، على طاولة الاهتمام الاقتصادي الأميركي، وأن واشنطن باتت ترى إمكانية لانخراط اقتصادي مدروس في المرحلة المقبلة، وهذا التحول يبدو مهماً إذا ما قورن بالسنوات الماضية، حين اعتمدت الولايات المتحدة سياسة تقوم على تشديد العقوبات والعزل المالي ومحاصرة الاقتصاد السوري، أما اليوم، فإن الحديث عن “الدبلوماسية الاقتصادية” بدأ يفرض نفسه بوصفه أداة جديدة للتأثير، حيث تسعى واشنطن إلى استخدام الاستثمار والانفتاح الاقتصادي كوسيلة للحفاظ على علاقاتها مع سوريا ومنع ترك الساحة بالكامل لقوى أخرى مثل روسيا والصين وإيران.
قطاعات نوعيّة
تدرك الولايات المتحدة أن الاقتصاد السوري، رغم حجم الدمار الكبير الذي تعرض له، يحمل فرصاً استثمارية ضخمة، خصوصاً في مجالات الطاقة والكهرباء والبنية التحتية والاتصالات والخدمات المالية والعقارات، فإعادة إعمار سوريا تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، وهو ما يجعل البلاد واحدة من أكبر الأسواق المحتملة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
وهنا تشير الدكتورة الشياح إلى أن التركيز الأميركي على قطاعات بعينها يكشف طبيعة المصالح التي تسعى واشنطن إلى تأمينها، فقطاع الطاقة، على سبيل المثال، لا يمثل مجرد نشاط اقتصادي، بل يعد أحد مفاتيح النفوذ الاستراتيجي، نظراً لارتباطه بإعادة تشغيل الاقتصاد والتحكم بمفاصل الإنتاج والخدمات. كذلك يشكل قطاع الاتصالات والتكنولوجيا مجالاً مهماً للشركات الأميركية التي تمتلك تفوقاً عالمياً في هذا القطاع، ما يتيح لها فرصة المشاركة في إعادة بناء البنية الرقمية السورية مستقبلاً.
مرحلة تمهيد واختبار
أما الاهتمام بالقطاع المالي والمصرفي، فيحمل وفقا للدكتورة الشياح، دلالة إضافية تتعلق بمحاولة إعادة ربط سوريا تدريجياً بالنظام المالي العالمي، بعد سنوات من العزلة والعقوبات، إذ لا يمكن لأي عملية استثمار واسعة أن تنجح من دون وجود قنوات مالية ومصرفية قادرة على تسهيل التحويلات وحماية الاستثمارات.
رغم كل هذه المؤشرات، فإن الحديث عن تدفق سريع وكبير للاستثمارات الأميركية إلى سوريا ما يزال مبكراً، فالشركات الأميركية الكبرى لا تتحرك عادة في البيئات عالية المخاطر قبل توفر ضمانات واضحة تتعلق بالأمن والاستقرار والقوانين وحماية رؤوس الأموال، كما أن ملف العقوبات ما يزال يشكل عامل قلق أساسياً بالنسبة للمستثمرين، خصوصاً مع احتمال تغير السياسات الأميركية مستقبلاً.
وهنا تبين الدكتورة الشياح أن هذه المرحلة الحالية، تبدو أقرب إلى “مرحلة تمهيد” أو اختبار للسوق السورية، أكثر من كونها انطلاقة فعلية لاستثمارات ضخمة، حيث من المرجح أن يبدأ الحضور الأميركي الاقتصادي عبر مشاريع محدودة أو شراكات مع مستثمرين إقليميين، إضافة إلى التركيز على قطاعات الخدمات والطاقة والتكنولوجيا والاستشارات، قبل الانتقال إلى مشاريع أكبر وأكثر تعقيداً.
وختمت الباحثة الاقتصادية الدكتورة منال الشياح الأستاذة في كلية الاقتصاد حديثها لـ"العين السورية"، بالقول:" إن أهمية الخطوة الأميركية لا تكمن فقط في بعدها الاقتصادي المباشر، بل في الرسائل السياسية التي تحملها. فهي توحي بأن واشنطن لا تريد البقاء خارج المشهد السوري اقتصادياً في المرحلة المقبلة، وأنها بدأت تتحرك لحجز موقع لها في أي عملية إعادة بناء مستقبلية، وفي حال استمر الانفتاح السياسي وتحسنت البيئة الاستثمارية وتوفرت ضمانات أكبر للشركات الأجنبية، فقد تتحول هذه الأدلة الاستثمارية إلى بداية فعلية لعودة الاستثمارات الأميركية والغربية إلى سوريا، خاصة في القطاعات الحيوية التي ستحدد شكل الاقتصاد السوري في السنوات القادمة.
وكانت الولايات المتحدة، قد أطلقت الجمعة، دليلاً للمستثمرين وأدلة قطاعية موجهة للشركات الأميركية الراغبة في استكشاف الفرص في السوق السورية، بهدف دعم دخولها إلى قطاعات اقتصادية رئيسة.


