سوريا - محليات
جراحة الأوعية الدموية في سوريا.. خبرات طبية تواجه تحديات التجهيزات وتراهن على التعاون العلمي
المؤتمر العشرون لجراحة الأوعية الدموية في دمشق يناقش تحديات التجهيزات، وتطور تقنيات القسطرة، وآليات التعاون مع الأطباء السوريين في الخارج لتطوير العلاج
م
مجد محمد
نشر في: ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٦:٠٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بين تطور تقنيات القسطرة والتداخلات الوعائية، وارتفاع تكاليف المستلزمات ونقص التجهيزات، تبحث جراحة الأوعية الدموية في سوريا عن مسارات عملية لتطوير العلاج.
المؤتمر العشرون للرابطة السورية لأمراض وجراحة الأوعية الدموية يفتح مساحة لتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون مع الأطباء السوريين في الخارج، وربط البحث العلمي باحتياجات المرضى والمشافي.
مؤتمر علمي لمواكبة التطورات
تتقدم جراحة الأوعية الدموية بخطوات متسارعة على مستوى التشخيص والعلاج، مع توسع استخدام التقنيات المعتمدة على القسطرة والتداخلات محدودة التدخل، وتطور أساليب التخدير والعناية المشددة. وفي سوريا، تبرز الحاجة إلى مواكبة هذه التحولات في ظل تحديات تتعلق بتوافر الأجهزة الطبية والمستلزمات التخصصية، وتأهيل البنية التحتية، وإتاحة التدريب المستمر للكوادر الطبية.
ضمن هذا السياق، انعقد المؤتمر العشرون للرابطة السورية لأمراض وجراحة الأوعية الدموية في دمشق يومي 29 و30 تشرين الأول، بمشاركة أطباء واختصاصيين وباحثين، وبحضور ممثلين عن جهات طبية سورية وخبرات من الخارج. ويضم البرنامج خمس جلسات علمية تتناول أمراض الأبهر والشرايين السباتية والتداخلات الوعائية وأمراض الأوردة، إلى جانب محاور تخصصية أخرى، فيما تشارك نحو 18 شركة دوائية ومتخصصة بالتجهيزات الطبية في المعرض المرافق، لعرض منتجات ومستلزمات حديثة.
ولا تقتصر أهمية المؤتمر على استعراض المستجدات العلمية، بل تمتد إلى مناقشة مدى إمكانية تطبيقها في الواقع الصحي السوري، والبحث في سبل تطوير التدريب والتعاون بين الأطباء، بما يساعد على تحسين الخدمات المقدمة للمرضى.
الكفاءات الطبية أمام تحديات التجهيزات والبنية التحتية
يؤكد رئيس الرابطة السورية لأمراض وجراحة الأوعية الدموية، الدكتور جورج سلوم، أن الاختصاص يمتلك قاعدة من الكفاءات والخبرات الطبية القادرة على مواكبة التطورات، إلا أن سنوات الحرب وما رافقها من تراجع في الإمكانات ونقص في بعض المستلزمات انعكست على القدرة على تطبيق عدد من التقنيات الحديثة.
ويشير سلوم إلى أن التحدي لا يرتبط بتوافر الكوادر البشرية وحدها، إذ تحتاج بعض الإجراءات الوعائية إلى مواد وأدوات مرتفعة التكلفة، ولا سيما المستلزمات المستخدمة في القسطرة والتداخلات داخل الأوعية. كما أن إدخال أجهزة جديدة إلى المشافي يتطلب بنية تحتية مناسبة، بما فيها تجهيزات التشغيل والطاقة الكهربائية، الأمر الذي يجعل تطوير الاختصاص عملية متكاملة تتجاوز شراء المعدات إلى تهيئة البيئة الطبية اللازمة لاستخدامها.
ويبرز هنا دور التنسيق بين الرابطة والجهات العلمية والصحية والجامعات والمشافي التعليمية، بهدف تحديد الاحتياجات التخصصية، وتطوير البرامج التدريبية والمحاضرات العلمية، والاستفادة من التجارب الطبية الحديثة. كما يناقش المؤتمر إمكانية مواءمة الإرشادات الطبية العالمية مع الإمكانات المتاحة محلياً، بما يضمن الاستفادة من التطور العلمي مع مراعاة متطلبات السلامة والواقع السريري في سوريا.
