سوريا - رأي
حقوق أصحاب الهمم في سوريا .. واجب يسبق كل الاستحقاقات
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ٢٤ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:١٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

الإعاقة في سوريا لم تبدأ مع الحرب، لكنّ حرب نظام الأسد التي امتدّت أربعة عشر عاماً ضاعفتها وأضافت إليها وجوهاً جديدة. والنتيجة اليوم فئةٌ واسعة لا يُعرف عددها على وجه الدقّة. تقول أرقام الأمم المتحدة إنّ نحو ربع السوريين يعيشون بشكلٍ من أشكال الإعاقة، أي ما يقارب ضعف المعدّل العالمي. وتقول أرقامٌ أخرى أقلّ، وثالثةٌ أكثر. والاختلاف على العدد صار بذاته أول المؤشّرات على حجم الإهمال الذي رافق هذا الملفّ على مدى عقود.
وبلوغ الإعاقة هذا الحدّ من الانتشار يُخرج الملفّ من دائرة الشأن الخدمي الذي يُدار بين ملفّاتٍ أخرى، ليصير مسألةً تمسّ قدرة البلد على النهوض؛ فشريحةٌ بهذا الاتّساع، إن بقيت خارج التعليم والعمل والحياة العامة، تتحوّل طاقتها إلى حياةٍ مهدورة، لأن أحداً لم يفتح لها باباً.
التعطيل هنا صنيعُ الظرف لا صنيعُ الإعاقة. وهنا يصير السؤال محرجاً بقدر ما هو ملحّ: ماذا أعدّت الدولة لفئةٍ بهذا الحجم، وهي لا تعرف بعدُ كم عددها؟
غير أنّ الإجابة تصطدم بعقبةٍ تسبقها: الأرقام نفسها لا تتّفق. جهةٌ تقول ربعاً، وأخرى تقصر الحديث على الأطفال، وهيئةٌ حكومية تعدّ الأسر لا الأفراد. لكلٍّ منها مصدرٌ ومنهجٌ وتاريخ، ولا يجمعها إحصاءٌ وطنيٌّ واحد. وحين تتبعثر الأرقام إلى هذا الحدّ، يتكشّف أنّ الفئة التي تدور حولها هذه الأرقام لم تُرَ يوماً بوصفها كلّاً واحداً يستحقّ أن يُحصى. وقبل أن نسأل عمّا يُقدَّم لهؤلاء، يفرض السؤال الأصعب نفسه: هل تعرف الدولة، إلى اليوم، كم عددهم؟
غير أنّ الإجابة تصطدم بعقبةٍ تسبقها: الأرقام نفسها لا تتّفق. جهةٌ تقول ربعاً، وأخرى تقصر الحديث على الأطفال، وهيئةٌ حكومية تعدّ الأسر لا الأفراد. لكلٍّ منها مصدرٌ ومنهجٌ وتاريخ، ولا يجمعها إحصاءٌ وطنيٌّ واحد. وحين تتبعثر الأرقام إلى هذا الحدّ، يتكشّف أنّ الفئة التي تدور حولها هذه الأرقام لم تُرَ يوماً بوصفها كلّاً واحداً يستحقّ أن يُحصى. وقبل أن نسأل عمّا يُقدَّم لهؤلاء، يفرض السؤال الأصعب نفسه: هل تعرف الدولة، إلى اليوم، كم عددهم؟
دولةٌ ورثت الملفّ عمّن أهمله
لم تبدأ الدولة الجديدة من فراغ. ورثت هذا الملفّ محمّلاً بإهمال نظامٍ بائد لم يُحسن معاملة مواطنيه الأصحّاء، فكيف بمن يحتاجون عنايةً أكبر. في تلك المرحلة لم تكن العبرة بأن يكون لك حقّ، بل بأن تجد من يوصلك إليه. حتى حين خُصّص برنامجٌ لجرحى الحرب، لم يكن الوصول إليه يمرّ عبر استحقاقٍ واضح، بل عبر واسطةٍ تفتح الباب أو تُبقيه مغلقاً. من عرف الطريق إلى صاحب القرار نال، ومن لم يعرفه بقي في الظلّ. هكذا تحوّل الحقّ إلى منّة. النصّ كان موجوداً، لكنّ تطبيقه صار رهن العلاقات لا القانون.
وآخر ما تركه ذلك النظام في الملفّ مرسومٌ صدر قبل أشهرٍ من سقوط رأسه، بلغةٍ حديثة ووعودٍ مكتوبة بعناية: حماية ودمج وفرص عمل، وعقوبات على من يدفع شخصاً ذا إعاقة إلى التسوّل أو يعزله. لكنّ النصّ بقي حبراً فوق واقعٍ لم يتغيّر، لأن من كتبه لم يكن معنيّاً بأن يصل إلى أحد. عرّف المرسوم التشريعي رقم 19 لعام 2024 سجلّاً وطنياً يجمع بيانات الأشخاص ذوي الإعاقة، لكنّ هذا السجلّ لم يُنتج حتى اليوم إحصاءً يُبنى عليه.
بعد التحرير بدأت خطوات مختلفة. عُقد مؤتمرٌ وطني، وطُرحت فكرة مجلسٍ يمثّل ذوي الإعاقة، وجرى الحديث عن استراتيجيةٍ وقاعدة بياناتٍ ومسح. هذه خطواتٌ في الاتجاه الصحيح، لكن قيمتها تُقاس بما يتحوّل منها إلى رقمٍ في موازنة وبندٍ قابل للمحاسبة، لا بانعقاد المؤتمرات ولا بما يصدر عنها من توصيات. وبين التوصية والتنفيذ تقع المسافة التي يُعرف عندها جدّ أيّ ملفّ.