القسطرة والتداخلات الحديثة.. خيارات علاجية تحتاج إلى إمكانات
من أبرز التحولات التي يشهدها اختصاص جراحة الأوعية الدموية التوسع في استخدام القسطرة والتداخلات داخل الأوعية، وهي تقنيات تتيح علاج عدد من الحالات من خلال فتحات صغيرة بدلاً من اللجوء إلى الجراحة المفتوحة في كل الحالات.
ويوضح الدكتور محمد علي النحاس، الأستاذ الجامعي واختصاصي جراحة الأوعية الدموية، أن هذه التطورات تشمل علاج بعض حالات تضيق الشرايين وتمددات الأبهر الصدري والبطني وقوس الأبهر، فضلاً عن حالات مختارة من الأمراض الوريدية والأورام الوعائية. ويمكن لهذه الإجراءات، عند اختيارها للحالات المناسبة، أن تقلل من حجم التدخل الجراحي وما قد يرافقه من أعباء ومخاطر.
لكن الاستفادة من هذه التقنيات ترتبط بتوافر الأجهزة والمستلزمات الملائمة، وهي من أبرز التحديات التي تواجه تطبيق بعض الإجراءات الحديثة في سوريا. فالأدوات المستخدمة في التداخلات الوعائية قد تكون مرتفعة التكلفة، كما أن بعض التقنيات تتطلب تجهيزات دقيقة وخبرات تدريبية متخصصة، ما يجعل تحديث الإمكانات الطبية وتأمين المواد اللازمة جزءاً أساسياً من تطوير العلاج.
ولا يعني التقدم في تقنيات القسطرة الاستغناء عن الجراحة التقليدية، إذ يعتمد الاختيار بين الطريقتين على طبيعة المرض وموقع الإصابة وحالة المريض والإمكانات المتاحة. ويظل التقييم الطبي الدقيق عاملاً حاسماً في تحديد الإجراء الأنسب لكل حالة.
التشخيص المبكر يقلل المضاعفات والأعباء
إلى جانب تطور وسائل العلاج، يشدد النحاس على أهمية التشخيص المبكر لأمراض الأوعية الدموية، لما له من دور في الحد من تطور الإصابة وتقليل المضاعفات التي قد تهدد حياة المريض أو تؤثر في قدرته على الحركة والعمل.
فبعض الإصابات الوعائية، ولا سيما حالات نقص التروية الشديد، قد تتطور إلى مضاعفات خطيرة إذا تأخر اكتشافها والتعامل معها، وقد يصل الأمر في حالات معينة إلى فقدان أحد الأطراف. كما أن اضطرابات التروية في أعضاء أخرى يمكن أن تؤدي إلى أضرار شديدة، ما يجعل سرعة التشخيص والتدخل المناسب عاملين أساسيين في تحسين النتائج العلاجية.
ولا تقتصر فوائد التشخيص المبكر على الجانب الصحي، بل تمتد إلى تقليل الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالعلاج المطول والمضاعفات والإعاقة. ومن هنا، تبرز أهمية رفع الوعي بالأعراض التي تستدعي مراجعة الطبيب، وتعزيز قدرة المؤسسات الصحية على تشخيص أمراض الأوعية الدموية والتعامل معها في مراحلها الأولى.
من تبادل الخبرة إلى التدريب العملي
يمثل التعاون مع الكفاءات الطبية السورية العاملة في الخارج أحد المحاور المهمة لتطوير الاختصاص، إذ يتيح نقل الخبرات المكتسبة في المراكز الطبية المتقدمة، وتوسيع فرص التدريب أمام الأطباء داخل البلاد.
ويؤكد الدكتور ماهر حاميش، ممثل الجمعية الطبية السورية البريطانية، أن الأطباء السوريين في الداخل يمتلكون خبرات ومهارات يمكن البناء عليها، وأن التواصل مع زملائهم في الخارج يساعد على تبادل المعرفة وتطوير الممارسة الطبية. لكنه يشدد على أن التدريب وحده لا يكفي ما لم يترافق مع تأمين المعدات والمستلزمات التي تسمح بتطبيق ما يتعلمه الأطباء في العمل اليومي.
ويشير حاميش إلى أن التعاون بين الجمعية الطبية السورية البريطانية والرابطة السورية لأمراض وجراحة الأوعية الدموية بدأ يتخذ أشكالاً عملية، من خلال الزيارات والتدريب والعمل الطبي المشترك. وفي هذا الإطار، شارك أطباء من الخارج، قبل انعقاد المؤتمر بنحو عشرة أيام، في نشاط طبي استمر أسبوعاً في المشفى الوطني الجامعي، تضمن إجراء عمليات كبيرة ومعقدة بالتعاون مع الكوادر المحلية.
ويمثل هذا النوع من التعاون فرصة لتبادل الخبرة داخل غرف العمليات، وليس الاكتفاء بالمحاضرات النظرية، إذ يمكن للأطباء مناقشة الحالات وتبادل طرق التقييم واتخاذ القرار ومتابعة المرضى. كما يتطلع المشاركون إلى توسيع هذه الأنشطة مستقبلاً، من خلال زيارات متبادلة وبرامج تدريبية واستشارات تخصصية ومناقشات طبية متعددة الاختصاصات عبر الإنترنت.
ويرى حاميش أن استثمار خبرات الأطباء السوريين في الخارج يمكن أن يسهم في الحد من هجرة الكفاءات على المدى الطويل، عبر إتاحة فرص تدريب متقدمة للأطباء الشباب داخل سوريا، وتعزيز ارتباطهم بشبكات التعاون العلمي، بدلاً من حصر اكتساب الخبرة بالسفر إلى الخارج.
ويشمل هذا التوجه مجالات مترابطة، من التدريب والتجهيزات إلى البحث العلمي وتبادل الخبرات. فنجاح أي برنامج تطويري يحتاج إلى تكامل هذه العناصر، إذ لا يمكن للتدريب أن يحقق أثره الكامل من دون أدوات العمل، كما لا تحقق الأجهزة الحديثة أفضل نتائجها من دون كوادر مدربة على استخدامها.
البحث العلمي وخبرة إصابات الحرب
لا تقتصر مناقشات المؤتمر على استعراض التقنيات الحديثة، بل تشمل أيضاً أبحاثاً تتناول كيفية تحسين نتائج العلاج بالاستفادة من الخبرة السريرية المتراكمة. ومن بين هذه الأبحاث، دراسة يقدمها الدكتور فهد السيد، اختصاصي جراحة الأوعية الدموية، حول دور ترميم الأوردة في تحسين نتائج جراحات الأوعية الدموية بعد الإصابات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في السياق السوري، بالنظر إلى الخبرة التي راكمتها الفرق الطبية في التعامل مع إصابات الحرب والرضوض المعقدة، التي قد تشمل الشرايين والأوردة والأنسجة المحيطة في الوقت نفسه.
ويوضح السيد أن الإصابات الشريانية قد تترافق مع إصابات وريدية، وأن إصلاح الوريد في الحالات المناسبة يمكن أن يساعد على تحسين عودة الدم، وتقليل التورم وبعض المضاعفات المرتبطة باستعادة التروية، بما يدعم نتائج ترميم الشريان. غير أن القرار الجراحي يعتمد على استقرار المصاب وطبيعة الإصابات وحالتها، ولا يمكن تطبيق إجراء واحد على جميع الحالات.
ويشدد على أن الأولوية في الإصابات الشديدة تكون لإنقاذ حياة المصاب ومعالجة الإصابات المهددة للحياة قبل التركيز على إنقاذ الطرف. وفي الحالات التي تسمح فيها حالة المريض، يمكن الانتقال إلى ترميم الأوعية ومحاولة الحفاظ على الطرف، بينما قد يكون البتر ضرورياً في إصابات شديدة لا يمكن إنقاذها أو قد يشكل استمرارها خطراً على حياة المصاب.