غير أن كل ما سبق يصطدم بالعقبة نفسها التي بدأنا منها: كيف تُخطَّط سياسةٌ لفئةٍ لا يُعرف عددها؟ كيف تُوزَّع موازنة، وتُحدَّد حصّة توظيف، ويُبنى مركز تأهيل، دون رقمٍ يقول كم هم وأين هم وأيّ إعاقاتٍ يحملون؟
ثمن رقمٍ غائب
قد يبدو الحديث عن الإحصاء والأرقام مسألةً إدارية باردة، لا تعني الإنسان في يومه. والحقيقة عكس ذلك تماماً. فالرقم الغائب ينزل إلى حياة الناس في أدقّ تفاصيلها، ويلامس أكثر الاحتياجات صعوبةً في تلبيتها.
حين لا تعرف الدولة كم عدد ذوي الإعاقة وأين هم، تُبنى المدارس دون أن يُحسب من بينهم من يحتاج صفّاً مهيّأً أو معلّماً يفهم حاجته. تُخطَّط الأحياء دون أن يُسأل كم بيتاً يحتاج مدخلاً يمرّ منه كرسيٌّ متحرّك. توضع موازنة الأطراف الصناعية وأجهزة التأهيل على تقدير، فتكفي بعضهم، ويبقى الباقون على قوائم انتظارٍ لا أحد يعرف طولها.
ثم إنّ الدعم، حين يصل، يصل مرةً وينقطع. يُمنح الطفل جهازاً ولا يسأل أحدٌ بعد شهورٍ إن كان يعمل، أو إن كبر الطفل وصار الجهاز أصغر منه. تُصرف إعانةٌ لأسرةٍ ولا تُتابَع لتُعرف إن غيّرت شيئاً في حياتها. الدعم بلا متابعةٍ إنفاقٌ يُطمئن من يصرفه أكثر ممّا يغيّر حال من يتلقّاه، لأن أحداً لا يعود ليسأل: هل وصل، وهل نفع، وهل بقي؟
ويَثقل الأمر حين تجتمع الإعاقة مع ضعفٍ آخر: نزوحٌ أخرج صاحبه من بيته، أو فقرٌ يستنزف الأسرة، أو طفولةٌ لم تكتمل. عند هذه التقاطعات يصير الوصول إلى أبسط الخدمات معركةً يومية، وتُقاس الحاجة بالحدس لأن لا رقم يقيسها. ولا أحد يقرّر حرمان هؤلاء، لكنّ من يغيب عن الجدول يغيب عن الخطة.
كلّ شيء يبدأ من قواعد البيانات
الحلّ ليس بعيداً ولا غامضاً، والخطوة الأولى نحوه معروفة. حين اجتمع المعنيون بالملفّ في مؤتمرهم الوطني، لم يبدؤوا من التشريع، بل من قاعدة بياناتٍ ومسحٍ يُحصي هذه الفئة ويصنّفها. بدأوا من الجذر، لأنهم يعرفون أن كل ما يُبنى فوق أرضٍ لم تُقَس يبقى مهدّداً بالانهيار.
هذا الترتيب في الأولويات هو نفسه ما ينبغي أن يحكم ما يليه. فمن بين ما طُرح أيضاً تعديل التشريع القائم، وهو مطلبٌ وجيه، لكنه يأتي في مرتبةٍ تالية. التشريع الذي يُكتب قبل أن تُعرف الأرقام يُعيد إنتاج المشكلة بصياغةٍ أحدث: نصوصٌ جديدة فوق واقعٍ ما زال غير مقيس. أمّا حين يسبق المسحُ التعديل، فإن كل بندٍ يُكتب لاحقاً يستند إلى معرفةٍ لا إلى تقدير.
هذه الخطوات طُرحت، ووُضعت على الورق. وما يفصل بينها وبين أن تصبح واقعاً هو أن تتحوّل من عنوانٍ في توصية إلى بندٍ في موازنة، له مبلغٌ ومسؤولٌ وموعد. المؤتمرات تُقاس بما يبقى منها بعد أن تُطفأ الأضواء، لا بما يُقال فيها.
في القانون، العدد ليس تفصيلاً يُترك للمكاتب. هو ما يحوّل الحقّ من كلامٍ مكتوب إلى شيءٍ يمكن قياسه والمطالبة به. بدونه يبقى كل وعدٍ معلّقاً على تخمين، ويبقى صاحب الحقّ ينتظر دوراً لم يُسجّل اسمه فيه.
وهذا كلّه يبدأ من خطوةٍ واحدة: أن تعرف الدولة من هم مواطنوها من ذوي الإعاقة. لا وعداً، ولا تشريعاً جديداً، ولا شعاراً في مؤتمر. رقمٌ فقط، يقول كم عددهم وأين هم.
يبدو الأمر بسيطاً إلى درجةٍ تجعل غيابه محيّراً. كيف مرّت كل هذه السنوات دون أن يُحصى العدد؟ لكنّ البساطة هنا خادعة، فما لا يُحصى لا يُخطَّط له، وما لا يُخطَّط له يُترك للصدفة. والصدفة، في بلدٍ خرج من حرب، لا ترحم.
الإنصاف الذي طال انتظاره لن يبدأ من قرارٍ كبير، بل من دفترٍ يُفتح وسؤالٍ يُطرح على كل بابٍ في هذا البلد: هل بينكم من يحتاج أن نراه؟