ومن النقاط التي يركز عليها البحث أن ترميم الأوردة لا يرتبط حصراً باستخدام تقنيات متقدمة أو أجهزة حديثة، بل يمكن أن يكون إجراءً قابلاً للتطبيق عند توافر المهارة الجراحية والتقييم الصحيح والمتابعة السريرية المناسبة. وتزداد أهمية ذلك في المناطق التي تعاني محدودية في التجهيزات التداخلية، ومنها المنطقة التي يعمل فيها السيد في القامشلي، حيث يلفت إلى وجود نقص في بعض المعدات، ولا سيما تجهيزات الأشعة التداخلية.
ويعكس هذا المحور أهمية توثيق الخبرات الطبية المحلية وتحويلها إلى أبحاث قابلة للنقاش والتقييم العلمي، بما يتيح الاستفادة منها في التدريب وتحسين الممارسة الجراحية. ومع ذلك، فإن تعميم النتائج يتطلب الاطلاع على تفاصيل الدراسة ومنهجيتها وحجم العينة ونتائجها المنشورة، وهي عناصر ضرورية لتحديد مدى قابلية تطبيق الاستنتاجات على نطاق أوسع.
من التوصيات إلى خطوات قابلة للتطبيق
تتقاطع محاور المؤتمر عند مجموعة من الاحتياجات الأساسية: تحديث التجهيزات الطبية، وتأمين المستلزمات الضرورية، وتطوير التدريب التخصصي، وتعزيز البحث العلمي، وتوسيع التعاون بين الأطباء داخل سوريا وخارجها.
ويعمل هذا التعاون على مستويين متكاملين؛ الأول علمي، من خلال المحاضرات ومناقشة الأبحاث والإرشادات الحديثة، والثاني عملي، عبر التدريب والعمليات المشتركة وتبادل الاستشارات والخبرات السريرية. وتبقى استدامة هذه الجهود مرتبطة بتحويل المبادرات إلى برامج واضحة ومستمرّة، قادرة على الوصول إلى الأطباء في مختلف المؤسسات الصحية.
وفي ظل التطور المتسارع في جراحة الأوعية الدموية، لا يكمن التحدي أمام القطاع الصحي السوري في متابعة المستجدات العلمية فحسب، بل في توفير الشروط التي تسمح بتطبيق المناسب منها بأمان وفاعلية. وبين الخبرات المحلية والتعاون مع الأطباء السوريين في الخارج، تبرز الحاجة إلى مسار يربط العلم بالتدريب والتجهيزات والبحث، لتنعكس نتائجه بصورة ملموسة على جودة الرعاية الطبية وفرص العلاج المتاحة للمرضى.
مؤتمر علمي لمواكبة التطورات
تتقدم جراحة الأوعية الدموية بخطوات متسارعة على مستوى التشخيص والعلاج، مع توسع استخدام التقنيات المعتمدة على القسطرة والتداخلات محدودة التدخل، وتطور أساليب التخدير والعناية المشددة. وفي سوريا، تبرز الحاجة إلى مواكبة هذه التحولات في ظل تحديات تتعلق بتوافر الأجهزة الطبية والمستلزمات التخصصية، وتأهيل البنية التحتية، وإتاحة التدريب المستمر للكوادر الطبية.
ضمن هذا السياق، انعقد المؤتمر العشرون للرابطة السورية لأمراض وجراحة الأوعية الدموية في دمشق يومي 29 و30 تشرين الأول، بمشاركة أطباء واختصاصيين وباحثين، وبحضور ممثلين عن جهات طبية سورية وخبرات من الخارج. ويضم البرنامج خمس جلسات علمية تتناول أمراض الأبهر والشرايين السباتية والتداخلات الوعائية وأمراض الأوردة، إلى جانب محاور تخصصية أخرى، فيما تشارك نحو 18 شركة دوائية ومتخصصة بالتجهيزات الطبية في المعرض المرافق، لعرض منتجات ومستلزمات حديثة.
ولا تقتصر أهمية المؤتمر على استعراض المستجدات العلمية، بل تمتد إلى مناقشة مدى إمكانية تطبيقها في الواقع الصحي السوري، والبحث في سبل تطوير التدريب والتعاون بين الأطباء، بما يساعد على تحسين الخدمات المقدمة للمرضى.
الكفاءات الطبية أمام تحديات التجهيزات والبنية التحتية
يؤكد رئيس الرابطة السورية لأمراض وجراحة الأوعية الدموية، الدكتور جورج سلوم، أن الاختصاص يمتلك قاعدة من الكفاءات والخبرات الطبية القادرة على مواكبة التطورات، إلا أن سنوات الحرب وما رافقها من تراجع في الإمكانات ونقص في بعض المستلزمات انعكست على القدرة على تطبيق عدد من التقنيات الحديثة.
ويشير سلوم إلى أن التحدي لا يرتبط بتوافر الكوادر البشرية وحدها، إذ تحتاج بعض الإجراءات الوعائية إلى مواد وأدوات مرتفعة التكلفة، ولا سيما المستلزمات المستخدمة في القسطرة والتداخلات داخل الأوعية. كما أن إدخال أجهزة جديدة إلى المشافي يتطلب بنية تحتية مناسبة، بما فيها تجهيزات التشغيل والطاقة الكهربائية، الأمر الذي يجعل تطوير الاختصاص عملية متكاملة تتجاوز شراء المعدات إلى تهيئة البيئة الطبية اللازمة لاستخدامها.
ويبرز هنا دور التنسيق بين الرابطة والجهات العلمية والصحية والجامعات والمشافي التعليمية، بهدف تحديد الاحتياجات التخصصية، وتطوير البرامج التدريبية والمحاضرات العلمية، والاستفادة من التجارب الطبية الحديثة. كما يناقش المؤتمر إمكانية مواءمة الإرشادات الطبية العالمية مع الإمكانات المتاحة محلياً، بما يضمن الاستفادة من التطور العلمي مع مراعاة متطلبات السلامة والواقع السريري في سوريا.
القسطرة والتداخلات الحديثة.. خيارات علاجية تحتاج إلى إمكانات
من أبرز التحولات التي يشهدها اختصاص جراحة الأوعية الدموية التوسع في استخدام القسطرة والتداخلات داخل الأوعية، وهي تقنيات تتيح علاج عدد من الحالات من خلال فتحات صغيرة بدلاً من اللجوء إلى الجراحة المفتوحة في كل الحالات.
ويوضح الدكتور محمد علي النحاس، الأستاذ الجامعي واختصاصي جراحة الأوعية الدموية، أن هذه التطورات تشمل علاج بعض حالات تضيق الشرايين وتمددات الأبهر الصدري والبطني وقوس الأبهر، فضلاً عن حالات مختارة من الأمراض الوريدية والأورام الوعائية. ويمكن لهذه الإجراءات، عند اختيارها للحالات المناسبة، أن تقلل من حجم التدخل الجراحي وما قد يرافقه من أعباء ومخاطر.
لكن الاستفادة من هذه التقنيات ترتبط بتوافر الأجهزة والمستلزمات الملائمة، وهي من أبرز التحديات التي تواجه تطبيق بعض الإجراءات الحديثة في سوريا. فالأدوات المستخدمة في التداخلات الوعائية قد تكون مرتفعة التكلفة، كما أن بعض التقنيات تتطلب تجهيزات دقيقة وخبرات تدريبية متخصصة، ما يجعل تحديث الإمكانات الطبية وتأمين المواد اللازمة جزءاً أساسياً من تطوير العلاج.
ولا يعني التقدم في تقنيات القسطرة الاستغناء عن الجراحة التقليدية، إذ يعتمد الاختيار بين الطريقتين على طبيعة المرض وموقع الإصابة وحالة المريض والإمكانات المتاحة. ويظل التقييم الطبي الدقيق عاملاً حاسماً في تحديد الإجراء الأنسب لكل حالة.
التشخيص المبكر يقلل المضاعفات والأعباء
إلى جانب تطور وسائل العلاج، يشدد النحاس على أهمية التشخيص المبكر لأمراض الأوعية الدموية، لما له من دور في الحد من تطور الإصابة وتقليل المضاعفات التي قد تهدد حياة المريض أو تؤثر في قدرته على الحركة والعمل.
فبعض الإصابات الوعائية، ولا سيما حالات نقص التروية الشديد، قد تتطور إلى مضاعفات خطيرة إذا تأخر اكتشافها والتعامل معها، وقد يصل الأمر في حالات معينة إلى فقدان أحد الأطراف. كما أن اضطرابات التروية في أعضاء أخرى يمكن أن تؤدي إلى أضرار شديدة، ما يجعل سرعة التشخيص والتدخل المناسب عاملين أساسيين في تحسين النتائج العلاجية.
ولا تقتصر فوائد التشخيص المبكر على الجانب الصحي، بل تمتد إلى تقليل الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالعلاج المطول والمضاعفات والإعاقة. ومن هنا، تبرز أهمية رفع الوعي بالأعراض التي تستدعي مراجعة الطبيب، وتعزيز قدرة المؤسسات الصحية على تشخيص أمراض الأوعية الدموية والتعامل معها في مراحلها الأولى.
من تبادل الخبرة إلى التدريب العملي
يمثل التعاون مع الكفاءات الطبية السورية العاملة في الخارج أحد المحاور المهمة لتطوير الاختصاص، إذ يتيح نقل الخبرات المكتسبة في المراكز الطبية المتقدمة، وتوسيع فرص التدريب أمام الأطباء داخل البلاد.
ويؤكد الدكتور ماهر حاميش، ممثل الجمعية الطبية السورية البريطانية، أن الأطباء السوريين في الداخل يمتلكون خبرات ومهارات يمكن البناء عليها، وأن التواصل مع زملائهم في الخارج يساعد على تبادل المعرفة وتطوير الممارسة الطبية. لكنه يشدد على أن التدريب وحده لا يكفي ما لم يترافق مع تأمين المعدات والمستلزمات التي تسمح بتطبيق ما يتعلمه الأطباء في العمل اليومي.
ويشير حاميش إلى أن التعاون بين الجمعية الطبية السورية البريطانية والرابطة السورية لأمراض وجراحة الأوعية الدموية بدأ يتخذ أشكالاً عملية، من خلال الزيارات والتدريب والعمل الطبي المشترك. وفي هذا الإطار، شارك أطباء من الخارج، قبل انعقاد المؤتمر بنحو عشرة أيام، في نشاط طبي استمر أسبوعاً في المشفى الوطني الجامعي، تضمن إجراء عمليات كبيرة ومعقدة بالتعاون مع الكوادر المحلية.
ويمثل هذا النوع من التعاون فرصة لتبادل الخبرة داخل غرف العمليات، وليس الاكتفاء بالمحاضرات النظرية، إذ يمكن للأطباء مناقشة الحالات وتبادل طرق التقييم واتخاذ القرار ومتابعة المرضى. كما يتطلع المشاركون إلى توسيع هذه الأنشطة مستقبلاً، من خلال زيارات متبادلة وبرامج تدريبية واستشارات تخصصية ومناقشات طبية متعددة الاختصاصات عبر الإنترنت.
ويرى حاميش أن استثمار خبرات الأطباء السوريين في الخارج يمكن أن يسهم في الحد من هجرة الكفاءات على المدى الطويل، عبر إتاحة فرص تدريب متقدمة للأطباء الشباب داخل سوريا، وتعزيز ارتباطهم بشبكات التعاون العلمي، بدلاً من حصر اكتساب الخبرة بالسفر إلى الخارج.
ويشمل هذا التوجه مجالات مترابطة، من التدريب والتجهيزات إلى البحث العلمي وتبادل الخبرات. فنجاح أي برنامج تطويري يحتاج إلى تكامل هذه العناصر، إذ لا يمكن للتدريب أن يحقق أثره الكامل من دون أدوات العمل، كما لا تحقق الأجهزة الحديثة أفضل نتائجها من دون كوادر مدربة على استخدامها.
البحث العلمي وخبرة إصابات الحرب
لا تقتصر مناقشات المؤتمر على استعراض التقنيات الحديثة، بل تشمل أيضاً أبحاثاً تتناول كيفية تحسين نتائج العلاج بالاستفادة من الخبرة السريرية المتراكمة. ومن بين هذه الأبحاث، دراسة يقدمها الدكتور فهد السيد، اختصاصي جراحة الأوعية الدموية، حول دور ترميم الأوردة في تحسين نتائج جراحات الأوعية الدموية بعد الإصابات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية في السياق السوري، بالنظر إلى الخبرة التي راكمتها الفرق الطبية في التعامل مع إصابات الحرب والرضوض المعقدة، التي قد تشمل الشرايين والأوردة والأنسجة المحيطة في الوقت نفسه.
ويوضح السيد أن الإصابات الشريانية قد تترافق مع إصابات وريدية، وأن إصلاح الوريد في الحالات المناسبة يمكن أن يساعد على تحسين عودة الدم، وتقليل التورم وبعض المضاعفات المرتبطة باستعادة التروية، بما يدعم نتائج ترميم الشريان. غير أن القرار الجراحي يعتمد على استقرار المصاب وطبيعة الإصابات وحالتها، ولا يمكن تطبيق إجراء واحد على جميع الحالات.
ويشدد على أن الأولوية في الإصابات الشديدة تكون لإنقاذ حياة المصاب ومعالجة الإصابات المهددة للحياة قبل التركيز على إنقاذ الطرف. وفي الحالات التي تسمح فيها حالة المريض، يمكن الانتقال إلى ترميم الأوعية ومحاولة الحفاظ على الطرف، بينما قد يكون البتر ضرورياً في إصابات شديدة لا يمكن إنقاذها أو قد يشكل استمرارها خطراً على حياة المصاب.
ومن النقاط التي يركز عليها البحث أن ترميم الأوردة لا يرتبط حصراً باستخدام تقنيات متقدمة أو أجهزة حديثة، بل يمكن أن يكون إجراءً قابلاً للتطبيق عند توافر المهارة الجراحية والتقييم الصحيح والمتابعة السريرية المناسبة. وتزداد أهمية ذلك في المناطق التي تعاني محدودية في التجهيزات التداخلية، ومنها المنطقة التي يعمل فيها السيد في القامشلي، حيث يلفت إلى وجود نقص في بعض المعدات، ولا سيما تجهيزات الأشعة التداخلية.
ويعكس هذا المحور أهمية توثيق الخبرات الطبية المحلية وتحويلها إلى أبحاث قابلة للنقاش والتقييم العلمي، بما يتيح الاستفادة منها في التدريب وتحسين الممارسة الجراحية. ومع ذلك، فإن تعميم النتائج يتطلب الاطلاع على تفاصيل الدراسة ومنهجيتها وحجم العينة ونتائجها المنشورة، وهي عناصر ضرورية لتحديد مدى قابلية تطبيق الاستنتاجات على نطاق أوسع.
من التوصيات إلى خطوات قابلة للتطبيق
تتقاطع محاور المؤتمر عند مجموعة من الاحتياجات الأساسية: تحديث التجهيزات الطبية، وتأمين المستلزمات الضرورية، وتطوير التدريب التخصصي، وتعزيز البحث العلمي، وتوسيع التعاون بين الأطباء داخل سوريا وخارجها.
ويعمل هذا التعاون على مستويين متكاملين؛ الأول علمي، من خلال المحاضرات ومناقشة الأبحاث والإرشادات الحديثة، والثاني عملي، عبر التدريب والعمليات المشتركة وتبادل الاستشارات والخبرات السريرية. وتبقى استدامة هذه الجهود مرتبطة بتحويل المبادرات إلى برامج واضحة ومستمرّة، قادرة على الوصول إلى الأطباء في مختلف المؤسسات الصحية.
وفي ظل التطور المتسارع في جراحة الأوعية الدموية، لا يكمن التحدي أمام القطاع الصحي السوري في متابعة المستجدات العلمية فحسب، بل في توفير الشروط التي تسمح بتطبيق المناسب منها بأمان وفاعلية. وبين الخبرات المحلية والتعاون مع الأطباء السوريين في الخارج، تبرز الحاجة إلى مسار يربط العلم بالتدريب والتجهيزات والبحث، لتنعكس نتائجه بصورة ملموسة على جودة الرعاية الطبية وفرص العلاج المتاحة للمرضى.


